• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : ثقافات .
                    • الموضوع : الدرس الأول وآخر الشراح ثنائية المتن / الهامش في التأليف النحوي عند العرب .
                          • الكاتب : منتظر حسن الحسني .

الدرس الأول وآخر الشراح ثنائية المتن / الهامش في التأليف النحوي عند العرب

  لم تقتصر ثنائية المتن / الهامش على التأليف النحوي لدى القدماء ، وإنما طالت الحقول المعرفية الأخرى من فقه وتفسير وحديث وغيرها ، إلا أنّها في النحو أدلّ وأوسع حتى غدت سمة مميزة له تبرّم بها دعاة التيسير وحاولوا أن يوجهوا سهام نقدهم صوبها.
    ومع كتاب سيبويه ، الدرس الأول في النحو ، ترتسم معالم هذه الظاهرة ، فما أخذ الكتاب طريقه بين العلماء والمعنيين بالنحو حتى اكتنفته الشروح والحواشي والتعليقات ، بدءاً بالأخفش ، الشارح الأول ، إلى آخر شراح سيبويه في العصور المتأخرة من تاريخ الصناعة النحوية .
    وليس الأمر مقتصراً على إمام النحو ، بل من النادر أن نعثر على متن نحوي لعالم يعتدّ به من دون أن نجد شرحاً أو شروحاًعدة تبسط غوامضه وتكشف كوامنه ، وربما سارت الشروح وفي ركاب أقل المتون قيمة إذ لم يكن معيار وضعها عندهم واحداً ، فربما يشرح اليسير ، ويلخص الواسع ولاسيما عند المتأخرين من الشراح .
   ومهما تعددت المصطلحات التي تدل على على التأليف الهامشي من شروح وحواشٍ وخلاصات وتعليقات ، يبق طابع الإيضاح والشرح وبيان الخلاف ومواطن الشاهد سمت هذه المدونات بما يكشف عن تبعية هذه النصوص للمتن الذي قامت عليه ؛ مما جعل للأخير سلطة معنوية يمارسها اتجاه الشروح والهوامش التابعة له ، وتتمثل هذه التبعية في اعجاب الشراح المفرط بالمتون واحتفائهم بها ، بيد أنّ هذه السلطة لاتلبث أن تتبدد أمام بعض الشراح الذين وفّقوا إلى حدٍ ما في انتاج شروح قاربت متونها في القيمة العلمية ، وربما فاقتها بكثير ، وفي خضم هذا التقارب تتلاشى ثنائية المتن /الهامش في هكذا نمط من الشروح ، وقد أشار الدارسون قديماً وحديثاً إلى شرح الرضي الاسترابادي على كافية ابن الحاجب ، وقرروا أن هذا الشرح يفوق ما جاء به الماتن من مادة نحوية ، ( إذ لم يؤلف على الكافية ولا في غالب كتب النحو مثله ) بحسب السيوطي . 
    وبين الدوافع العلمية وإظهار المقدرة العلمية للشارح توزعت أسباب وضع الشروح والتليقات النحوية ، فلم يكتفِ الشارح بشرح العبارة أو المسألة النحوية ، بل تعدى ذلك إلى بيان معاني المفردات اللغوية الواردة في الشواهد التي يذكرها الماتن ، فراحوا يتعقّبون المفردة أنى وردت وينقبون عن دلالتها بما يخرج النص عن القضية قيد الدراسة ، وتبرز هذه الظاهرة في شرح اللمع لجامع العلوم .
    وثمة خصيصة يمكن ملاحظتها في الشروح ولاسيما المتأخرة منها ، هي تكرار المادة النحوية ، فاللاحق يردد ما قاله السابق وإن كلّف ذلك أن يكرر المثال نفسه ، ويأتي بالشاهد عينه ، حتى أنّ القارئ ليألف تكرار هذا الشاهد أو ذاك المثال في متون وشروح عدّة وفي أزمان مختلفة .
    أما منهج الشروح والحواشي فيمكن الوقوف عليه من خلال التعرض ولو سريعا ً لثال واحد من شروح سيبويه بوصفه المتن الأكثر جدلاً بين النحاة ، وليكن شرح السيرافي  الذي يعطي مؤشراً يمكن للدارس أن يفيد منه في رسم مخطط تاريخي لسير الدرس النحوي من سيبويه إلى العصر الذي أنتج فيه هذا الشرح أي عصر السيرافي ؛ مما يساعد في تقييم هذه المرحلة من تاريخ النحو بما ينسجم مع ما أفصحت عنه نصوص السيرافي وما دلّت عليه في الحديث عن مفاهيم ورؤى نحوية لم يكن سيبويه ناقشها أو لم تكن متداولة في عصره أو كانت موجودة ليس بمفهومها المتطور الذي تأثّر قليلاً أو كثيراً بالفلسفة أو خالطته شائبة المنطق أو غير ذلك ، ومن هذه المفاهيم تبرز العلة أو العامل أو طرق القياس أو المفاهيم الأخرى التي لم تزل موضوع جدل بين منكر للتأثّر والتأثير الأرسطي وبين مؤيد له ومدلٍ عليه .
    وإذا ما قورن هذا الشرح بشرح آخر معاصر له ، وهو شرح الرماني على سيبويه ، فإنّ النتائج ستكون مختلفة وستعطي مؤشراً آخر لتلقي مادة سيبويه على مستوى شراحه ، وإن كانوا جميعاً يقنعون في شرحهم بعبارات سيبويه ومصطلحاته و يعتزون بكل ما ورد عن المتن إلى حد يكاد يبلغ القداسة ، فكثيرأً ما تحرّج هؤلاء الشراح من أي تغيير في كلام معلمهم الأوّل واكتفوا من أجل ذلك بترديد ألفاظه على حدّ قول د.إبراهيم أنيس .
    وأما ما يمثله شرح أخر في زمن لاحق ومتأخر عن سيبويه وهو شرح ( الحلل في اصلاح من كتاب الجمل  ) للبطليوسي فهو يمثل تطوراً نوعياً في نظرية الحد النحوي وقوانين الجدل وطرق المحاورة ، وإذا أمكن أن نؤشر تاريخية التعليل أو القياس أو العامل وغيرها من المفاهيم في كتاب سيبويه ، فإن المؤشر سيختلف عمّا وجد عند السيرافي والرماني من هذه المفاهيم بوصفها معالم بارزة في القرن الرابع الهجري ، وشرح الحلل ، بعد أكثر من قرن تقريباً ، يعطي مؤشراً من نوع آخر تكون نتائجه مختلفة تبعاً لحركية الزمن الذي انتج فيه .
    كذلك أفاد شرح الحلل هذا في بيان الغرض الذي وضع من اجله ، أو توضع من أجله الشروح بصفة عامة ، فليست الاسباب والدوافع واحدة على طول الخط ، وربما تتغير هذه الدوافع لتحوّل الشرح إلى آلة نقدية تنبّه على أغاليط المتون وتحاول أن تقيم أودها ، وهذا ما وجهه البطليوسي = شارح ، إلى الزجاجي =ماتن ، فذكر الاغاليط والاختلال في العبارات التي يظن أن الماتن وقع فيها، ثم عرج على الحديث عن الشواهد وإعرابها ومعناها .
    وقد لاتصل الفائدة إلى متعلمي النحو ومريديه ، وهذا ما كان يعتقده ابن الناظم حين وضع شرحاً لألفية أبيه المسماة بالخلاصة ، إذ جاء في مقدمة شرحه أنه وضعه ليحلّ به المشكل ويفتح به المقفل حرصاً على التقريب لفهم المقاصد والحصول على جملة الفوائد  .
   وقد يتوزع المتن في شروح عدة  فيأخذ كل شارح بنصيب أو طرف من المتن ويحاول أن يدلّ على براعته في مدى الاقتراب والابتعاد من قصدية الماتن أو المؤلف الأول ، وبالرجوع إلى سيبويه نجد هؤلاء الشراح تقاسموا متنهم بين شارح للعبارات تفصيلاً وبين شارح للشواهد ، وبين معرب لها ، وأصبحت هذه الطريقة في التأليف متعارف عليها حتى عند المتأخرين من النحاة فهذا العيني يشرح شواهد الأشموني ، ويقاسمه الصبان في شرح عبارات الأشموني ، وقد سبقهما الأشموني إلى شرح ألفية ابن مالك وحملت الطبعة الحديثة عنوانات هذه الشروح في كتاب واحد هو : ( حاشية الصبان على شرح الأشموني على ألفية ابن مالك ) .
    وعلى قدر المتن وعلو شأنه ينظر إلى الهامش ، فشروح المراحل الأولى اكتسبت أهمية مازتها عن شروح المراحل المتأخرة ، كذلك المتون التي قامت على هامشها هذه الشروح لايمكن أن تصدق عليها صفة ( المتن ) إلا تجوّزاً ، وهذا الحكم لايعني أن دراستها غير مجدية ، فربما تظهر نتائج بعض الأحكام المتعلقة بتاريخ النحو وتطور المفاهيم وأثر ذلك في المنظومة النحوية ، ففي هذه المراحل نجد أن المتون قد أخذت منحى  آخر عُرف بالمقدمات الشعرية أو المنظومات ، كألفية ابن معط وألفية ابن مالك ،وهذ المتون حظيت بشروح وهوامش أكثر مما يتسع لها الحديث في هذا المختصر ، ولايفوتنا الحديث أن ألفية ابن مالك بوصفها أنموذجاً لهذا النمط من المتون قد تسورها ما يربو على ثلاثين شرحاً  .
    وربما تصل درجة اعجاب الماتن بما فُتح له في هذه الصناعة أن يشرح ما ألفه بالأمس يبيّن غوامضه ويبعث كوامنه ، أو يختصر ما توسع فيه ، أو يوجز ما أطنب فيه ، كل ذلك يتمّ بإلحاح من طلابه وتوسل من محبيه أو من لايستطيع أن يردّ لهم طلباً ، وما نجده عند ابن الحاجب في الكافية ، وعند ابن مالك في الألفية ، وابن هشام في شذور الذهب ، خير مثال على ذلك .
    ويبقى كثير من هذه الأسئلة التي أثيرت في هذا الموضوع بحاجة إلى بسط وتوسع وتتبع للمعايير المعتمدة في وضع المتون والهوامش ، والأسباب التي تجعل من هذا المتن يستأهل شرحاً أو شروحاً عدة ، وذاك لايستأهل بل لايكاد يجد ما يؤنس به وحدته بين المتون .
 



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=20044
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2012 / 07 / 29
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 03 / 7