• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : ثقافات .
                    • الموضوع : 4 - الضرورات الشعرية ، دراسة ضرورية .
                          • الكاتب : كريم مرزة الاسدي .

4 - الضرورات الشعرية ، دراسة ضرورية

 

25 - حذف الشرط وجواب الشرط :
يقول  الرضي في (شرحه على الكافية )  : اعلم أن أم الكلمات الشرطية (إن)، ومن ثمة، يحذف بعدها الشرط والجزاء، في الشعر خاصة، مع القرينة، قال
 قالت بنات العم يا سلمى وإنْ *** كان فقيرا معدما قالت وإنْ (52)
ينسب هذا البيت إلى رؤبة بن العجاج ، حذف جواب شرط ( إنْ) الأولى فيه  ، والتقديرإنْ كان  الزوج الذي تترقبيه فقيراً معدماً ، فجواب الشرط المحذوف:أترضين به؟! فأجابت سلمى العاشقة : وإنْ ، ذكرت الأداة ، وتغاضت، وبالأحرى الشاعر تغاضى  عن الشرط وجوابه . 
ويقول إبراهيم بن هرمة :  
احفظ  وديعتك التي استُودعتها ****  يوم الأَعارب إن وُصلْت وإن لم
 يعقب الغلاييني في (جامع دروسه العربية ) :أي "وإن لم تصل" ويروى "إن وصلت" بالمجهول، فيكون التقدير (وإن لم توصل)، قال العيني وهو الصواب. (53) .
26 - الجزم بأداة الشرط (إذا) ضرورة  :
 الشاهد (504 ) من شواهد عبد القادر البغدادي في (خزانته ) ، يقول الفرزدق  من البسيط  :
ترفع لي خندفٌ والله يرفع لي *** ناراً إذا خمدت نيرانهم تقدِ
( إذا )  قد تجزم في الشعر فعلين كما هنا، فإن جملة خمدت في محل جزم شرط إذا، وتقد جوابها، وهو مجزوم وكسرة الدال للروي ،قال سيبويه: وقد جاوزا بها، أي: بإذا، في الشعر مضطرين، شبهوها بإن حيث رأوها لما يستقبل،وأنها لا بد لها من جواب.وقال قيس بن الخطيم من الطويل :
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها *** خطانا إلى أعدائنا فنضارب (54)
(إذا ) جازمة للشرط والجزاء في ضرورة الشعر، بدليل جزم نضارب بالعطف على موضع جملة كان وصلها إلخ، الواقعة جواباً لإذا ، ولولا أن جملة الجواب في موضع جزم لما عطف عليه (نضارب) مجزوماً. وأما كسرة الباء فهي للروي. (55)
وقال بعض السلوليين من  الطويل :
إذا لم تزل في كل دارٍ عرفتها  *** لها واكفٌ من دمع عينيك يسجم
فهذا اضطرارٌ، وهو في الكلام خطأ ، ويواصل البغدادي:قال الأعلم: الشاهد في جزم تسجم على جواب إذا كما تقدم. وتقدير لفظ البيت: إذا لم تزل في كل دار عرفتها من ديار الأحبة يسجم لها واكف من دمع عينيك. ومعنى يسجم ينصب. والواكف: القاطر. ورفعه بإضمار فعل دل عليه يسجم . (56) ، وإليك قول عبد الرحمن بن حسان :
استغن ما أَغناك ربك بالغنى ***  وإذا تصبْك َ خصاصة ٌ فتجمّل ِ
فقد جزم بإذا فعل الشرط (تصبْ) ، وقرن (تجمّلِ) بالفاء للطلب ، وجزمه  كجواب للشرط ، والكسرة في اللام للروي .
27 - المتنبي يحذف الهاء والألف ضرورة  ، وما بعده من باب الإيجاز والتلميح  ، وشاهد أخر للنمر بن تولب  :   
يقول المعري (في (معجز أحمده) معقباً على بيت المتنبي التالي :
فيا ليلةً ما كان أطول بتها *** وسم الأفاعي عذب ما أتجرعُ 
قوله: يا ليلةً. تعجب وإعظام، وليس بنداءٍ في الحقيقة، وقوله: ما كان أطول! أي ما كان أطولها ، وما أطول حزنها ! فحذف (57)
أمّا من يعتبر قول المتنبي : 
فقلْ في حاجة ٍ لم أقضِ ِ منها *** على شغفي بها شروى نقير ِ
فيه حذف كلمات ضرورة لضيق المقام ، والأصل ( فقل ما شئت) ، هذا كلام مبالغ فيه ، تعوزه الدقة ، والمعرفة بخفايا ، وأسرار الشعر ، فالشاعر يلجأ عادة للإيجاز، والاقتصار، وتلميحه أبلغ من تصريحه !! ، لم يخرج المتنبي في هذا البيت عن أصول اللغة وصرفها ، وقواعد نحوها ضرورة وفق المألوف ، والذي أقرّه علماؤها !
وقد سبق النمر بن تولب - وهو شاعر مخضرم جاهلي إسلامي - المتنبي بأكثر من ثلاثة قرون ، وقال البيت أدناه :
 كما لا يُ فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا *** وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرّْ
كما لا يُخفى العجز يعني : ويوم ٌ نُساءُ فيه ، ويومٌ نسرّفيه ، فحذف النمر (فيه) مرتين ، وترك الأمر للسامع أوالقارئ أن يستوعب تلميح البيت ، والحقيقة نستطيع أن نرجع هذا للإيجاز ، وهو من أبحاث علم المعاني الذي يُعتبر حالياً من الأقسام الثلاثة لعلم البلاغة .  
28 - حذف نون التوكيد الخفيفة ضرورة ، ولحقت بالفعل الماضي  لضرورة المعنى ! :
يذهب ابن هشام الأنصاري في ( أوضح مسالكه ) بقوله : لتوكيد الفعل نونان: ثقيلة، وخفيفة؛ نحو: {لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا}(يوسف 32) ، ويؤكد بهما الأمر مطلقا  ، ولا يؤكد بهما الماضي مطلقا ،واما المضارع فله حالات (58) ، نحيلها لعلم النحو ، استشهد ابن الأنصاري بهذه الآية لاجتماع النونين فيها ، فجاءت النون المؤكدة مشدّدة في (ليسجنَنَّ) ،  لأن امرأة العزيز كانت أشد حرصا على سجنه، من كينونته صاغر وسأوضح  أمر النونين ، النون المشدّدة في (ليسجنَنَّ) تعني نونين ، الأولى ساكنة وهي الخفيفة، والثانية يجب أن تكون متحركة ، لتجنب التقاء الساكنين - العرب لغتهم خفيفة جميلة ، تأبى الساكنين - فمنحت النون الثانية حركة الفتح ، وهي أخف الحركات ، أمّا النون  الثالثة أولهن ، فهي الأصلية من الفعل (سجنَ - يسجن) ، وبالنسبة للفعل الثاني (ليكونّا) ، يتضمن نونين ، الأصلية ، ونون التوكيد الخفيفة .        
يقول الشاعر وقد ألحق نون التوكيد بالفعل الماضي ضرورة  : 
      دامنَّ سعدك إن رحمت متيما *** لولاكِ لم يك للصبابة جانحا
الفعل الماضي لا يؤكد  ، لا بالنونين ، ولا بنون واحدة،لأنه حدث يقينا، فكيف لحقت النون بـ (دامن)؟ نرجع لابن الأنصاري وتعليله :الضرورة؛ سهلها أن الفعل مستقبل معنى؛ لأن الدعاء إنما يتحقق في الاستقبال .(59) 
 وهذا مثال لشاعر  ترك توكيد الفعل المضارع في بيت (بسيطه) ، بالرغم من دخول ( إمّا) عليه ، للضرورة الشعرية :  
يا صاح إما (تَجِدْنِي) غير ذي جدة   *** فما التخلي عن الخلان من شيمي
والشاهد (تجدني ) ، وقد تُحذَف نون التوكيد الخفيفة للضرورة؛ لسكونها وسكون ما بعدها، كقول الشاعر:
لاَ (تُهِينَ ) الفَقِيرَ عَلَّكَ أَنْ تَرْ*** كَعَ يَوْمًا وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ (60)
كما ترى توجد نون واحدة ملحقة بالفعل( تهينَ) ، وهي المحركة بالفتحة ، أمّا الثانية الخفيفة الساكنة ، فقد حذفت ضرورة ، وهنالك من يعتبر أنّ حذف النون في البيت السابق واجب ، للتخلص من إلتقاء الساكنين ، وليس ضرورة شعرية ، وإليك ما لم يكن بعدها ساكن ، وبالتالي هي ضرورة حتماً : 
(اضْرِبَ ) عَنْكَ الهُمُومَ طَارِقَهَا *** ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ الفَرَس (61)
قد حذف الشاعر نون التوكيد من فعل الطلب (أضرب)  لضرورة شعرية ، بل قد حذفت هذه النون من الفعل (أبغض) الواجب تأكيده بها ،في البيت الآتي ، لأنه جواب قسم ، مثبت ، متصل باللام ومستقبل : 
يميناً لأُبغضُ كلّ امرىءٍ *** يزخرفُ قولاً ولا يفعلُ 
يروي السمين الحلبي في (درّ مصونه) عن سيبويه قوله :" وقد لا تلزم هذه النون لام التوكيد " المعروف من مذهب البصريين الزومهما معا، والكوفيون يجيزون تعاقبهما في سعة الكلام، وأنشدوا :
 يمينا يا سلمى لأوقن أنني ***  لما شئت مستحل ولو أنه القتل
وقال آخر :
 يمينا لأبغض كل امرىء *** يزخرف قولا ولا يفعل
فأتى باللام وحدها . (62) 
وقد تحذف نون التوكيد الخفيفة عند الوقف عليها وتستبدل بالف،كما قال مساور بن هند العبسي راجزاً : 
يحسبه الجاهل ما لم يعلما ***  شيخاً على كرسيه معمّما (63)
  29 -  حذف نون الوقاية  : 
فال الأعشى - وينسب إلى آخرين - :
 أبالموت الذي لا بد أني  *** ملاق لا أباك تخوفيني 
وقد جاء كسر نون الرفع وحذف النون التي مع الياء في ضمير المنصوب (ياء الوقاية )  ،أراد تخوفينني فحذف النون الثانية وكسر نون المؤنث لمجاورتها الياء والنون في تخوفينني ،علامة الرفع في فعل الواحد كالنون في تبشرون التي هي علم الرفع ، وقد قال قوم أن النون المحذوفة هي الأولى وذلك بعيد لأنها علم الرفع وعلم الرفع لا يحذف من الأفعال إلا لجازم أو ناصب . (64)  
30 - نزع رُبَّ ، وبقاء عملها :  
ربّما (رُبَّ) ليست كـ (حتّى)  حتى يقول عنها سيبويه ما قاله في أخته " اأموت وفي نفسي شيء من حتى . " ، ولكن الحديث عنها طويل أيضاً ! ذهب معظم النحويين على أنّها حرف جر ،وقال أقلهم : إنها اسم ! وإن كانت حرفاً ، فهل هي زائدة أم غير زائدة ؟!وزيادتها بالإعراب ، لا في المعنى ،، وهل يلحقها متعلق أم لا ؟  والمتعلق بها مذكور أم محذوف ؟ ، وهل تفيد التقليل أم التكثير(65) ، وعرفه الشيخ عبد الغني الدقر في (معجم قواعده العربية ) : "حرف جر لا يجر إلا النكرة، ولا يكون إلا في أول الكلام، وهو في حكم الزائد، فلا يتعلق بشيء وقد يدخل على ضمير الغيبة ملازما للإفراد والتذكير، والتفسير بتمييز بعده مطابق للمعنى . " (66)
وأجمل ابن مالك عملها في ألفيته بقوله :
وحُذَفَتْ "رُبَّ" فجرَّتْ بعد بل*** والفا، وبعد الواوِ شَاْعَ ذا العمل 
و( رُبَّ) قد تنزع من الكلام ، ويبقى عملها ،وتخلّف ما يشير إليها ، كواو رُبَّ وهي الغالبة ، وبعدها بمراحل يأتي حرف الفاء ، و(بَلْ) ، وقيل (ثمَّ ) ، ولا يوجد لهذه الـ (ثمَّ) شاهد ، وأحياناً نادرة لا تخلف (رُبَّ) حرفاً، وتُنتزع ، وتقوم بعملها !! هذه لغتنا، ويجب أن تعرف أسرارها . 
يقول الرضي عن شرطي نزع رُبَّ ما نصّه : "يُحذف حرف الجر قياسا مع بقاء عملها إذا كان الجار (رب) بشرطين  : أحدهما : أن يكون ذلك في الشعر خاصة ، الثاني : أن تكون بعد الواو أو الفاء أو بل " (67) .
وإليك هذه الأمثلة ، كما استشهد بها هذا الرضي وغيره من مؤرخي الأدب القدماء ، فأولها هذا البيت من البحر الطويل ، لامرئ القيس ، وليله الطويل  :
 وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله  *** عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي
(وليلٍ) ، الواو قطعا ليست بالواو العاطفة ، وتسمى واو رُبَّ ، وبعضهم يعترض على هذه التسمية ، ولا يدري من أين أتت ، وما مصدرها كالدكتور فاضل السامرائي ، الذي استمد رؤيته من الأقدمين  ، ولكن المعنى يوحي بها، ويشير إليها ، والحقيقة لا أعرف أسرار الملك الضليل ، هل كانت معظم لياليه على هذا الحال ، فقالها للتكثير ، أم نادراً ما تمرّ عليه هذه النوبات ، فقالها للتقليل ، ومن تجربتي في هذه  الحياة ، ما أراه إلا مبتلى بالداء العضال ّ، وتبقى مشكلتنا مع النحويين ، يجرون الـ (ليل) لفظاً  ويرفعونه محلاً ، ويقولون : إنّه مبتدأ ، والحق معهم !!
والمثال الثاني للشاعر نفسه ، ومن البحر الطويل ، والشاهد فاء رُبَّ :
فألهيتها عن ذي تمائم محول  *** فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع
ووجهتنا (فمثلِكِ) ، كما ترى قد استأنف الشاعر عجز بيته بفاء الاستئناف ، و(مثلِكِ) ، (مثلِ) اسم مجرور بـ (ربَّ) المحذوفة لفظاً ، وفي محل رفع على أنّه مبتدأ ، وهو مضاف ، وكاف المخاطبة مضاف إليه . تبقى لدينا (بل) ، وهاكها ، وغيرها :
 لا يشترى كتانه وجهرمه *** بل بلد ملء الفجاج قتمه
وعلينا بـ (بلْ بلدٍ) ، بل حرف عطف تفيد الاستدراك ، دخلت على اسم مفرد ، سبقها نفي ، (بلدٍ) اسم مجرور ب(رُبَّ) المحذوفة لفظاً ، في محل رفع مبتدأ كالعادة  . 
ونرجع للرضي  وشواهده ، إذ يقول : الشواهد الواردة التي تذكر في (بل) تضاهي في عددها شواهد الفاء ، ومنها : قول الراجز: 
بل بلد ذي صعد وأصباب
وقوله :
بل مهمه قطعت بعد مهمه
وقوله :
بل جوز تيهاء كظهر الجحفت
وقول الشاعر:
يزجي حبيا إذا خبا ثقبا *** بل من رأى البرق بت أرقبه
فهذا الشواهد تشهد بأن القلة في نزع (رب)  بعد بل نسبية كما هي في (الفاء) ، لذلك يأتي في (بل) ما قاله الحيدرة في الفاء: " وإنما أكثرنا من التمثيل فتحا لباب القياس " (68)  
  وقد تنزع (رُبَّ) ، ويجرد الحرف البديل ، ويبقى عملها جارياً جاراً ، من دونها ، ودون أي حرف ، إليك هذا البيت من الخفيف  ، ونعفب : 
رسم دار وقفت في طلله *** كدت أقضي الحياة من جلله
يقول عبد القادر البغدادي  في (خزانته) : " على أن رسماً مجرور برب المحذوفة، وهو شاذ في الشعر، كما بينه الشارح المحقق  ،وهو مطلع قصيدة لجميل بن معمر العذري " (69)
31  حذف حروف المعاني للضرورة :
يلخص أ .د. أحمد بن عبد الله السالم في بحثه (حذف حروف المعاني للضرورة) " من خلال تقسيماتها التي وضَعَها اللغويون والنُّحَاة وهي: الأحادية، والثنائية، والثلاثية
فالحروف الأحادية التي حُذِفت للضرورة هي: (الهمزة، والباء، والفاء، واللام: "لام الطلب ولام الجواب"، والنون: "نون التوكيد خفيفة وثقيلة، ونون الوقاية، ونونا التثنية والجمع"، وواو العطف)
وأمَّا الحروف الثنائية فهي: (أن الناصبة، وفي الجارة، ولا العاملة عمل ليس)
وأمَّا الحروف الثلاثية فهي: (إلى الجارة، وربَّ الجارة، وعلى الجارة) " (70)
تكلمنا  حسب بحثنا وسعينا واجتهادنا عن معظمها ، وأوردنا العديد من  الشواهد الشعرية عليها كأمثلة ، وفصلنا فيها أنّى كان الأمر يستوجب ذلك ، والدكتور ، يورد الأراء المتعددة حول الشاهد دون أن يشير إليه بوضوح أحيانا ، ويترك للقارئ أن يستدل عليه ، ولم يولد علاقة بين علم العروض ، وعلوم اللغة والصرف والنحو ، إليك بعض شواهده :
 " لام الجواب المقصود بالجواب هنا جواب القسم، ويُستشهَدُ لحذف اللام من (لأفعلنَّ) للضرورة بقول الشاعر:
وَقَتِيلِ مُرَّةَ أَثْأَرَنَّ فَإِنَّهُ *** فَرِغٌ وَإِنَّ أَخَاكُمُ لَمْ يُثْأَرِ  
على تقدير: (لأثأرنَّ) " (71)
نوضح - والكلام لي - البيت لعامر بن الطفيل  ، وهو من الكامل ، وتفعيلة ( متفاعلن ) الثانية ، لا يستقيم وزنها إلا بحذف لام  القسم :( وقتيْ لمرْ - متفاعلن ، رتأثْ أرنْ - متفاعلن ...)  ، فحذفها الشاعر ضرورة ، والحقيقة لام الجواب تحذف على ثلاثة أحوال نحو( لو نشاء جعلناه أجاجا) ،  
وحذف لام لقد يحسن مع طول الكلام نحو ( قد أفلح من زكاها ) (72) ، وهذان الشاهدان ليس من الضرائر الشعبية ، لأنهما يأتيان بالشعر والنثر ، أمّا  حذف لام لأفعلن فيختص بالضرورة ، واستشهدنا بقول ابن طفيل.
32 - سرّ منْ راى تتحول إلى سامراء ضرورة:
 يذكر الصفدي  في (تصحيفه وتحريفه ) : يقولون للبلدة التي أحدثها المعتصم بالله: سامرا، فيوهمون فيه كما وهم البحتري، إذ قال في صلب بابك : 
أخليت منه البدو، وهي قراره *** ونصبته علما بسامراء
والصواب أن يقال فيها: سر من رأى على ما نطق به في الأصل، لأن المسمى بالجملة يحكى على صيغته، كما يقال: جاء تأبط شرا ولهذا قال دعبل في ذمها
بغداد دار الملوك كانت ... حتى دهاها الذي دهاها
ما سر من رأى سر من را ... بل هي بؤسى لمن رآها (73) 
ودعبل ولد قبل البحتري بثماتية وخمسين عاماً ، وإن تعاصرا، ويُعتبر أكثر حجة في اللغة والشعر من معاصره الصغير عمراً!!   
32 - تخفيف الحرف المشدًد  ، وهو نقصان :  
أمثلة على تخفيف الحرف المشدد ، وهذا من الحذف أو النقصان  ،  قول الشاعر من المتقارب :  
 
فقالوا القصاصُ وكان التقاصُ *** حقـّاً وعدلاً على المسلمينا
فقالُل قصاصُ وكانتْ تقاصو  ***حقـْقن وعدلن علَلْ مسْ لميْنا
فعولن  فعولُ  فعولن  فعولن *** عولن  فعولن فعولن  فعولن
(فعولُ) و(عولن) من جوازات المتقارب،أين الشاهد، ولماذا قطّعت البيت ؟!الشاهد كلمة ( التقاصُ) ، فقد خففت الصاد المشدّدة ، وأصل الكلمة (التّقاصّ ُ) ، فالصاد مشدّدة  تعني حرفين ، أولهما صاد ساكنة ، وثانيهما صاد محرّكة ، وإذا التفتت إلى الحرف الذي يسبق الصاد الساكنة ، تجده ألف المد الساكن ، ولا يجوز في حشو الشعر وأعاريضه - عدا القوافي ، إذ مرّت علينا القافية المقيدة المردفة  -  التقاء ساكنين مطلقاُ إلاّ في حالتين فقط ، نهاية أعاريض البحر المتقارب ، ومجزوء الكامل ، ففي حالة البيت السابق الذي قطّعناه ، يمكن لـ (تقاصو) أن تسكن الصاد ، فتصبح (تقاصْ - فعولْ - //ه ه) ، وإذا لم يخفف الحرف المشدد في نهاية العروض ، يجب أن ينقل الحرف المحرك من الشدّة  إلى عجز البيت .علل الجوهري قائلاً : " كأنه نوى الوقوف على الجزء وإلا فالجمع بين ساكنين لم يسمع به في  حشو بيت ." (74) ، ويعقب ابن رشيق صاحب (العمدة) : "إلا أن سيبويه قد أنشد:
كأنه بعد كلال الزاجر *** و(مسْحه) مر عقاب كاسر
بإسكان الحاء وإدغامها في الهاء والسين قبلها ساكنة." (75)
  وقد خفّف المرقِش الأصغر شدّة حرف اللام في كلمة (ضالّة) ، وأحال الكلمة إلى (ضالَة) في البيت الآتي : 
 رمتْكَ ابنةُ البكري عن فرْع ضالَةٍ * * * وهنَّ بنا خوصٌ يخلْنَ نعائما
وكثيراً ما يستشهد المفسرون ببيت امرئ القيس (من المتقارب) ، في موضوع القسم  قائلاً : 
فلا وأبيكِ ابْنَةَ العامريِّ ***  لا يدَّعيْ القومُ أنِّي أَفِرْ
ونحن نستشهد به في موضوعنا ، ولكن للتخفيف في القواقي ، فكلمة ( أفِرْ) أصلها (أَفِرّ) لكنه خفف الشاعر  للضرورة. ، ويكثر تخفيف الحرف المشدّد في روي القوافي ، وهذا بيت آخر للامرئ نفسه  :
يُعل ّ به بردُ أنيابها *** إذا النجم وسط السماء استقلْ
فقد خفف شدّة روي الفعل ( استقلَّ) إلى (استقلْ).
 
 33 - تشديد الحرف  المخفف زيادة  :
يذكر رضي الدين الأستراباذي في ( شرحه لشافية ابن الحاجب ) : " فإنه من المشهور أن من جملة المعدود في الضرورات تشديد المخفف، وأصله الوقف، ثم للشاعر أن يجرى الوصل محرى الوقف، بل غير سيبويه لا يجيز التشديد في المنصوب إلا في الشعر..." (76) ، ويورد هذا الرضي هذه الأبيات التالية من الرجز لرؤبة بن العجاج - وينسبها ابن عصفور إلى ربيعة بن صبيح  ، والصحيح للرؤبة ، موجودة في ملحقات ديوانه :
إني لأرجـــو  أن أرى جدَبّا 
 في عامكم ذا بعد ما أخصبّا
 إذا الدبا فـــوق المتون دبّـا 
 وهبّـــت الريح بمــــور هبّا 
تترك مـــا أبقى الدبا سبسبّا 
أو كالحريق وافق القصـــبّا 
والتبن والحلفـــاء فالتهبّـــا 
وجدبا أصله جدبا بإسكان الدال، وإنما حركها لالتقاء الساكنين حين شدد الباء، وإنما حركها بالفتح لأنها أقرب الحركات إليه وقال  ابن عصفورفي كتاب( الضرائر) : " ومنها تضعيف الاخر في الوصل إجراء له مجرى الوقف، نحو قول ربيعة بن صبيح (من الرجز) 
 تترك ما أبقى الدبا سبسبّا * الأبيات فشدد آخر سبسبّا والقصبّا والتهبًا في الوصل ضرورة، وكأنه شدد وهو ينوى الوقف على الباء نفسها، ثم وصل القافية بالألف فاجتمع له ساكنان فحرك الباء وأبقى التضعيف،لأنه لم يعتد بالحركة لكونها عارضة، بل أجري الوصل مجرى الوقف.(77)  وكما مرَّ عليك أبيات رؤبة من مشطور الرجز ،( مستفعلن مستفعلن مستفعلن) ، وجوازات تفعيلة (مستفعلن الرجزية ، وفي المشطور كما مرّ علينا الضرب هو العروض نفسها ، وفي الأبيات المذكورة الضرب إما (فعولن) في معظم الأبيات ، أو (مفعولن) ، وفي كلتا الحالتين القافية فيها متواترة (ه/ه) ، فالباء يجب أن تكون مشدّدة ، ومن هنا يلجأ الشاعر لضرورة تشديد الحرف أو تثقيله .  وإليك أمثلة أخرى :    
و قائلةٍ والدمّ ُيصبغُ دمعها *** رويدكَ يابنَ الست عشرة كم تسري؟
 
فكلمة (الدَّمّ ُ) مشددة الميم لضرورة الشعر ، والأصل(الدَّمُ) ،ميمها غير مشدّدة. والبيت الآتي أيضاً (دمّه) مشدّدا:
أهان دمّك فرغا بعد عزته *** ياعمرو بغيك إصرار على الحسد
34 - فك الإدغام الواجب :
الإدغام هو ضمّ حرفين من نفس الجنس ، أو متقاربين ، لا فاصل بينهما  الأول ساكن ، والثاني محّرك في حرف واحد مشدد ، مثل : هلل -> هلَّ ، مدد -> مدَّ ، كررم -> كرّم ، أومن جنسين متقاربين ، يُقلب أحدهما ليجانس الآخر  :  انمحى -> امحى ، وادتكر-> ادّكوللإدغام ثلاثة أقسام ، وهيواجب وجائزوممتنع  ويهمنا في الشعرفك إدغام الواجب ضرورة ،  ولإدغام الواجب بعض الشروط  ، لا تهمنا لأنّنا نتكلم عن الإدغام الحاصل فعلاً في الكلمة الموظّفة في الشعر ، يقول الصفدي في ( تصحيح تصحيفه...) : " ولا يجوز إبراز التضعيف إلا في ضرورة الشعر كما قال الراجز في الاسم :
إن بني للئام زهده *** مالي في صدورهم من مودده
وقد شذ منه: قطط شعره، من القطط، ومششت الدابة، من المشش، ولححت عينه، أي التصقت، وألل السقاء، إذا تغيرت ريحه، وصككت الدابة، من الصكك في القوائم، وكل ذلك مما لا يعتد به ولا يقاس عليه . " (78)
ويحدد الحريري في ( درّة غواصه...)  ما أوردناه للصفوي الكلمة التي فكّ إدغامها الشاعر الراجز ، ويزيد مثلاً أخر  : " فأظهر التضعيف في مودة لإقامة الوزن وتصحيح البيت ومثله قول قعنب بن أم صاحب هذه الأفعال 
مهلا أعاذل قد جربت من خلفي ***إني أجود لأقوام وإن ضننوا
أراد ضنوا ففك الإدغام للضرورة ..." (79) .
    في البيت الآتي :( ومثال آخر  : فك إدغام (الأجَلّ) ضرورة إلى ( الأجلل 
الحمدُ للهِ العليِّ الأجْلَلِ ***  أنتَ مليكُ الناسِ ربًّا فاقْبَلِ
أجمل ختام بالحمد لله العلي الأجلل، وشكراً لكم ، وإلى اللقاء الأفضل ...!!
 



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=34517
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2013 / 08 / 04
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 12 / 8