• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : ثلاثون عاماً من ثنائية الأسطورة والتراجيديا .
                          • الكاتب : علي بدوان .

ثلاثون عاماً من ثنائية الأسطورة والتراجيديا

 قبل نحو ثلاثين عاماً مضت، وتحديداً فجر الثامن والعشرين من شهر أغسطس 1982 غادرت ميناء بيروت البحري باتجاه ميناء طرطوس السوري الدفعة التاسعة من مقاتلي وكوادر وأعضاء عموم القوى والفصائل الفلسطينية بعد حصار طويل لمدينة بيروت، وبعد صمود هائل سجله المدافعون عن المدينة في قلب الحصار، بعد أن قاتلوا مع أبناء بيروت ثمانين يوماً، في صمود استثنائي سجله المواطنون اللبنانيون واللاجئون الفلسطينيون في مخيمات بيروت وعموم الناس قبل المقاتلين أنفسهم، الذين تحملوا قساوة القصف المجنون طوال أيام الحصار، القصف من البر ومن البحر ومن الجو، وإلقاء القنابل الانشطارية والعنقودية، فضلاً عن القنبلة الفراغية الضخمة التي دمرت منطقة واسعة في حديقة الصنائع وقد أدت لوحدها لسقوط نحو (350) شهيداً جلهم من المدنيين.

ملحمة بيروت، وبكل ماشابها من أخطاء وثغرات بدت هناك أو هناك، الا أنها كانت في نهاية المطاف علامة فارقة ونقطة انعطاف في مسيرة الكفاح الوطني التحرري للشعب العربي الفلسطيني ولثورته المعاصرة.
الخروج من بيروت، بعد صمود استثنائي كان صفحة خالدة في سَفر الفعل الكفاحي للثورة الفلسطينية المعاصرة، فخرج مقاتلو وكوادر الشعب الفلسطيني من عموم فصائله وقواه السياسية والفدائية، يلتقطون أنفاسهم، ويستعدون لمرحلة تالية، ويلملمون أشلاء معركة انقضت في جولة كانت علامة فارقة في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة.
السفينة اليونانية «شمس المتوسط» حَملت على ظهرها تسعمائة واثنين وثمانين من الكوادر والأعضاء والمقاتلين والكتاب والمثقفين من العاملين في الحقل الوطني العام، من مختلف الأعمار والرتب، كنتُ واحدا منهم ولم أكن أتجاوز اثنين وعشرين عاماً من عمري وقد تَركت امتحانات التخرج من كلية العلوم بجامعة دمشق لأكون هناك بين جموع المقاتلين المدافعين عن بيروت وأهلها وعن ثورة الشعب الفلسطيني. فيما كان على ظهر السفينة أيضاً الشاعر العراقي سعدي يوسف، والفنانة المصرية نادية لطفي، وعددٌ كبير من القيادات السياسية الفلسطينية، كان على رأسهم الشهيد خليل الوزير (أبو جهاد)، والشهيد صلاح خلف (أبو اياد)، والشهيد هايل عبد الحميد (أبو الهول)، والشهيد نمر صالح (أبو صالح) والشهيد اللواء سعد صايل (أبو الوليد)، والأخ طلال ناجي، والمرحوم فضل شرورو، والعقيد سعيد موسى مراغه (أبو موسى)، والمرحوم أحمد اليماني، والشهيد حاتم كعوش، والشهيد محمد زيدان عباس (أبو العباس)، وعبد الرحيم ملوح، والشهيد أبو جميل عبود أحد القادة العسكريين الأبطال في صمود بيروت من الجبهة الشعبية/القيادة العامة، وغيرهم.
السفينة اليونانية «شمس المتوسط» (MEDITERRANEAN SUN) غادرت بيروت لتليها في اليوم التالي السفينة (سولفرين) التي حملت الدفعة الأخيرة من المقاتلين والكوادر المغادرين عن طريق البحر وعلى رأسهم الرئيس الراحل ياسر عرفات باتجاه اليونان التي توقفت عندها لوقت طويل، ومنها الى ميناء بنزرت في خليج تونس.
غادرت الدفعة التاسعة ميناء بيروت بعزيمة واصرار رغم وجع المغادرة ورغم آلم الفراق على عاصمة تَحولت لعاصمة المقاومة، ايماناً من الجميع بأن قدر الفلسطينيين في مواصلة كفاحهم الوطني التحرري لن ينتهي بمجرد الخروج من بيروت، في قناعة راسخة وايمان قاطع بقي موجوداً ومتغلغلاً بأن مسيرة الكفاح الوطني التحرري للشعب العربي الفلسطيني ستستأنف على الفور، فالفلسطيني لن يرتاح قبل بلوغ ميناء حيفا وميناء يافا، وأرض الوطن السليب هناك في اللد والرملة والناصرة وعكا وصفد، ولن يرضى بأن تبقى سفينة فلسطين مشردة في البحار والموانئ.
غادرت سفينتنا باتجاه ميناء طرطوس السوري على البحر المتوسط، تحمل معها قطرات الدموع التي سالت على وجنات الجميع أثناء وداعهم في ساحة حبيب أبو شهلا في بيروت، ومعهم أيضاً حبات الأرز ونثرات الورود التي ودع بها اللبنانيون وأبناء المخيمات الفلسطينية في بيروت جميع المغادرين.
لن نقول لكم وداعاً
غادرت الدفعة التاسعة ميناء بيروت مودعّةً بالدموع من قبل أبناء بيروت، وعلى الطريق من قلب بيروت الغربية، وأثناء التوجه بالسيارات العسكرية التابعة للجيش اللبناني من ساحة أبو شهلا نحو ميناء بيروت، كانت أصوات الوداع من قبل أبناء الشعب اللبناني تملأ الأجواء ومعها تصدح الأغاني الوطنية، فيما عَلت يافطة كبيرة تضمنت جملة فصيحة لن أنساها طوال عمري:
«لن نقول لكم وداعاً فبيروت كلها زاحفة نحو فلسطين».
ساعات طويلة من الابحار في لجة مياه البحر الأبيض المتوسط، ونحن نَرصد الأفق البحري من قلب المتوسط، ومن على ظهر السفينة اليونانية (شمس المتوسط) نرنوا الى شواطئ بلادنا، بلاد الشام، ونطلق أنظارنا نحو أفق شواطئ وطننا فلسطين، ننظر يميناً ويساراً، باتجاه فلسطين تارة حيث حيفا وعكا ويافا، وباتجاه لبنان حيث بيروت وصيدا وصور، ونحن نقترب أكثر فأكثر من ميناء طرطوس السوري. على ظهر السفينة، جلس عشرات من الكوادر والقيادات على كراسي متقاربة في حلقات نقاش سادتها روح المسؤولية، وتضاربت فيها التقديرات والحيرة، وطغت عليها الأسئلة الحادة والعميقة، وكل واحد فينا يَبطن في ذاته سؤالاً عميقاً وقلقاً تُحيّره الاجابات وهو يقول الى أين في المرحلة التالية من العمل الفلسطيني..؟
ومهما يكن من أمر، وصلت أقدارنا الى ميناء طرطوس السوري، في مشهد أعاد أمامنا وداع بيروت، وجعل من طرطوس نداً مرادفاً لبيروت، فعندما أسمع اسم ميناء طرطوس تعود بي الذاكرة الى فجر ذاك اليوم الذي وصلنا فيه مساء الى ميناء طرطوس، فأستعيد ملامح ألوف الناس من السوريين والفلسطينيين الذين استقبلوا مقاتلي بيروت، ملوحين بعلم فلسطين الذي لن يسقط أبدا، والذي سيرتفع في سماء ميناء حيفا يوماً ما كما ارتفع في سماء طرطوس وقبلها سماء بيروت.
في تراجيديا رحلة الصمود في بيروت، غادرت كل القوات الفلسطينية والسورية التي كانت موجودة في قلب الحصار وقد قدر عديدها بنحو خمسة عشر ألف مقاتل وكادر، فيما بقيت أعداد جيدة من المقاتلين والكوادر من فلسطينيي لبنان داخل بيروت. كما كانت هناك قوات فدائية فلسطينية في سهل البقاع والشمال، وقد استمرت في معاركها وعملياتها الفدائية خلف الخطوط ضد قوات الاحتلال.
مابعد بيروت
وقعت في رحلة ما بعد بيروت، كوارث، وانتكاسات، وكبـــــــوات، كان أبرزها وقوع الانشقاق الفلســــطيني/الفلسطيني منتصف عام 1983، واندلاع الاقتــــــتال المؤسف في سهل البقاع وبعلبك وطرابلس شمال لبنان، وصولاً للحروب الظـــــــــالمة التي شُنت من قبـــــل طرف لبنــــــاني بعينه منتصف العام 1985 على عموم المواقع والتجمعات الفلسطينية في بيروت وصولاً الى مدينتيّ صيدا وصور.
كانت مرحلة ما بعد بيروت قاسية وصعبة، ففيها توزعت القوات الفلسطينية وانتقلت عبر البحار الى أكثر من قطر عربي: سوريا، العراق، السودان، مصر، اليمن الشمال والجنوبي، الجزائر، ليبيا، تونس. بينما خرجت عبر الطريق البري جميع قوات جيش التحرير الفلسطيني (قوات حطين + قوات القادسية) ومعها قوات اللواء السوري (85) نحو سوريا.
لقد أدى ذلك التشتت في توزيع القوات الفلسطينية لوقوع تباينات سياسية كان من بين نتائجها وقوع الانشقاق داخل حركة فتح في مايو 1983 عندما أصرّت بعض القيادات العسكرية لحركة فتح على ضرورة اعادة تجميع القوات الفلسطينية في سهل البقاع وشمال لبنان.
ان رحلة ما بعد بيروت، وتداعياتها، وانتكاساتها، انتهت على الفور مع انطلاق المارد الفلسطيني من قمقمه، بعد القمة العربية التي عقدت في العاصمة الأردنية عمان أواخر عام 1987، والتي سميت بقمة الوفاق والاتفاق، والتي شهدت بين جنباتها تهميشاً كاملاً لحضور فلسطين وشعبها. 
المارد الفلسطيني انطلق من قمقمه بانتفاضته الجبارة التي شق طريقها أبناء مخيم جباليا في قطاع غزة، وانطلق هشيمها يحرق الأرض تحت الاحتلال في أعظم وأوسع فعل كفاحي شعبي ديمقراطي شَهده التاريخ المعاصر للبشرية بأسرها. فكانت الحجارة أول الفعل بعد بيروت في مواجهة الاحتلال.. أول الرصاص كان من مخيم اليرموك في الفاتح من يناير 1965 عندما دوّت الطلقات الأولى للثورة الفلسطينية المعاصرة المنطلقة من مخيم اليرموك في سماء الجليل في بلدة عيلبون المحتلة عام 1948.. وأول الحجارة كان من مخيم جباليا في قطاع غزة في الحادي عشر من نوفمبر 1987.
لقد كان لاندلاع الانتفاضة الفلسطينية الكبرى نهاية عام 1987، وقعاً مدوياً، أسدل الستار على مرحلة ما بعد بيروت، وأسدل الستار على مسار الانشقاق الفلسطيني الذي وقع منتصف عام 1983، وأُغلقَ ملف حرب المخيمات الظالمة التي شنت على الفلسطينيين في لبنان، لتعود الروح للشعب الفلسطيني الذي لا تموت رُوحَه المُقاومة أبداً، ولتتحول مواقعه في الشتات المحيط بفلسطين وحتى في تونس المقر السياسي للمنظمة في حينها، الى مركز عمليات لقيادة الانتفاضة، وعنوان لمرحلة جديدة في الكفاح الثوري الفلسطيني، انتقل بثقل الحركة الوطنية من الشتات الى الداخل، لتبدأ بعد ذلك معركة جديدة في سفر الكفاح الوطني الفلسطيني.
في حصار بيروت، صَنع الشعب الفلسطيني ومعه لبنان وشعبه، وعموم القوات السورية التي كانت معنا في بيروت وعموم لبنان، مجداً تليداً لن تمحوه كل الهزات والسلبيات والآثام التي وقعت قبل وبعد المرحلة اللبنانية في العمل الوطني الفلسطيني. وفي صمود بيروت، كتبت بأحرف من الدم الطاهر الزكي مسيرة فلسطين نحو الحرية، كتبها المقاتلون البواسل الذين صمدوا على محاور القتال في مواجهة أقوى قوة عاتية في المنطقة. لقد كانت رحلة بيروت ثنائية التوصيف، فقد كانت أسطورة صمود من جهة، وتراجيديا المأساة العربية من جهة ثانية.
 



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=21491
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2012 / 09 / 05
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 11 / 20