• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : من وعيّ القرآن .... أقرأ .... 6 .
                          • الكاتب : حميد الشاكر .

من وعيّ القرآن .... أقرأ .... 6

الكلمة كمعجزة :- اقرأ .
لول ديورانت في (قصة الحضارة) لفتة عميقة وهو يربط بين الكلمة واثر وجودها على تطوروتكامل الحياة الانسانية من جهة وبين الكلمة والفكر الانساني ، وكيفية ان الفكر البشري لايستطيع العمل بدون كلمة تكون هي الالة التي تساعد الانسان على اعمال فكره وعقله وتصوراته لهذا العالم من جانب اخرفالانسان بهذا المعنى وبلا كلمة لايصلح ان يكون انسانا باعتبار ميزته الفكرية المعتمدة اساسا على ميزته اللغوية والكلامية ، فبلا كلمة لافكر وبلا فكر لاانسان !!.
وعلى هذا عُرفت المقالة :(( في البداية كانت الكلمة )) !!.
أما ما يتعلق باطروحة الرسالة الاسلامية وما انتهجته من طريق ليكون النافذة المفتوحة دائما بين الله سبحانه وبين الانسان الى ان يرث الله الارض ومن عليها ، فقد كان للكلمة النصيب الاعظم فيها لتكون كما كانت في السابق بداية ستكون وستبقى هي النهاية كذالك ، فتقرر ختم النبوة والوحي بالكلمة (( اقرأ )) كما كان بداية الوحي والنبوة فيها !!.
بل ان الرسالة الاسلامية الخاتمة لم تكتف بان جعلت من الكلمة خاتمة الاديان ، والنبوات والرسالات فحسب ولم تنتهي عند الاعلان ان الكلمة هي البداية وهي النهاية وهي صلة الانسان بربه فقط لكن اكثر من ذالك جعلت الكلمة معجزة رسالة السماء الكاملة وبرهان ودليل صدق رسالة العظيم محمد رسول الله صلى الله عليه واله !.
والحقيقة كون الكلمة كانت البداية لمسيرة الانسانية وكونهاهي قاعدة الفكر البشري على التمام وكونها هي البرزخ الذي عبر منه الانسان من الهمجية الى التحضر والانسانية .... كل هذا لم يثر الكثير من الاستغراب والتعجب لدى الباحثين والمفكرين في عصورنا القديمة وحتى الحديثة ، ولكن ماكان مدار بحث وتسائل واستغراب وعلامة استفهام كبيره هو الكيفية التي تكون بها الكلمة صالحة لاخذ دور الاعجاز الالهي مع انها لم تولد في هذه الحياة الانسانية ، الا لتقوم بوظيفة الاتصال بين الانسان واخيه الانسان ، ولتكون من ثم مخزن للتراث الحضاري الانساني ، الذي يحتفظ بالتجربة الانسانية لينقلها من جيل الى جيل لاحق !.
فكيف ومامعنى كون اللغة الانسانية تنتقل من وظيفتهاالفكرية والاجتماعية لتصبح معجزة قرآنية في الاسلام يتحدى بها جميع البشرية بالاتيان بمثلها ان كانوا يستطيعون ذالك ؟؟.
بمعنى اخر كل البشرتستطيع ان تتكلم الكلمة العربية وكلها كذالك تستطيع ان تكتب الكلمة وتقرأهابصورة فنية وراقية وجميلة جدا فما معنى بعد ذالك (اقرأ) القرآنية لتكون معجزة ويتحدى بها الله سبحانه وتعالى سمان خلقه بان يستطيعوا الاتيان بمثل هذا القرآن او بسورة من سوره واخيرا ليكون هذا المقروء نفسه دليل صدق دعوى رسالة الرسول العظيم محمد ونبوته صلى الله عليه واله ؟.
طبعابالنسبة ليّ تصديق ان الانسان بامكانه ان يخترع اللغة والكلمة وماخلقته من انعكاس عظيم على حياة الانسان وتحضره وانتقاله من الهمجية الى البشرية بدون وحي السماء وتدخله بمساعدة الانسان ليخلق اول كلمة على لسانه ...،هذا التصديق بحد ذاته بحاجة الى معجزة لتقنع الضميرالفكري للانسان لكن مع ذالك يبقى التصديق بذالك اصعب كثيرا مما لو صدقنا اليوم ان بامكان اللغة ان تتحول من وظائفها الطبيعيةوالانسانية الى كونها معجزة الاهية تصبح اعظم آية الاهية على صدق رسالة العظيم محمد ص واتصاله بذبالة الوحي السماوية العجيبة والمتقدة دائما !!.
نعم صحيح ان اللغةالانسانية بمفرداتها الساذجة وكلماتهاالمتناثرة هي لاتمثل اكثرمن اسماء لمسميات حياة الانسان والطبيعة والكون من حوله ، واذا ارتقت اللغة الانسانية بمفرداتها ، وكلماتها لتعبرعن تحضرانساني ارقى للانسان تتناول اللغة عندئذ بكلماتها ومفرداتها تأملات الانسان الفكرية والروحية والجمالية التي يشعر الانسان بها من داخله وليس لها انعكاسات مادية خارجية تفرض على الانسان ان يخترع لها مسميات وكلمات ومفردات مادية وهذا صحيح !!.
فكل هذا من شأن الكلمة ووظائفها الطبيعية التي تدخل في اطاروحيزكون اللغة والكلمة والمفردة ماهي الا ادوات تعبيرطبيعية وفطرية وساذجة لمتداول الانسان اليومي الذي يعيش اللغة في كل وجوده من التفكير حتى المشاعر ، والى الاتصال بالعالم الخارجي للانسان !!.
لكن مايميز الاستخدام القرآني الكريم ورسالة الاسلام العظيمة للكلمة وللغة والمفردة الانسانية انها صاغت من اللغة معادلتين دخلت في تحويل اللغة من كونها آدات طبيعية للاستخدام البشري الى كونها اداة تخاطب بين الله والانسان مضافا على كونها انها معجزة من الصعب الاتيان بمصلها ، وهاتان المعادلتان هما :
اولا : معادلة المضمون بحيث ان مضمون الكلمة في القرآن تحولت الى رؤية وفكرة وعلم لايمكن الاتيان بمثله !.
ثانيا : معادلة الصياغة بحيث ان لغة القرآن ومفرداته وكلماته على مافي مضمونها من عمق واعجاز وفكر وقوانين الا انها مع كل ذالك صياغة من اسهل الصيغ على العقل البشري في الحفظ والتمكن من الاحاطة بها وسهولة الامساك بشواردها !.
بمعنى اخرانه من الواضح وحسب الطبيعي من تركيب اللغة الانسانية مضافاالى ماقرره القرآن الكريم نفسه ان عملية التحدي في الكلام القرآني الالهي لاتعتمدعلى المتفرقات والمفردات من الكلمات سواء كانت قرآنية اوانسانية بل ان آية الجمال اللغوي الانساني والكلامي القرآني الاسلامي تتبلور في البناء والتركيب التام المفيد للخطاب الانساني لتظهر الجمالية والتمام والابداع والبيان في كلام البشر من جهة وحتى في الكلام الالهي من جانب اخر ، وهذا ما يصنع المضمون لكل كلام مفيد في قاموس البشرية كلها ، فجمال القصيدة سواء كانت نثرية او شعرية اذا لم تحتوي على مضمون وصور يقدمها هذا المضمون للسامع فلايمكن القول او الحكم بايجابية على مثل هذه القصيدة لافتقارها الى تماسك المضمون وجماله !!.
وهكذا يقال في وظيفة الكلام العليا انه ايصال مضمون فكرة تاريخية او قانونية او فلسفية او فنية او علمية ... او غير ذالك فكل هذا اذا اُخذ على اساس انه مفردات وكلمات بلا مضمون فلايمكن الحكم عليه الا بالعبث واما العكس فهو ما يجعل للكلمة معنى وللمفردة مكان وجمال وللغة وظيفة وقيمةوبهذا المعنى دخلت الكلمةالقرآنية في ميدان التحدي للبشرية بمضمون كلمتها القرآنية ليس على اساس انها كلمة تحمل الجمال الفني او الوزن الموسيقي او تراصف الكلمات بمهارة فحسب بل لانها كلمة جمعت في مضمونها مالم تستطيع البشرية بادراكها المحدود الاتيان بمثله !!.
انه من الممكن ان تجد شاعرا وصل مع اللغة والمفردة الانسانية الى مدياتها الفنية القصوى في الجمال ، وفي حياكة الصور وفي بلاغة استخدام المفردة في مكانها الذي لو رفعت منه تشعر بالحيرة بالاتيان بمفردة اخرى تنوب عنها في اداء الوظيفة وشغل المكان وايصال نفس المعنى !!.
لكن مع الاسف قد عُرف عن الشعر ان اعذبه اكذبه ، كما عُرف عن النثر الفني ان اجمله هو ما بالغ به صائغه حتى يخرجه من مألوف مايصدقه الواقع الى مألوف مايعجب به الانسان لخروجه وتمرده على الواقع والممكن !!.
كذالك في قولنا في امكانية وجود مؤرخ يصل في تتبعه للاحداث التاريخية الى اوج الاجتهاد والتتبع بحيث ان هذا المؤرخ لم يترك شاردة ولا وارد في تواريخ الامم واحوالها الا تتبعها بدقة ووعي ومهارة وتسجيل في تاريخه الفلتة ، لكن ومن الجانب الاخر حتما سيكون هذا التاريخ وكتابته غير مطالب ان يكون قمة في رصف جمال الكلمات الفنية ثم انه لايتوقع منه ان يكون ناقلا للتاريخ ومؤكدا على مصداقية حدوثه وحصوله فيما مضى من ازمان !!.
بل يكفي المؤرخ التتبع وهذا ما هو المطلوب منه اما صدق الاحداث وجمالية اللغة التي يكتب فيها التاريخ فحتما يتعذر على انسان مهما بلغ من سعة ادراك تاريخية ان يكون عبقريا باكثر من مجال علم لاسيما اذا كان مجال العلم هو التاريخ وبطبيعة الحال هو مختلف عن مجالات العلم الاخرى ، وهذا فضلا عن انه من الصعب ايجاد مؤرخ لايميل مع الهوى في كتابته للتاريخ او لاتعتقله عصبية لمذهب او عقيدة وهو يكتب تاريخه اولايتأثر بمصلحة وهويحاول بناء تاريخ فيه الكثير مما يزعج السلطة او الدولة او الدين او العقيدة او المجتمع في ذالك التاريخ !!.
ولايختلف القياس طبعا اذاتحدثنا عن القانون ورجاله فنفس مايؤخذعلى اصحاب الفن والجمال في خيالهم المتمرد على الواقع وغير المعترف بوجوده وما يؤخذ على اصحاب التاريخ في اتقانهم لشيئ وتخلفهم عن اشياء كثيرة يؤخذ على رجال القانون وقانونهم في انهم ربما كانوا القمة في الادراك القانوني المعالج لادارة المجتمع والفصل بينه في المنازعات ، وما اشبه ذالك لكنه ايضا اهل القانون وقانونهم غيرمطالبين لابجمال صياغة مفردات قانونهم لانه يتحتم على كاتب القانون ان يكون متعاملا مع الواقع الانساني مئة بالمئة ومبتعدا عن خيال الفن وشطحاته مئة بالمئة ، كذالك في مشرّع القانون ولاعلاقته الجذرية في مفردات اهل التاريخ ومناهج بحثهم ، او اهل العلم وتعقيد مصطلحاتهم المخبرية وتجاربهم المادية وانما لاهل القانون حيزهم ولغتهم وصياغتهم ورؤيتهم ، التي تبدع في صياغة القانون الا انها تعجز في الميادين الاخرى والمجالات المتعددة من الحياة والعلوم والمناهج ، وهذا فضلا عن ان ادراك رجال القانون لمشاكل المجتمع ومعالجتها وتقنينها دائما ماتكون قاصرة الرؤية والنظرة مما يتطلب على المشرعين القانونيين بين الفينة والاخرى اعادة صياغة القوانين والغاء بعضها الذي لم يعد يتجارى مع الحياة وتبديلها بصيغ جديدة كانت غائبة عن عقول القانونيين المحدودة الرؤية في الزمان والمكان البشريين !!.
كل هذا هو مايقيد قدرات الانسان ومداركه في مجارات الاشياء المتعددة في العلوم والحياة وجمعها في انسان واحد !!.
اما في كلمة الله العليا ، وماهية اعجاز مضمونها الذي لاينفد ، وصدق تحديها للبشرية قاطبة بان يأتوا بسورة من مثله فقد اعلنت كلمة القرآن العظيمة انها الكلمة التي جمعت الاتي : صدق الحديث مع جمالية الفن الذي لايرقى اليه راق وابداع النثر مع عدم الخروج والتمرد على واقع الانسان وسير حياته الطبيعية ،ونقل التاريخ مع ضمان جمال الكلمة وابداع الخيال مضافا لنقل التاريخ كما حصل وبامانة لايمكن تطرق الشك والشبهة في حصول حوادث التاريخ ومفاصله ،وصياغة القانون واحكامه بضمان انها قوانين لايمكن لزمن تجاوزها لمحدودية ادراك واضع القانون ومشرع فقراته التنظيمية ، ولالمكان رفضها لانها قوانين الفطرة البشرية التي لاتتبدل في سنة الخلق والوجود البشرية ، وهكذا في كلمة القرآن العلمية التي نقلت مفردات العلم وجفافها مع تعقيدها وغيابها عن ادراك الانسان بلاادوات علم تساعده على الوصول الى قوانين الكون والطبيعة والانسان مع احتفاظ الكلمة القرانية وهي تنقل كلمتها العلمية على جمالها الفني وصدق حديثها التاريخي وادراك وسعة مفردتها القانونية وصياغة وتعقيد افكارها العقدية والفلسفية وحتى الجغرافية وغير ذالك !!.
هذا هو مضمون الاعجاو للكلمة القرآنية التي تحدى البشرية على ان ياتوا بسورة من مثله سورة مركبة من كلمات ومفردات تجمع بين جنبتيها كلٌّ من الجمال والصدق والمنهج والعلم والقانون والفلسفة والعقيدة والتربية وعلم النفس الانساني ، كلمة هي في ظاهرها انها كباقي كلمات البشر ، الا انها تتميز ان لها روحا وقوانينا وتأويلا وعلما محيطا مضافا لجمالها وصدقها وبساطتها وفطريتها جمعت كل ذالك في اطار واحد اسمه كلمة الله القرآن الكريم ودعت ليس فقط الظاهر من الانسان ان يأتوا بمثله بل دعت الجن والانس ان ياتوا بمثله ان استطاعوا الى ذالك سبيلا :((قل لان اجتمعت الانس والجنّ على ان يأتوا بمثل هذا القرآن لايأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا / 88 / الاسراء )) !!.
اما لماذا لايستطيعون ؟.
فلان كلمة القرآن لاينفد مضمونها :(( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي )) .
ولانها لايمكن لها ان تتضارب فيما بينها :(( افلا يتدبرون القران ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ))
ولانها محيطة بكل العلوم والمناهج ولها تأؤيل لايحيط بعلمه الا من كان لله عبدا ووليا : (( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما ياتهم تأويله )) !!.
وكل هذا كان اساسه ومدخله وبابه للقرآن العظيم هو كلمة (( اقرأ )) هذه الكلمة التي جاءت بصيغة آمر هو الله سبحانه وتعالى ، ومأمورا هو الانسان ، ومتوسط هو المقروء بينهما باعتبار ان القراءء وحدها هي التي تطلع الانسان على كيفية محو اميته الفكرية والعقدية والقانونية والتاريخية والفنية ....، قبل محوها لامية الانسان الحرفية والكتابية كآدواة والات لولا لما اصبح الانسان انسانا مفكرا ومميزا عن باقي الموجودات التي بقت على الصوت والاشارة بدلا من انتقالها للكلمة والقراءة لتميزها عن باقي المخلوفات !!.
 



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=2205
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2010 / 12 / 31
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 09 / 21