• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : علاقة المجتمع الكوفي بثورة الإمام الحسين (عليه السلام) .
                          • الكاتب : د . خليل خلف بشير .

علاقة المجتمع الكوفي بثورة الإمام الحسين (عليه السلام)

   تختلف الكوفة عن بقية الأمصار ذات الشعوب المتجانسة نسبياً في الجوانب الدينية والمذهبية والقومية ، إذ انفردت الكوفة بخليط اجتماعي غير متجانس ، وتركيب شعبي معقد ، شديد التعقيد . أفرز مزيجاً خاصاً وأعطاها طابعها المتميز في التحرك و النكوص ، وفي التقدم والتراجع ،وبالرغم من ذلك كله  كانت مدينة الكوفة منذ عصر أمير المؤمنين (ع) مركزاً أساسياً لكل الثورات والنهضات الشيعية فالحوادث والاضطرابات التي حدثت في الكوفة هي التي صنعت تاريخ التشيع ومن تلك الحوادث حربا الجمل وصفين ،وثورة حجر بن عدي ،وثورة الإمام الحسين (ع)،ولعل أهم هذه الحوادث التي وقعت في تاريخ التشيع ،والتي ترتبط مباشرة بالكوفة هي ثورة كربلاء فمن جانب كان الكوفيون ممن شارك بدعوة الإمام الحسين (ع) الى الكوفة ،ومن جانب آخر كان الجيش الأموي الذي جهزه الأمويون لقتل الإمام الحسين (ع) يوم عاشوراء كان من أهل الكوفة.
إنّ خيانة الكوفيين في مواجهة ثورة الإمام الحسين (ع) تحتاج الى معرفة بالمجتمع الكوفي منذ أن أُسست مدينة الكوفة من خلال معرفة أسباب الانحرافات الاجتماعية في عصر الإمام الحسين (ع) فالاضطرابات الاجتماعية هي وليدة المحيط الاجتماعي ،ويمكن رصد الأسباب التي أدت إلى خيانة الكوفيين للإمام الحسين (ع) بأربع نقاط:
1- الأسباب الاجتماعية والسكانية التي تتلخص بهجرة مجاميع كثيرة من المناطق المفتوحة إلى الكوفة وكذا رواج سوق البحث والجدل هناك مع وجود اتجاهات وفلسفات متعددة كان لها التأثير في إيجاد التغيرات الداخلية والأخلاقية لأهل الكوفة لاسيما ما يتعلق بخصوصياتهم المعروفة على أن تأثير الفتوحات الإسلامية كان له أثر مهم في هجرة القبائل العربية إلى هذه المناطق للحصول على الغنائم ولاسيما في الكوفة ومن هنا فإن الكوفة لا تتسم بكونها مدينة عربية أصيلة من حيث كثرة المهاجرين الذين يسكنون فيها وأكثرهم من قوات الجيش الذين اشتركوا في الفتوحات طلباً للغنائم والحصول على حياة فضلى مما جعلهم يصابون بالغرور والعيان والبحث عن رئاسة والتسلط على الآخرين.
2- الأسباب السياسية:  كانت الكوفة أوحد أمصار الإسلام وعياً ثورياً يتجاوز حالات الحماس الساذج ، إلى إدراك أهمية الدور المناط بأهلها ، خلافاً لضعف ذلك الإدراك في بقية الأمصار القائمة آنذاك ... مما دفع بأعداء اليقظة السليمة والوعي الصحيح إلى اتخاذ تدابير خبيثة للتخلص من نشاطاتها التي تهدد طموحاتهم الجاهلية ذات المبادئ الأموية ... تلك التدابير الخفية والعلنية لبث الشائعات ونشر الشبهات وتوزيع عناصر النفاق لإشاعة الشكوك ، وصولاً إلى فت عضد الإنسان بجعله متردداً مرتاباً في تكاليفه ، علماً ان الشيعة كانوا نسبة قليلة وسط الغالبية المتعاطفة مع الأمام علي ولم تكن الكوفة شيعية بأسرها أو نصفها يوم جاءها الإمام أو يوم غادرها (ع) إلى ربه تبارك وتعالى ،لذا سعى يزيد والنظام الأموي لقمع كل تحرك والحصول على المشروعية السياسية والدينية ومحاولة التوفيق بين الأمة الإسلامية والقيم الجديدة للنظام الأموي والضغط على الإمام الحسين (ع) لأخذ البيعة منه يمثل صوراً للانحرافات الاجتماعية العميقة في ذلك العصر على أن تخويف أهل الكوفة وإرعابهم من قبل الأمويين وتهديد أشراف الكوفة من لدن عبيد الله بن زياد كان من العوامل المهمة في إضعاف إرادة الكوفيين مما أوقعهم في انحراف اجتماعي كبير وهو الحرب مع الإمام الحسين (ع).
3- الأسباب المادية والاقتصادية: إن تأثير العوامل الاقتصادية على الانحرافات الاجتماعية عامل لا يمكن إنكاره أبداً فشخص ضعيف النفس مثل عمر بن سعد الذي أعماه حرصه وطمعه وحبه للجاه اعترف بنفسه أنه أصبح مبتلى بعذاب الضمير فهو القائل: (( أقسم بالله لقد بقيتُ محتاراً في عملي هذا )) وكذا في جوابه على نصيحة برير في قوله: ((ما تقوله صحيح يا برير من يحارب الحسين بن علي (ع) وأولاده ويمنعهم حقهم، مقامه في نار جهنم ولكن يا برير ملك الري كبير وولاية الري مليئة بالنعم الوافرة، ولا يمكنني تركها إن الشقاوة استولت علي والجاه والحكم جعلني لا أتعفف عن كل ذلك وأفعل مثل هذا العمل الشنيع ولكنني لا أستطيع أن أغض الطرف عن كل ذلك)). ومما يدلل على أهمية العامل الاقتصادي وتأثيراته قول الإمام الحسين (ع) في يوم عاشوراء: ((قد انخزلت عطياتكم من الحرام، ومُلئت بطونكم من الحرام، فطبع الله على قلوبكم)).
4- الأسباب الثقافية والقيمية: إن تحريف العقائد الدينية وتبديل القيم الإسلامية التي كانت في عصر النبي (ص) وصلت إلى الحد الذي أوهم فيه الحاكم الأموي الناس أن الحسين (ع) خرج على إمام زمانه، وقد كُسرت بذلك وحدة الأمة الإسلامية وهذا يعني أن فصل الناس عن الإمامة التي هي منبع الهداية وعدم الاستفادة من القيم الإلهية المتجلية في شخص الإمام المعصوم كل ذلك كان سبباً لانحراف المجتمع الإسلامي عن الصراط القويم؛ لذا فإن تغيير النظام الأخلاقي الفاسد كان هدفاً من أهداف الإمام الحسين (ع) في نهضته المباركة، وإن النظام الأموي كان يرى وجوده متمثلاً في تثبيت مثل هذا النظام غير الأخلاقي ومواجهة هذا التغيير، وكان الأمويون يدأبون في منع الإمام الحسين (ع) من الوصول إلى أهدافه السامية ويتخذون كل التدابير الممكنة في سبيل ذلك.
 
جامعة البصرة – كلية الآداب



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=35319
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2013 / 08 / 21
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 09 / 26