• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : ثقافات .
                    • الموضوع : المنامة الثالثة والخمسون الگوامة .
                          • الكاتب : د . محمد تقي جون .

المنامة الثالثة والخمسون الگوامة

كان ضمن مخطط الحياة الجديدة (القاتلة) للعراق إطلاق يد العشائرية (الگوامة) فيه لتخنق العدل! فتزداد الفوضى التي اشتركت في خلقها بقية المطلقات ضمن المخطط. فيا للعجب كم يتقبل هذا الشعب أيّ شيء، وكم لا يرفض أيّ شيء اذا أغرته فائدة ولو طفيفة لا تعني أي شيء!! فأي أي شيئية هي وأي أي شيئيّ هو أذن.

كان ابن سيَّا يتحرق ألماً من مخطط كالساعة (آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا) ولكن لا يراه أحد غيره لغشاوة لا تفارق عيون الجميع. كيف يسلّم مصير العدالة بيد عُرف ليس فيه حظ من فقه أو علم؟ فلا هو يطبق قوانين الإسلام التي ترى في القصاص حياة لأولي الألباب، ولا هو يطبق قوانين العالم التي تجعل عقوبات معلومة إزاء كل جرم. فللعشائرية قانون واحد فقط وعقوبة واحدة فقط وإجراء واحد فقط هو (الفصل) أي مبلغ من المال يصغر ويكبر حسب صغر وكبر الجريمة، يدفعه الجاني للمجني عليه. فسواء اذا كانت قضية شرف، أو اعتداء شخصيا أو قتلا.. فكلها تعالج بالفصل.

ولكن لا يظلم ابن سيا (بخته)، فليس كل الشيوخ مارسوا هذا التخلف، وأسهموا في هذه الفوضى، اذ يدرك المحافظ على قيم العشيرة وسنخ العروبة ان دفع المال عن مجرم يعني تبنيه ارهابياً، وتهيئة جو منفلت ترعى فيه الجريمة، وقد يكلف أحد (المفصولين) بتصفية عالم او مجاهد. لذا فالشيوخ شيوخ ولكن ما أقلهم، والخيوش خيوش (الخيش: الرديء) وما أكثرهم.

ولما كانت القضية مخططاً لها بدقة، رأينا الدولة تفسح المجال الكافي لإقامة هذه الطقوس المخلة بالعدالة. فبعد الجريمة وحديث يا حريمة، تتحرك الشيوخ وتتأجل المرافعات بما يكفي لإقناع المعتدى عليه أو الضغط عليه فيرضخ لحل الفصل. ويبذل الشيوخ - الذين لهم نصيبهم من الغنيمة - أقصى الجهد لإتمام إبدال الجرم بالمال، أو إبدال الحق بالباطل، فواإسلاماه.. واعدالتاه.

لقد انفسح مجال واسع التجوال لكسب المال، وفتح باب رزق سحت كبير وكثير للشيوخ أغراهم بالمزيد من الحبال والحبائل. لقد قصّ احدهم لابن سيا حكاية مغرقة في الضسف (ضحك + أسف)، وهي أن احدهم رأى في المنام عزرائيل (ع) يسأله عن بيت جار له، فدلّه عليه. وفي الصباح أخبر جاره بالحلم، وفي اليوم نفسه مات لجاره أحد، فجاءه جاره وطالبه بالحق العشائري (الـگوامه) لأنه هو الذي دلَّ عزرائيل على بيته. وبالفعل وبكل حقيقة لا تصدق جلست الشيوخ (الخيوش طبعاً) وفرضوا على المسكين (الفصل العشائري) مع سبق وإرادة (غباء جشع). أولم يسألوا هل هذا المال السحت الذي أخذوه يساوي هذه المهزلة التي ستضحك الأجيال والأمم طويلاً!

ها نحن نضج بما لا يعقل، ونرضى بفرض غطاءات مختلفة تحجب الحق والعقل والصح، ليعيش المجتمع ويسير بقوانين مطردة البدعة والقوة، وهو مع إيمانه بعدم عقلانيتها وواقعيتها يمارسها ويفرضها على نفسه والآخر!!!

وفي مجلس نصبوه للتو في قضية هي حتماً بين الجو والدو، جلس ابن سيَّا غير آبه فيما سيقوله بأن يطالبوه بالـگوامة أو يفرضوا عليه الفصل، فقالها كلمات سعيرة إلى شيخ العشيرة العسيرة التي تريد أن تستثمر حتى الثمالة ما منحه إياها ظرف العراق وقانون الاحتلال، فقال:

عشيرة عسيرة

 

في ساعة السَّعده

 

وليس فرقٌ بينها

 

وساعة الشدَّه

حقيقة جديدة

 

مريرة الجِدّه

كأنها إلى (الشقاوات) لها رِدّه

 

فشيخنا (شقيٌّنا)

 

مستكملُ العدّه

كأنه دائرة

 

لـ(گمرك) وحدَه

يُرزق من ضرائب

 

يجعلها كَدّه

يعيش من سفك دماء الفرد والفرده

 

من هامة أو عانة

 

تنزف في حدّه

لا بارك الله به

 

ولا له جهده

كان من القيود.. ما أقذره قيده



وأسُّ فوضى منعت

 

 

عراقنا رشده

إذ انتهى (العدل) إلى

 

(الفصل) فيا بُعدَه

مذ تركوا (قصاصه)

 

قد عملوا ضدّه

وآووا المجرم بل

 

صاروا له جنده

كم ضحكٍ وأسفٍ

 

أو ضسفٍ عنده

يا قارئ اليومَ غداً

 

دونك ذا..عِدّه




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=27196
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2013 / 02 / 06
  • تاريخ الطباعة : 2024 / 04 / 19