• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : الى جميع المثقفيـــن.... نداء اسـتغاثة .
                          • الكاتب : د . سعد بدري حسون فريد .

الى جميع المثقفيـــن.... نداء اسـتغاثة

يقول سـلامة موسى ما معناه، ان اصدق ما يكتبه الكاتب هو عندما يكتب عن تجربة شـخصية. واعتقد انه يقصــد توظيف التجربة الشــخصية لايصـال الرسـالة. وبالنســبة لي، اعتقــد ان صدق الرســالة قد يدل الكاتب احيانا، الى احدى تجاربه الشـخصية. واورد هنا، ثلاث حكايات قصيرة ابرر فيها دق جرس الاسـتغاثة.
 
لاول مرة نستلم كتاب التربية الوطنية، كان ذلك في الصف الثاني متوسط، اي في عمــر الثلاثة عشـر ســنة، وفي بداية السبيعنات، اي قبل ان تتغلغل السـلطة الجديدة الى عروق المجتمع كثيرا. كان صفحات الكتاب قليلة، ولكن مادتها كانت جديدة. والجديد ايضا ان المدرس كان شــابا، واي شــاب، كان متأنقــا مذواقــا. ولاننا في مقتبل مرحلــة المراهقة، رصــدنا انه كان شـاعريا عاشــقا!
 
لم يكن عسـيرا ان نقوم بواجبنا البيتي وان نقرأ بضع صفحات تحضيرا للدرس الجديد، ولكني في مرة، نسـيت ان اقرا لدرس التربية الوطنية. بدأ الدرس وشاءت الصدفة ان يختارني المدرس أول المتحدثين. قلت له بســرعة اني نسـيت هذه المرة ان اقرأ للدرس، ولكنه قال..... لامانع نسـتمر بالحــوار!
 
طلب مني ان أبدأ بتعريف للدولة، وبدأت بلغتي البسـيطة، وبمعارفي الابسـط تعريفا مقترحا. أجابني المدرس بجملة تبدا بكلمة لكن.... وأضاف بعدا آخر الى التعريف، وحاولت مرة أخرى فاضاف فكرة جديدة وهكذا حتى نطقت بكلمة مؤسســة! نعم اقترحت تعريفا يبدأ بان الدولة هي المؤسسـة التي..... حتى انا لم أكن اعرف ان في قاموسـي كلمة مؤسســة، والأعجب من هذا اني حين قرأت التعريف في الكتاب كان مطابقا لما توصلنا اليه في المحاضرة!.... هكذا كان الرجال، كانوا يبنون لبنـة فلبنــة، كانوا لايبحثون عن امجاد سياسية او اعلامية، كانوا يناضلون يوميا وبصمت حتى في صفوف المدرسـة. هذا المدرس الشـاب، جاء الى المدرســة بعد أيام، وقد علت وجهه آثارا لضرب مبرح ولكمات..... وكبرياء.
 
حكايتي الثانية قصيرة جدا وكانت بعد ربع قرن من حكايتي الأولى. كنت أحمل الماجسـتير في تخصص نادر جدا وما زال هذا التخصص نادرا، وفي فجر أحد ايام الحصار كنت في طابور توزيع النفط مع اخ لزوجتي، فتصادفت مع احد زملائي القدماء في الجامعة فصاح بي..... "هل تبيع الماجسـتير بخمسين لتر من النفط؟.... اذا كنت تبيعها انا لا أشـتريها". وبعد عامين حكيت هذه الحكاية لامرأة من هواة الفن من بقايا الارستقراطية القديمة، وقلت لها اني اعمل بدوامين في القطاع الخاص بعد الانتهاء من الدوام الرسمي، وزوجتي تعمل بعد الظهر في معهد للحاسبات اضافة الى الدوام الرسـمي وواجبات البيت والاطفال. وكان يوم الجمعة هو الفرصــة الوحيدة لقضاء وقت مع الاطفال والاقارب والاصدقاء. شـرحت لها هذا في جلسـة تناقش الرسـالة والتعبير في الرســم بالمدرســة الانطباعية أو التأثيرية وكيف يمكن ان تعكس مفهوم "الانسـان المستهلك". لم تنجح هذه الامرأة الطيبة في اعادة "انسـان مستهلك" الى هوايته في الرسـم، ولكنهــا ادركت كيف تكون هنالك حكايات بلا كتابة، وصـور بلا رســام!
 
حكايتي الأخيرة هي شريط صور يتسارع ويأكل السـنوات. نزول الغازي المنتصر من الطائرة يهرول على أرض المطار تاركا جميع المستقبلين ورائه، عاكســا صورة الهمجية الجديدة، المجرمة الباردة، مع رسـالة ارهاب فكرية سلطوية. تلاهــا بقنابل خبث سـياسية واقتصادية احبطت المعنويات وقتلت كثير من الآمال. فصور بلد من تراب عــدا بعض المناطق الخضراء، التي يذهب اليها الكهرباء، فلا صناعة ولا عمل ولا اقتصاد، فبدعة المعونات، وتحول الشعب الذي كان يفتخر بمقاومته للحصار، الى شعب ضاقت به كل مسالك الحياة، فخرج من مسـرحية باكية الى مسـرحية هزليــــة، فهذا استطاع اللحاق بما تبقى من قطار الدولة وذاك اجــاد لعبة المنظمات ومنهم من اعتاش بما تبقى من دروب الرزق، وصاحبي جائع وذلك مهاجر وآخر أغرقته مستنقعات الارهاب..... و "جريدة الرصيف" في سـاحة النصر ببغداد، تحكي عن المعناة قديمها وجديدها، وكأنها تسـأل، متى يتم تجريم سياسات الحاكم المدني، التي فاقت القنابل الذرية واختصرت كل الجرائم ضد الانسـانية.....
 
وشــد حليك يا عراقي، تعاملنا بكل المرونـــة والايجابية، وتحت اصوات الانفجارات والمفخخات، ونهب التجار وسقوط ورقة العشرة آلاف دينار، كنا نســوّق ان يكون لنا دسـتورا، وعملية سـياسية..... وشـد حيلك ياعراقي، مع ضنك العيش، نبذل جهدنا ونقصّر على انفسنا ونروّج للاهمية الانتخابات في شـوارع مليئة بالقنّاصة والعبوات..... ونراقب عمليات الاقتراع، ونلتزم بالعمل والدوام في شـوارع كلها انقطاعات وانسدادات ولاتعني ابدا طرق مواصلات. وشـد حيلك ياعراقي، نمــد الاسـلاك تلو الاسـلاك الى المولدات ونبتكر طرقا وافكارا لخزن الماء في ايام تردت فيه المراكز الصحية والمستشفيات وبدأت تتزايد أسعار الدواء. "هم شــد حيلك ياعراقي..... لازم توكف على رجلك ياعراقي".
 
هذه ثلاث حكايات من آلاف الحكايات، تقول ان شـعبنا قد تجاوز الصعب والأصعب، تجاوز ما لا تستطيعه شـعوب الارض مجتمعة. واليوم حالنا افضل، وينبغــــي ان يكون افضل وافضل. ولكن هل جميعا نسـتوعب ماجرى؟ اعتقد انها مصيبة ان لايعرف بعضنا حقيقة ماجرى، وأعتقد ان الكارثة ان لا نعرف نتائج ان لايدرك بعضنا ماجرى..... في اعتقادي انه من كان شـابا ثلاثينيا في بداية الحصـار اسـتطاع اللحاق باصل الحكاية الكبيرة واسـتطاع قراءة ما جرى ويجري. ربما هذا ينطبق على جيل الاربعينات والخمسينات حتى اواسـط السـتينات مع الفوارق الفردية. يبقى الجيل الذي وجد نفسـه في اجواء الحصار وهو لازال في مقتبل العشـرينات واجيال اتت بعده. تعرضت هذه الاجيال منذ بداية الحصار، الى الآلــة الاعلامية التي شـجعت الوجودية والتمركز حول الذات وعمليات تخديرية للمجتمع كموجــة الأغاني السـطحية والانغلاق على المواطــن الضحلة في الثقافة المحلية..... وحاولت هذه الآلة العملاقة بكل جهدهــا، اما اخفاء وتغييب حركــات الرفض والمعارضــة. مثال ذلك تغييب الانتفاضة الشـعبانية أو تصوير اهلها بانهم هاربون من الجيش وعملاء للاجنبي.....
 
وتحت ضغط الحصـار، وتراجع منظومات القيــم ودور الآباء، كل هذا خلق ما يشـبه حالة الانقطاع عن الحالة العراقية الطموحة والكفاحية، تعرض لهذا معظم الشـباب، وكل شـاب كان نصيبه من هذا بدرجة من الدرجات. المشـكلة ان هذا تفاقــم بشـكل هائل مع ظروف الاحتلال. هجم الستالايت وحزمــة كبيرة من القنوات وضاعت حتى الألفــة حين اختفت من على الشـاشة وجــوه عراقية فنية لم تكن تعني ابدا السـلطة والنظام، وغير ذلك من امثلة كثيرة لاسباب الاغتراب. في زمن تناسى من تناسى كبرياء 14 تموز وثورة العشــرين. في الحقيقة، كلما وضعت نفسك اكثر فاكثر في ظروف ومكان هذه الاجيال، شـعرت اكثر باجواء الغربــة والــلا انتماء. اليوم دق عندي ناقوس الخطر حين قرأت بضعة ايميلات.....
 
كانت هذه الايميلات من شـباب طيبون احبهم في الله، كلهم ينتمون الى اجيال الاغتراب. كان هؤلاء الشـباب يحيون التغيير، كما يفهمونه، في البلاد العربية ويعتقدون ان ذلك نتاج تعليم وثقافة وروح وطنية ولكنهم..... يختمون ايملاتهم بنقد الى البيئة العراقية، في خيبة امل ولا يرون في بلدهم اي حالة حضارية، أو ثقافية، او كفاحية! لايرى هؤلاء الشـباب اي سبب للاعتزاز بالجنســية العراقية! ومن يعقد ان هذا لايشـكل الا نسـبة ضئيلة وليست خطيرة فهو اما من جبلت اذانه على كلام وعاظ السلطان، او في حالة مخزية من الانكـــار.....
 
الحلول ليسـت عند السـلطات، وليسـت عند الخطباء ولا الآباء ولا الاحزاب ولا حتى البرلمان. الحلول ليست في اجراءات او تعليمات أو خطب فوقية. الحلول ليسـت عند الانتهازية السياسية..... الحلول عنـد من يصنعون الانتمــاء والايمـــان، عند من يبنون المزاج الوطنــي والحالة الثقافية. فهذا جرس انذار ونداء اسـتغاثة للوطنية العراقية. ينادي هذا الجرس كل المثقفون والمبدعون، لمراجعة الزمــن ولحملة وطنية، بجهود فردية وجماعية ليسـت سلطوية، جهود تعيدنا، بعد جحود، للام العراقية. يعلمون الاجيال كم كان عظيما تاريخهم القديم والحديث، يعلمونهم ميراثهم من الثبات على المبادئ الاخلاقية، والامكانيات الواعدة في العقلية العراقية. يعلمونهم التواصل مع مبدعيــنا وحالتنا الثقافية، وان النجاحات هي اجتياز الصعاب والروح الكفاحية، يعلومنهم اننا في مرحلــة مـــرة وانتقالية، والفخــر ليس لمن ينتظر النتائج بل لمن يســاهم في مراحل التحول التاريخية الضرورية. ليس الســوء في الروح النقدية ولكنه في حالة الاحباط وقلــة العطاء والتحجج بالقدرية. يعلومنهم ان موعــد الفجــر الجديد، يتأخــر بالســلبية ويتقدم موعــده بالروح الايجابية. يذكرونهم قول الله سبحانه وتعالى، في العراقيين "جعلت فيهم خزائن علمي وخزائن رحمتي" (*).
 
(*): مصادر هذا الاقتباس كثيرة وتحتاج فقط الى بحث بسيط.

كافة التعليقات (عدد : 1)


• (1) - كتب : الدكتور علاء الربيعي ، في 2013/07/15 .

أحسنت يادكتور هذه المرة ايضا فقد وضعت يدك على الجرح واي جرح.... جرح مات اباؤنا على امل ان يندمل على يد طبيب ماهر وحين جاء هذا الطبيب بعد غياب طويل ..... جاء مع الاسف بشهادة مزوره....... في زمن الحكايات المزوره.
المهم انا اراك متفائلا وهذا ما احسدك عليه ياصديقي فأنت تقيم الواقع بقلبك وتفر من قسوته برشاقة جميله مستندا لغنى طفولتك بالثقافه التي حرم منها اولادنا بسبب الثقافة المزوره.......



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=33603
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2013 / 07 / 14
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 08 / 4