• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : دلالات فوز المرشح الإسلامي في مصر .
                          • الكاتب : د . عبد الخالق حسين .

دلالات فوز المرشح الإسلامي في مصر

يعتبر يوم 24/6/2012 يوماً مشهوداً في تاريخ الشعب المصري، وثورات الربيع العربي. ففي هذا اليوم أعلنت اللجنة العليا للانتخابات، نتائج الانتخابات الرئاسية بفوز المرشح الإسلامي الدكتور محمد مرسي بنسبة 51.73%، وخسارة المرشح العلماني الدكتور أحمد شفيق بفارق قليل جداً حيث حصد ما نسبته 48.27% من مجموع المشاركين في عملية التصويت. وهذا دليل على نزاهة وعدالة الانتخابات.

فلأول مرة في تاريخ مصر تختفي نسبة 99.99% التي كان يفوز بها الرؤساء السابقون، ولأول مرة في تاريخ الشعوب العربية يقدم المرشح الخاسر التهنئة لمنافسه الفائز دون الطعن والتشكيك بالنتائج، وهذا خروج على التقليد العربي، لذلك فالدكتور أحمد شفيق حقق سابقة يستحق عليها الثناء والتقدير منا جميعاً. وهذه تعتبر خطوة كبيرة إلى الأمام في رحلة الألف ميل لتحقيق الديمقراطية التي ناضل من أجلها الشعب المصري بثورته يوم 25 يناير 2011، ودفع شباب الثورة تضحيات جسام بدمائهم الزكية.

 

وكديمقراطي ليبرالي، كنت أتمنى فوز المرشح العلماني، الدكتور أحمد شفيق، رغم ارتباطه بنظام حسني مبارك. ولكن الخير ما اختاره الشعب المصري الذي نقدم له التهنئة الحارة بهذه المناسبة المباركة، متمنين له المزيد من الانتصارات في طريق الديمقراطية والاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي. كما ونهيب بأنصار الديمقراطية أن يحترموا رأي أغلبية الشعب، وما تفرزه صناديق الاقتراع حتى ولو كانت النتائج ضد رغباتهم وتمنياتهم، فهذه هي الديمقراطية.

 

لقد أثبتت ثورات الربيع العربي أن العنف الذي يرافق التحول من الاستبداد إلى الديمقراطية يتناسب طردياً مع قسوة وجور الأنظمة الدكتاتورية، أي كلما كان النظام أكثر جوراً، كان التحول أكثر عنفاً ودموية. ففي تونس ومصر كانت العملية مصحوبة بأقل ما يمكن من العنف الدموي مقارنة بما حصل في العراق واليمن وليبيا وسوريا. وهذا يدل على أن الرئيسين المخلوعين، التونسي زين العابدين بن علي، والمصري حسني مبارك، كانا أقل جوراً وقسوة من نظرائهما من الحكام العرب الجائرين المخلوعين والذين في طريقهم إلى السقوط.

 

 وكما ذكرنا في مقالات سابقة، أن الطريق الوحيد لتجنب العنف في مرحلة الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية هو إذا قام رأس النظام المستبد نفسه بعملية التحولات الديمقراطية تدريجياً. ولكن هذا نادراً ما يحصل في التاريخ، لأن الحاكم المستبد مدمن على السلطة، ومن الصعوبة أن يتنازل عن سلطاته وامتيازاته بإرادته الحرة. وحتى هذا الأسلوب لو حصل، فهو غير مضمون للتحول السلمي، لأنه حالما يبدأ المستبد بإرخاء قبضته، حتى وتتسارع الأحداث وتنطلق الجماهير للمطالبة بالمزيد من الحقوق، ويفقد المستبد السيطرة عليها فينهار نظامه ويحدث الطوفان والغليان.

 

دلالات فوز المرشح الإسلامي

إن فوز المرشح الإسلامي، الدكتور محمد مرسي، له دلالات عديدة ومهمة، منها أن الشعب المصري هو شعب محافظ ومتدين، وقد استفاد الإسلام السياسي من النزعة الدينية لدا الجماهير المصرية، لاسيما وأن حزب الأخوان المسلمين هو الحزب الوحيد العريق والمنظم بشكل تراتبي هرمي، وانضباط حديدي. والدلالة الثانية، أن هناك تطور سريع حصل في وعي الشعب المصري خلال أشهر قليلة، وذلك بتغيير موقفه من الإسلام السياسي، ففي الانتخابات البرلمانية الأخيرة، حقق الإسلاميون (الأخوان المسلمون والسلفيون) فوزاً ساحقاً حيث حصلوا على نحو ثلثي أصوات الناخبين، وثلثي مقاعد البرلمان (مجلس الشعب)، بينما انخفضت هذه النسبة في الانتخابات الرئاسية للمرشح الإسلامي إلى النصف تقريباً (51.73% ) من الذين شاركوا في التصويت، علما بأن الذين أدلوا بأصواتهم يشكلون نصف من يحقهم لهم التصويت، والذين تغيبوا عن التصويت هم في غالبيتهم من العلمانيين، لأن المؤيدين للإسلاميين يعتبرون المشاركة في الانتخابات فرض عين واجب عليهم. وهذا يعني أن الذين صوتوا للمرشح الإسلامي يمثل نحو ربع من يحق لهم التصويت. لذلك فمن المؤكد أن سبب خسارة المرشح العلماني هو امتناع غالبية العلمانيين عن المشاركة في التصويت لعدم قناعتهم بالدكتور أحمد شفيق بسبب ارتباطه بالنظام السابق، وما رافق الحملة الانتخابية من دعاية مضادة له أن فوز شفيق يعني عودة نظام مبارك من الشباك!!

 

وبعملية رياضية بسيطة، نعرف أن شعبية الإسلاميين هبطت خلال أشهر قليلة من ثلثي المصوتين في الانتخابات البرلمانية إلى نحو ربع في الانتخابات الرئاسية، أي أن نحو ثلاثة أرباع الذين يحق لهم التصويت لم يصوتوا للرئيس الفائز. وهذا انتصار للعلمانيين.

لذا، فعلى العلمانيين الساخطين على فوز المرشح الإسلامي، والذين لم يشاركوا في التصويت، أن لا يلوموا إلا أنفسهم، إذ كان عليهم المشاركة بكثافة من أجل دحر الإسلاميين، حتى ولو كان المرشح العلماني دون طموحهم. فالسياسة فن الممكن، ولا يمكن تحقيق ديمقراطية ناضجة  بسرعة، أما سياسة (كل شيء أو لا شيء) فدائماً تؤدي إلى لا شيء. على أي حال، هذه هي الديمقراطية، يجب على جميع الأطراف احترام نتائجها.

 

الديمقراطية تصحح أخطاءها

ينقل عن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق تشرتشل قوله: "أن الحكومة الديمقراطية هي ليست الحكومة المثالية الفاضلة، ولكن لحد الآن لا توجد حكومة أفضل منها". وهذا يعني أن الحكومة الديمقراطية ليست معصومة من الأخطاء، بل وحتى الجرائم، ولكن الديمقراطية تمتلك آلية تصحيح أخطائها، وذلك بفضح الأخطاء والجرائم التي ترتكب باسمها. فالديمقراطية لا تعني الانتخابات لمرة واحدة، بل تعاد بشكل دوري، عادة كل 4- 5 سنوات، وإذا ما فشلت القوى السياسية التي انتخبتها الأغلبية في حل مشاكل الشعب، والالتزام بوعودها فسوف تخسر في الانتخابات اللاحقة. والجدير بالذكر أن فوز الإسلاميين في الانتخابات في البلاد العربية هو رد فعل الجماهير لفشل الحكومات العلمانية المستبدة في حل مشاكل الشعب المتفاقمة، في الوقت الذي رفع فيه الإسلام السياسي شعار (الإسلام هو الحل). لذلك، فالتجربة خير برهان، ولا يمكن إقناع الجماهير بعدم قدرة الإسلاميين على حل المشاكل إلا بوضعهم على المحك، أي بوضعهم في الحكومة وتحمل المسؤولية.

 

إن المشاكل التي يواجهها الرئيس المصري الجديد وحكومته، كبيرة جداً، ومنها: الانفجار السكاني، والأزمة الاقتصادية، إذ كما صرح السيد سامي رضوان، وزير مالية سابق لراديو بي بي سي، أن نسبة البطالة نحو 12% حسب الأرقام الرسمية، ونحو 42% من الشعب دون خط الفقر. وكان لدى الحكومة رصيد من العملة الصعبة بنحو 45 مليار دولار قبل الثورة الشعبية، هبط إلى نحو 15 مليار الآن، والسياحة التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد المصري شبه متوقفة الآن. والمعروف أن الإسلاميين يصدون السواح الغربيين، لذلك، فالإسلام السياسي هو أعجز من أن يحل مشاكل الجماهير الاقتصادية المتفاقمة، إضافة إلى موقف الإسلاميين السلبي من الأقباط والمرأة رغم تأكيدات الرئيس المنتخب في كلمته عقب إعلان فوزه عكس ذلك لطمأنة الرأي العام. فمن نافلة القول أنه لا يمكن تحقيق الاستقرار السياسي بدون الاستقرار الاقتصادي، وتحقيق دولة المواطنة، ومعاملة جميع المواطنين بالمساواة أمام القانون دون أي تمييز ديني أو عرقي أو جندري.

 

ماذا لو كان أحمد شفيق هو الفائز؟

اعتقد أنه لحسن حظ الشعب المصري، والديمقراطية، والدكتور أحمد شفيق أنه لم يفز، فلو كان الدكتور شفيق هو الفائز لرفض الإسلاميون النتائج، وخرجوا في انتفاضة مسلحة على غرار ما حصل في الجزائر عام 1992، ولأغرقوا الشعب المصري بأنهار من الدماء. لذا ففي فوز المرشح الإسلامي الدكتور مرسي فوائد كثيرة و(رب ضارة نافعة)، منها: حقن للدماء، ووضع الإسلاميين على المحك أي في موقع المسؤولية، وعلى الأغلب سيفشلون فيما وعدوا به من حلول لمشاكل الفقر والبطالة. والمطلوب من القوى العلمانية الديمقراطية منح الإسلاميين الوقت الكافي (مدة سنة على الأقل)، وهذا لا يعني أن يحلوا مشاكل مصر خلال سنة، بل كاختبار لهم ليثبتوا حسن نواياهم وقدرتهم على الإيفاء بوعودهم، وعلى الأغلب سيفشلون لأن المشاكل الاقتصادية المتفاقمة هي أكبر من قدراتهم المحدودة، خاصة وأنهم يريدون إعادة المجتمع إلى الوراء 1400 سنة، وحل مشاكل اليوم المعقدة، بقوانين وضعها السلف قبل 14 قرناً.

إن فوز المرشح الإسلامي وإن بدا لنا خسارة كبيرة للعلمانيين، وأمر غير مرحب به، إلا إنه فيه جوانب إيجابية كثيرة، إذ كما قال آدم سميث: "نتائج غير مقصودة لأفعال مقصودة، ولكن في نهاية المطاف ستكون في صالح المجتمع".

[email protected]  العنوان الإلكتروني

 الموقع الشخصي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مواد ذات علاقة بالموضوع

1- تقرير موقع بي بي سي: اللجنة العليا للانتخابات تعلن فوز محمد مرسي برئاسة مصر

2- مرسي دعوتنا سلفية والشيعة أخطر على الإسلام من اليهود

3- مطالب السلفيين أمام مرسي: طرد الشيعة والبهائيين وهدم الاهرامات

4- عبدالخالق حسين: فوز الإسلاميين، نعمة أَمْ نقمة؟

http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=498




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=18842
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2012 / 06 / 29
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 12 / 6