• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : حزب الله وسخط أناس .
                          • الكاتب : د . حامد العطية .

حزب الله وسخط أناس

      يقول حزب الله بأن له عدو واحد مباشر فقط، وهو الكيان الصهيوني الغاصب، الذي احتل جنوب لبنان، ولم ينسحب منها مدحوراً مقهوراً لولا جهاد مقاومي الحزب، فيما تدعي دول وفئات في العالم والمنطقة بأن حزب الله طرف في صراعات إقليمية وطائفية، نتيجة انخراطه فيما يسمونه المشروع الإيراني للهيمنة على المنطقة، ومشاركته في القتال مع قوات النظام السوري، فأي الطرفين أحق بالتصديق؟
     ألد أعداء حزب الله في العلن هو الكيان الصهيوني، الذي اضطره الحزب إلى الانسحاب المذل من جنوب لبنان في 2000م، وتفوق عليه في عدوان 2006م، ويتوعده بهزيمة أشد وأمر لو عاود الكرة، وعداء حزب الله للكيان الصهيوني دائم وراسخ، بل هو الطرف الوحيد الذي حافظ على هذا العداء، فلا تلزمه معاهدات سلام مع الكيان الغاصب كما هو حال مصر والأردن وحكومة عباس في الضفة الغربية أو اتفاقية تهدءة أو هدنة مثل المبرمة مع حركة حماس التابعة للأخوان المسلمين في غزة.
     لا توجد قوانين ثابتة في حقل السياسة، ولعل الاستثناء الوحيد هو معاداة أمريكا والدول الغربية لكل من يعادي الكيان الصهيوني، لذا كان من المتوقع ادراج حزب الله في لائحة الإرهاب للدول الأوروبية، كما لم تدهشنا تصريحات الرئيس الأمريكي أوباما الساخطة على حزب الله في زيارته الأخيرة لفلسطين المحتلة، ولنفس السبب يصطف حلفاء أمريكا في العالم والمنطقة وراء الحكومة الأمريكية في مواقفها الداعمة للكيان الصهيوني، علناً أو سراً، والوقوف معها ضد أعداءه، أو بالأحرى العدو الوحيد الفعلي على حدوده، أي حزب الله.
    استقطب الخطاب الأخير للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله اهتمام الملايين، وقدرت القناة الرابعة الصهيونية عدد مشاهدي الخطاب الذي ترجم إلى احدى عشرة لغة بثلاثمائة وخمسين مليون، مما أحزن الصهاينة وحلفائهم الغربيين، لكن عزائهم أتى من جهات عربية وإسلامية، إذ علت اصوات ناقدة وساخطة على حزب الله في تركيا والبحرين وحزب الأخوان المسلمون الحاكم في مصر وبالطبع كتلة المستقبل اللبنانية وحلفاؤها وشيعة عراقيون، والفرضية المراد التحقق منها هنا هي هل أن هذه الأصوات مبدئية ومنصفة أم فئوية وطائفية متحيزة، وكذلك التأكد إن كانت الانتقادات أصيلة أم مجرد أصداء للموقف الأمريكي-الصهيوني المعادي لحزب الله؟
        في تركيا دعا نائب رئيس الحكومة التركي بكير بوزداغ حزب الله إلى تغيير اسمه إلى حزب الشيطان بسبب مشاركته بالقتال في سورية، وهو موقف ينسجم تماماً مع التحالفات الاستراتيجية لحزب أردوغان الحاكم في تركيا، ومؤسس الحركة الإسلامية في تركيا الراحل أربكان هو من وصم حزب أردوغان بالعمالة للصهيونية، وتركيا الأردوغانية عضو نشط في حلف الناتو الأمريكي-الغربي، وتشارك في عملياته العسكرية في أفغانستان، وتعترف بالكيان الصهيوني، ولها علاقات تجارية واقتصادية واسعة معه، وبينهما علاقات دبلوماسية وطيدة، ويبدو أن حادثة السفينة مرمرة كانت مجرد تمثلية انطلت على العرب والمسلمين السذج، الذين توهموا بأنها بداية لقطيعة تركيا مع الكيان الصهيوني، وما أن صدر التوجيه من المخرج الأمريكي حتى انتهت التمثيلية، ولا نحتاج لسؤال الشيطان لنعرف بأن الصهاينة والأمريكان هم قادة حزبه الشيطاني، وما تركيا بحكم تحالفاتها الثابتة سوى عضو صغير في هذا الحزب أو الحلف الشيطاني، الذي يحتل ويعتدي ويهدم ويبث الفرقة في بلاد العرب والمسلمين.      
   وفي البحرين وبالنيابة عن حكام الخليج وصف وزير خارجيتها خالد آل خليفة قائد حزب الله بالإرهابي، الذي يشن الحرب "على أمته"، ويحتم الواجب الشرعي والقومي "إنقاذ لبنان من براثنه"، وقد سقط "معاليه" في تناقض فاضح لأن حزب الله وكل الشيعة هم في شرع الخليجيين الوهابي (رافضة وفرس مجوس) أي لا ينتمون للأمة، فكيف يشنون الحرب على "أمتهم"؟ وحكومة آل خليفة البحرينية هي المعنية بتصريح الرئيس الأمريكي أوباما بأن سياسة بلاده الخارجية تخدم أحياناً مصالحها لا مبادئها وقيمها، وإن كنت لا أصدق بأن لأمريكا قيماً أو مباديء، ولكن لو قبلنا بكلامه فسيتضح لنا بأنه حتى أكبر رعاة النظام البحريني يعتبرونه نقيضاً لقيم أمريكا، إذ يضطهد شعبه ويستعين بقوات أجنبية لقمعه، وما يدفع أمريكا للوقوف مع النظام البحريني  ولاءه المطلق لها ولبريطانيا والمعسكر الغربي واعترافه غير المعلن بالكيان الصهيوني، وتشهد على ذلك اتصالاته بالمسؤولين الصهاينة والمكتب الذي يمثل مصالحهم في المنامة وسفيرته اليهودية في واشنطن، وما تصريح وزير خارجية البحرين سوى صدى أجوف لصوت سيده وولي نعمته في البيت الأبيض. 
    اصدر الأخوان المسلمون في مصر بياناً، يدين قتال حزب الله في سورية، الذي "كشف عن وجهه الطائفي البغيض" على حد ادعائهم، والصحيح هو أن الاخوان المسلمين منغمسون حتى ذقونهم الشرعية في التأجيج الطائفي، داخل وخارج مصر، وبالتنسيق الكامل مع حلفائهم السلفيين الوهابيين، وهم أكثر الناس حرصاً على طمس انتصارات حزب الله على الصهاينة، ومحو ذكر مساعداته لحليفتهم حماس الناكرة للجميل، وفي الوقت الذين يغلقون معبر رفح ويهدمون أنفاق التهريب ويبنون جداراً عالياً بين سيناء وغزة، إرضاءً للصهاينة والأمريكان، لأنهم ملتزمون بمعاهدة كامب ديفيد مع الكيان الصهيوني، ويتسولون قروض البنك الدولي ومعونات أمريكا، و" صاحب العيال معذور" كما يقول فقهاؤهم، فلا عجب لو صرحوا بما يرضي أمريكا والصهاينة لا رب العالمين.
     كل أعداء حزب الله اللبنانيين كانوا في الماضي غير البعيد مسبحين بحمد النظام السوري أو محبوسين بتهم القتل والإغتيال والتخريب أو مجاهرين بالتعامل والعمالة للكيان الصهيوني، وهم الذين رحبوا بالجنود الصهاينة المعتدين في 2006م، وسقوهم كؤوس الشاي، واليوم لا يقدمون على قول أو فعل، من دون إشارة من السفارة الأمريكية أو أمر من المخابرات السعودية، وهجومهم اللاذع والبذيء على حزب الله ما هو إلا استجداء للريال السعودي والدولار الأمريكي والشيكل الصهيوني. 
     أما هوية المعارضة السورية المسلحة فقد تكشفت لنا من ترحيبها بالعدوان الصهيوني على سورية ومن زيارة الصهيوني ماكين للمسلحين السوريين، ومن قبل تبينت لنا أخلاقها ومبادئها من اختطافها للزائرين العزل ورجال دين مسيحيين وهدمها للمقامات الدينية وقتلها على الهوية الدينية والمذهبية وشويها للرؤوس البشرية وأكلها للحوم البشر، وحزب الله كما قال السيد حسن نصر الله في خطابه الاخير لن يكون في جبهة واحدة فيها امريكا والكيان الصهيوني ونابشو قبور وقاطعو رؤوس، ويبدو بأنه كلما اقترب يوم هزيمتهم الشاملة كلما علا صراخهم وتوعدهم بالانتقام من حزب الله، فلننتظر ونرى.
    كل ردود الفعل هذه لا تفاجأ أو تصدم أحداً فهي متوقعة سلفاً، ولكن البعض قد يتألم من مقال لكاتب شيعي (http://www.afadak.com/?page=articles&id=5015)، يحكم فيه على موقف حزب الله من الوضع السوري بأنه "خطأ كبير.. ويدمر المقاومة على المدي المتوسط والبعيد"، ويورد أسباباً واهية وغير مقنعة لهذا الاستنتاج المتشائم، منها كونه "تنظيم حزبي وليس دولة.. وأمكانياته محدودة" ويتناسى هذا الكاتب العراقي بأن حزب الله انتصر على أقوى جيش في المنطقة، الذي سحق قوات دول عربية منها العراق في أيام معدودات، وهو يشكك أيضاً في مصداقية دفاع الحزب عن المقامات الشيعية في سورية، ويعتبره مجرد "ورقة دعائية بحتة"، وهو موقف غير مستغرب ممن فشلوا في حماية مراقد أئمتهم في بلدهم، ويتبنى هذا الكاتب الشيعي موقف اعداء حزب الله عندما يصفه بأنه" حزب تابع لمشروع إقليمي بالمنطقة كما هو معروف"، ويتساءل عن سبب احجام إيران عن التدخل المباشر، بقي أن نعرف بأن المقال منشور في موقع تابع لأحد التنظيمات العراقية الشيعية، التي أنشأتها جمهورية إيران الإسلامية آبان الحرب العراقية على إيران، ولولا ذلك الدعم لما كان له اليوم وزراء ونواب في الحكومة العراقية، ويبدو بأنهم تخلوا عن ولائهم لإيران، والتحول في ولاءات بعض الشيعة العراقيين ظاهرة قديمة منذ عهد الأئمة الأوائل. 
     ولا يكتفي الكاتب الشيعي العراقي بتخطأة حزب الله سياسياً، بل يدعي بأن موقف الحياد الذي يدعو إليه الكاتب هو "تكليف شرعي"، وبغض النظر عن مصدر هذا التكليف الشرعي بالحياد فالحكم لله في الأولى والآخرة وكما بينه في كتابه العزيز: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين، َإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) [الحجرات:9-10] فالواجب على المسلم مهما كان مذهبه لا الوقوف على الحياد بل السعي بعزم واصرار لإيقاف الاقتتال بين الطائفتين بالصلح، والفئة الباغية هي التي ترفض الصلح وتوغل في الاقتتال وسفك الدماء والإفساد.
   كل أعداء حزب الله من العرب، من السنة والشيعة، استفتهم قناة الجزيرة القطرية مؤخراً حول حزب الله فصوت أكثرهم بأن "حزب الله أصبح عدواً"، ولو كان ذلك صحيحاً فليكن، فمتى عرفوا الحق وانتصروا له فنصرهم الله؟ اما أنا فقد استفتيت أبي جورج، قبل أيام من خطاب سيد المقاومة، وهو مهاجر مسيحي من أصل فلسطيني، فقال لي والله يشهد: لو أن حسن نصر الله غسل قدميه فلي الشرف أن اشرب ماء الغسل، فقلت له: بل أخ مكرم يستحق منا كل الإحترام والتقدير على عكس كل أعداء حزب الله، لأنهم أما طائفيون كارهون أو مجرد أصداء لصوت سيدهم الأمريكي-الصهيوني، أما حزب الله فيسنصرهم الله ويكفيهم مؤونة الناس لأنهم طلبوا رضا الله ولو بسخط أناس.
29 أيار 2013م  



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=31738
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2013 / 05 / 30
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 07 / 23