• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : "النهضة" و صورة المسلم الأبله .
                          • الكاتب : محمد الحمّار .

"النهضة" و صورة المسلم الأبله

في الحقيقة صورة المسلم الأبله صورتان. والشخصية التونسية، مثل شقيقاتها العربية والإسلامية، تجسّد ذلك بكل "روعة". وليست هنالك جهة أو طرف أو حزب يجسم ذلك في هذه الآونة أفضل و"أروع" مما يفعله حزب النهضة. أما نتيجة ذلك سياسيا، وهي أعراض العلة، فهي متعددة. ونذكر من بين الأعراض: أثرة التعاون اللصيق جدا والمبالغ فيه مع دُوَيلة قطر مقابل الإشاحة بالنظر بعيدا عن مراكز القرار العربي الطبيعية مثل الجزائر ومصر والعراق، والنأي بالبلاد عن المسار التاريخي المؤدي إلى التحرر و الانعتاق من الهيمنة الأجنبية ومُحركها الصهيوني عوضا عن تصحيحه ثم تثبيته والعمل على المثابرة فيه.
إلى أي مدى كان/صار المسلم أبلهًا حتى يُصاب بمثل هذا الاعوجاج في خط نموه يا ترى؟ أعتقد أنّ هنالك الأبله المتديّن و الأبله المغرور. بخصوص الصنف الأول فهو ذلك الذي يرتاد المسجد ويطلق اللحية إن لزم الأمر ويسبّح ويستغفر، لكنه مع ذلك يحمل في نفسيته وفي ذهنيته أدراجا ومجاريَ عديدة كل واحدة تشتغل بمعزل عن الأخرى، ما يحدو به أن يكون في الوقت ذاته داعية لعبادة الله وللتُّقى والورع لكنه محبٌّ للمال ومكدّسٌ له، مناديا بالعدل لكنه مستغل لعرق جبين الآخرين، مطالبا بتطبيق الشريعة لكنه مخالفٌ للقوانين الطبيعية وذلك بتلويثه للبيئة وبإلقائه القمامة في الطريق العام، مؤمنا بالاستخلاف لكنه مكرسٌ لدوام التغول الرأسمالي على حساب المقهورين في العالم أجمع و مُنظرٌ لاستدامة الاستقواء الامبريالي على حساب شعب فلسطين وشعوب العرب والمسلمين قاطبة. 
ويبرز تجسيد هذه السلوكيات في السلوك "النهضوي" لمّا نذكر مواقف الحزب الإسلاموي بإقالة كبار المسؤولين في معهد الإحصاء في محاولة منه لتضليل الشعب حول الأرقام الحقيقية الدالة على نوعية الحياة، وفي موقفه بتبني الصرافة "الإسلامية" التي لا تقل عن الصرافة المتعارفة ربحا ولا مساومة ولا مداينة ولا ارتهانا، وفي موقفه بإقالة شخصية مشهود لها بالاستقامة وبالصرامة في العمل وبالنجاعة مثل محافظ البنك الأسبق مصطفى كمال النابلي، وفي موقفه باحتضان مؤتمر أصدقاء سوريا بينما الأغلبية الساحقة ممن لا تعتبرهم النهضة أصدقاء لسوريا هُم الأصدقاء الفطريون لهذا البلد الصامد ولكل بلدان مقاومة الاستعمار الجديد وبلدان المواجهة مع العدو الصهيوني، وهُم الذين ستشهد الأيام القادمة على صدق طروحاتهم.
أما الأبله المغرور الذي يمثل الصنف الثاني من بطانة حزب النهضة فهو ذلك الذي يعتبر التونسيين، و هُو في مقدمتهم ، أذكى خلق الله. وهو لا يصلي وربما لا يصوم، يدخن السجائر ويتعاطى الشيشة وربما مواد أخرى، منها المخدر ومنها المسكر، ويتردد على ملاعب كرة القدم، ويفتخر بأنه من الـ "الليدر" أو "الاولترا" أو "الشنوة" أو غيرها من مجموعات التشجيع و الجنون الكروي. وهذا الصنف لا تهمه الدراسة ولو كان تلميذا أو طالبا، ولا يبالي بالشغل طالما أنّ أبويه يُوفران له ما يكفي للعيش. كما يعتبر هذا الصنفُ الحضورَ في التظاهرات الثقافية، إن مسرحية أم حفل افتتاح معرض للرسوم أم حفل موسيقي، شتيمة أو وصمة عار على جبينه، الذي لم يبتل بعدُ بقطرة عرق سوى على مدارج الاستاد أو في صالونات المغمورة بدخان "شيخ البلد" و"التفاح". ومن المفارقات السلوكية عند هذا الصنف أنّ الغرور والاعتداد والاعتلاء يصل به إلى التهكم من أشقائنا في بلد مجاور، معتبرا إياهم أغبى الأغبياء بينما هو لا يعلم أنه يتهكم من نفسه لأنه جاهلٌ ببلده من باب أولى وبقضاياه الحقيقية وبسُبل إيجاد البدائل عن التصورات الوجودية (حتى لا نقول السياسية) العقيمة. بل هو لا يسمع عن فلسطين ولا عن سوريا إلا في شظايا الأخبار التي تبلغ مسامعه قسرا.
 هذا النموذج التونسي الذي استقطبته النهضة واستقدمته إلى عالمها الهلامي جعلت منه هذه الأخيرة شيئين اثنين. تارة هو حصنٌ بشريٌّ حصين ترتطم به إرادة الشبان والشابات التونسيين الصامتين، المؤمنين الكادحين المريدين لمنهاجٍ يعيدون بفضله تعلّم واجباتهم و يتلمسون بفضله حقوقهم، والمحتاجين لآلية يضطلعون بفضلها بواجباتهم ولأخرى يطالبون بفضلها بتلكم الحقوق. وطورا  هو جدارٌ بشريٌّ هشٌّ آيلٌ للسقوط هو الأول في حال لم تصدُق رؤى الحزب ولم تنجح سياساته. هذا الصنف الثاني مرشح، في ظرف بضعة أسابيع من الآن، لأن يكون هو المؤسس لمواقف سحرية وغيبية من قبيل السماح للشباب بالدخول إلى الملاعب مجانا أو الترفيع من نسبة القيمة المضافة على شهادة الباكالوريا من 25 بالمائة لتصبح 35 بالمائة أو، كما جاء قبل أشهر في سبقٍ مشهور على لسان أحد الأئمة الأبواق لسياسة الترويكا، الإعلان عن الشروع في توظيف 3000 شركة في الدورة الاقتصادية لكي تستوعب جحافلَ المعطلين من أصل الـ 400 ألف (هكذا؟) الذي عدّهُم سماحة المرشد الديني بعدّاده المقدّس. فالأهم عند حزب النهضة هو البقاء في سباقٍ قبليٍّ للانتخابات رسمته من محض خيالها وباستلهام من شخصية المسلم الأبله، ثم البقاء بفضل الانتخابات المقبلة والمداومة على إثرها.
هكذا يتضح أن ليس فقط استغلال حزب النهضة للشخصية التونسية في جانبها الأبله لغايات انتخابية هو ما نستخلصه من هذا المشهد. إذ هنالك ما هو أخطر من الاستغلال السياسي. إنه استحالة الوقوف على الرجلين والتدارك، وذلك بسبب جهل حزب النهضة وسائر الطبقة السياسية بأصل وبروح الديمقراطية في وجهها البسيط: عوضًا عن أن تكون الانتخابات آلية لتجسيد المرحلة الديمقراطية تلوَ الأخرى، هاهيَ بصدد التحوّل إلى مضمونٍ أصلي للديمقراطية. ولئن يجوز أن يؤمن المسلم بالانتخاب كمبدأ وإجراءٍ حاسم في الحياة الديمقراطية، فهل يُعقل أن تتحكم الانتخابات بحياة هذا المسلم؟ وإلى متى سيتم استبلاه المسلم باسم الإسلام؟
محمد الحمّار
 



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=19781
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2012 / 07 / 23
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 09 / 17