• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : ثقافات .
                    • الموضوع : الراهن الشعري وأزمة التلقي .
                          • الكاتب : منتظر حسن الحسني .

الراهن الشعري وأزمة التلقي

  ليس من الغريب أن تُدعى لحضور أمسية شعرية أو قراءة نقدية في مجموعة صدرت مؤخراً فلا تجد من الحاضرين إلا بضعة أشخاص قد صادف أن التقيتهم في أمسيات ماضية ، وربما يكون ثلاثة منهم مساهمين في هذه الأمسية بأوراقهم الاحتفائية ، ولاعجب أن يكون الشاعر المحتفى به أحد هؤلاء الثلاثة ، فلم تعد هذه الصالونات مراكز جذب تستهوي الشُداة فتأخذ لبّهم كما في السابق . وأحسب أن جزءاً مهماً من العلة في ذلك يكمن في العقم الشعري الذي منيت به أدبياتنا المعاصرة ولا سيما على المستوى المحلي فيما يتعلق بمجمل العملية الإبداعية سواء في ذلك المنشئ أو المتلقي ، فالمقطوعة التي نقرؤها اليوم والتي ادّعت لنفسها صفة الشعر أو صُنّفّت من قبل مريديها على أنها قصيدةٌ ، قد أخفقت كثيراً في أخذ دورها و إثبات ذاتها شعرياً ، فضلاً عن تحقيق إنتمائها الأجناسي فهو مفقود بالمرة . فالتحلل من الوزن وهجر القافية الذي ظن هؤلاء أنه سيقرب نصوصهم من قصيدة النثر مكفولٌ بأشياء وشرائط لم تتوافر أدنى مستوياتها فيما بين أيدينا من مقطوعات ومن ثمّ راح أرباب هذه النصوص يصنعون من الفراغ مجداً زائفاً سرعان ما انهدّ أمام الذائقة ، فمجّه المتلقي وسئم تراتبيته. وعلى ذلك تكون أزمة التلقي مناطة بالحضور الذي تمثله هذه المقطوعات وإمكانية المنافسة لاشغال حيز مناسب في أدبيات من يتلقى هذه النصوص في أقل مستويات التلقي وهو الإفهام ، وبدلاً من أن يكون هذا المستوى من بديهيات العمل الإبداعي نجدهم قد حوّلوا القصيدة إلى طلّسم يستغلق على الفهم ، فضلاً عن تحقيق المستويات الأخرى التي تصله بالابداع . وما ترك هؤلاء النظام العتيد المتمثل في الشطرين أو التفعيلة إلا لعدم قدرتهم على مجارات الوزن الصارم والقافية الشديدة التي لا تنصاع إلا أمام شعرية الكبار ، واهمين أنهم سيخفون هذا الإخفاق خلف ضبابية الصور المتلاحقة والطيش الاستعاري الذي لم يبق لمنطقية الدوال سوى تراتيبة مقيتة كتمت الصوت الثالث بحسب (إليوت) أي صوت الشاعر، المعوّل عليه في التعويض عن الوزن والقافية. وبغض النظر عمّا أثارته قصيدة النثر من سجال نقدي فإني لا أضمر في كلامي هذا اتهاماً لها ، فهي تتبرأ من ادعاء الذين تشبثوا بأبويتها موهمين من تنطلي عليه حيل التحرر من قيود التفعيلة بكفاية شعرية نصوصهم إلى الحد الذي يؤهّل نتاجهم إلى مصاف قصيدة النثر ، أو التفعيلة ، أو حتى العمود ، كما يظنون ؛ لذا نجدهم يقيدون عنوانات هذه المجاميع بكلمات مثل(قصائد، مجموعة شعرية) أو يُقدّم لهم في الصفحات الثقافية في الصحف والمجلات بكلمات مثل(نصوص شعرية، قصائد، شعر) أو غير ذلك، ولم يدر في خلد هؤلاء أن ما نقرأه لأدونيس أو محمد الماغوط أو أنسي الحاج مثلاً، لايمكن مجاراته إلا بشعرية نافذة في تجربتها لاتقل عمّا ألفناه عند شعراء العمود أو التفعيلة الكبار . وأعجب من ذلك أن ينبري من النقاد من يدافع عن هكذا نصوص شاحبة ، فما إن يصدر هذا الكُتيب الذي يتشح باسم(مجموعة شعرية) ، أو تُنشر تلك المقطوعة في إحدى الصحف أو المجلات حتى تتهافت الأقلام على كفالتها ، وأيّهم يدلو بما فتح الله له فيتكلم بكلام مطلسم يميل إلى الترميز الرياضي أكثر من كونه وسيلة للإيصال ، فتتعقد العلاقات بين الألفاظ وتتشابك المعاني في فوضى عارمة وتتوالد المصطلحات الغريبة التي لم يألفها القارئ وربما امتنعت على المختصّ أيضاً ، فهم (يتكلمون في كلامنا بكلامنا بما ليس من كلامنا) على حدّ ما أثر عن ذلك الأعرابي قديماً. و لم يتوقف سوق النصوص هذه عند هذا الحد ، بل راح بعض النقاد يروّج لها بمقدمات وافتتاحيات لغرض زجّها في خضم الحراك الثقافي معوّلاً على رصيده النقدي لدى القراء ؛ كونه ناقداً معروفاً  ، وكل ذلك يتمّ على حساب المسؤولية الاخلاقية المترتبة على امتهان النقد واحترافه ، ولو تنزّلنا جدلاً لنأخذ بالمفهوم الساذج لمطلق عملية النقد وهو اخراج الزائف من النصوص؛ لأفدنا كثيراً في هذا المضمار ونشدنا الراحة في التخلص من مغبّة هكذا مقطوعات .            
 



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=19946
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2012 / 07 / 26
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 03 / 7