• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : يأكلون زادنا ونحن جياع .
                          • الكاتب : ماجد الكعبي .

يأكلون زادنا ونحن جياع

 قال أبو الطيب المتنبي :- 
ما كُنتُ أحْسَبُني أحْيَا إلى زَمَنٍ يُسِيءُ بي فيهِ عَبْدٌ وَهْوَ مَحْمُودُ 
جَوْعانُ يأكُلُ مِنْ زادي وَيُمسِكني لكَيْ يُقالَ عَظيمُ القَدرِ مَقْصُودُ 
 
في غبشِ الفضاءِ الراكدِ حولَ رقبتي يتساءلُ الغريبُ عن عناءٍ آخر .. عناءِ البيوتِ الآفلةِ ,  والرؤوسِ المدفونةِ في الرملِ . خارج العراق في دولة ما , في مدينة ما ,  كنت احلم بالصباح وأعود أمنا إلى بيتي مع المساء  احمل رغيف الخبز لأطفالي , الثمهم , اضحك معهم  , افرح لفرحهم , امسح على رؤوسهم , ونسلم أمرنا لله وننام , ومع اشراقة يوم جديد اذهب إلى عملي مستبشرا لا يحكمني إلا ضميري , ووقع آهات قديمة بانتظاري منذ غادرت الوطن إلى غربة اخترتها لنفسي منذ ثلاثين سنة مرت صعبة وشديدة في الغربة كنت احسبها بالثواني والدقائق والساعات وإنها سكونُ الأحياءِ في ظلِ معاقلِ الصراخ ِ..
مر عمر صعب وأنا أقاوم نفسي متأملا هذه الساعات التي أعيشها اليوم بنكد وبؤس وشقاء وآلام وجراح .  يا لبؤسي أيام انقضت وأيام مضت كلها حرمان ومتاعب ومصائب لا يصل فيها الحبيب إلى الحبيب ولا الصديق إلى الصديق ولا القريب إلى القريب ولا الأخ إلى أخيه وكنت وحدي ثم وحدي آه يا وحدي متى أصل إلى العراق ..؟ واطوي صفحات من حياتي وافتح صفحات لما بقي من عمري وأواسي واخدم وأساعد من هم أترابي وأصدقائي وزملائي ( هكذا كنت احلم  وأتمنى ) .
ثم عدتُ أتملئ في الوجوه الكالحة والأقدام المتعبة وبكيت على حظوظي !! التي تميل حيثُ يميلُ الألمُ , ألمي مكتوبٌ على خاصرةِ الزمنِ , أي زمنٍ ؟ أي وجعٍ ؟  سنونٍ وأنا على مبعدة , متشوقٌ لأرى وجوهاً منهم كانت في ذاكرتي , كانت تملأُ ليلي  , وتؤنسُ وجعي ,  ووحدتي , كانت كلَ أنفاسي , ودخانَ سجائري , أنا الملومُ المفتونُ بإخوة الجهاد والدرب الطويل , أولئكَ مَن صدوا عني , وجوهاً كنتُ احسبها من أهلي , كنتُ سعيداً بلوعتي  , وأنا أقاتلُ وحدتي , متصوراً بهجةً ستأتي , ولكنهم صدوا عني بهجتي , وضاعتْ ضحكاتٌ كنتُ ادخرُها  , كان لي وطنا نظر إلي  وأنا أدور وكان يصدُّ وجهه  كأنه يرى شاةٌ  تذبحُ باكية وهو يتفرج.
 عدت بتاريخ 1 / 5 /  2003 فلم أجد بيتا اسكن فيه , ولا شبرا من ارض العراق ابنيه إلا أراضي الحواسم وهيهات افعلها , ولا وظيفة ولا  ولا  , وكل ما وجدته في الوطن الذي طالما حلمت بالرجوع إليه  بعض أقزام صاروا عملاقة , وبعض صغارا تسلموا مسؤوليات اكبر بكثير من حجومهم , ويا للمصيبة يا للهول فقد وجدت طغيان التكالب والمصالح الذاتية , ووجدت وجبات ساخنة وحقائب مملوءة , ووجدت المجاهد الشريف لم يستطع التعايش مع المدلل والمترف , والكارثة الكبرى لم يستطع المجاهد القديم التنازل لهؤلاء النكرات والانسجام معهم , والأمر الذي زاد الطنبور نغمة هو الفساد الذي  يتبعه فساد والخراب يتبعه خراب وذمم تباع وتشترى وأموال سائبة بأيدي اللصوص والحرامية ومسؤوليات تدار ببعض تصريحات المهرجين والنهازين والنفعين الذين كانوا كوم قش مهمل وعفن أصبحوا الآن كما قال الشاعر الشيخ علي الشرقي :- 
قومي رؤوس كلهم 
أرأيت مزرعة البصل 
يا الهي لقد عرت الخطوب وكيف لا تعرو وتجاوز عمري خمسين سنة لم أنل قبلها شيئا من الحظ إلا المنافي والغربة والسجون والتشريد والقهر والفقر وسوء الطالع , وكل شيء كان يخطر في بالي من آهات ولوعات ومصائب ومعاناة ومأساة إلا أن أعود إلى العراق بلد الخيرات والبركات والنعم فلا  أجد فيه شيئا من هذه في يدي , ورضيت بان لا أجد شيئا من هذه الخيرات في يدي وأنا صفر اليدين ,  ولكن الشيء الذي لم ولن ولا ارتضي به أن تكون السلطة التشريعية بأيدي بعض البرلمانين النكرات الذين لا تاريخ مشرف لهم , ولم يزورا يوما سجون صدام المظلمة , ولم يتغربوا لحظة عن العراق ويهاجروا بدينهم , ولم ولا حاضر مجيد  لهم , ولا مستقبل وضاء لهم لأنهم لا يفكرون إلا بأنفسهم ومليء جيوبهم من الأموال الحرام ثم الحرام ثم الحرام , فتعسا وتبا وسحقا لمن يثق بهؤلاء ويجدد انتخابه لهم . لأنهم يديرونَ عرباتِ الليلِ كي يلعبوا بعقولِ اللومِ , ومع ذلك يضحكُ الغريبُ بدعابته المعهودة , ويديرُ بصرَهُ نحوَ الرؤوسِ المحشوةِ بانينِ الحساب , انهُ يفقدُهم متعةَ الليلِ فينامونَ بعقولٍ ذاهبةٍ نحوَ الخزائنِ ,  ونحنُ ننامُ برؤوسِ خاليةٍ من كلِ شيءٍ إلا الألمَ .. ونلوذُ بصمتِ القبور وفي أوانِ الصبرِ نكونُ قد أدمَنا لعبةَ الموت , طابورٌ من أجسادٍ لَوحَتها شمسُ الخرابِ تتململُ أمامَ بواباتِ التسكع , فأستمرُ بنوباتِ السؤالِ , هل السماءُ بعيدةٌ إلى هذا الحد ..؟؟  
   
 
 



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=27364
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2013 / 02 / 10
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 09 / 21