• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : انزِل عن مِنبَرِ أبي! .
                          • الكاتب : شعيب العاملي .

انزِل عن مِنبَرِ أبي!

بسم الله الرحمن الرحيم
 
انْزِلْ عَنْ مِنْبَرِ أَبِي!
.. وَاذْهَبْ إِلَى مِنْبَرِ أَبِيك‏!
 
انْزِلْ عَنْ مِنْبَرِ جَدِّي‏!
 
كلماتٌ مختلفة، رويت في مصادر الفريقين، عن الحسن عليه السلام تارةً، وعن الحسين عليه السلام أخرى..
والمخاطَبُ فيها هو الغاصبُ الأوَّلُ مرَّةً.. والثاني أخرى.. (يراجع أنساب الأشراف ج3 ص26 وغيره).
 
ليس هذا الحدثُ أمراً عابراً، ولا كلمةً تُنسى بعدَ ساعة.. فالمتحدِّثان هما سيِّدا شباب أهل الجنة، وهما إمامان قاما أو قعدا..
ومَن وُجِّهَ لهما الخِطاب هما مَن تَسَنَّما أمر المسلمين قَهراً بعد قتل أفضل الأنبياء صلى الله عليه وآله.
 
الأمرُ عظيمٌ إذاً.. والخطبُ جليلٌ.. وعلى المسلمين التأمل في أبعاده ودلالاته..
إنَّ هذان الإمامان ينطقان عن الله تعالى في سنيِّ حياتهم الأولى كما في سائر أيامهم.. فكلامهم حقٌّ في كلِّ مراحل حياتهم..
وقد صدَرَت منهم هذه الكلمات حينها بحق المتسلِّطين على الرِّقاب، فما السرُّ في ذلك؟
 
يظهر من بعض النُّصوص أنَّ السبب المباشر لهذه الكلمات هي دعوى عظيمة تهتزُّ لها السماوات والأرض، صدرت من هؤلاء الأجلاف، حين ادَّعوا فيها الولاية على أنفس المؤمنين!
 
ففي الخبر أن الثاني كان يخطب على منبر الرَّسول صلى الله عليه وآله: فَذَكَرَ فِي خُطْبَتِهِ أَنَّهُ أَوْلى‏ بِالْمؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ!
 
إنَّ التسلُّط على الناس قد يكون تارةً بعنوان الغصب والقهر.. وأخرى بعنوان البيعة ولو لم يكن لها محلٌّ.. وثالثةً بعنوان الولاية من الله تعالى!
 
وقد بلغت الوقاحة بهؤلاء أن سلبوا آل محمدٍ حقَّهم الذي أولاهم الله، ثم نسبوه لأنفسهم، فالنبيُّ صلى الله عليه وآله يقف أمام الآف الصحابة ليؤكد أن علياً أولى بالمؤمنين من أنفسهم بأمر الله، وهذا الرَّجُلُ يزعم أنَّه هو الأولى بذلك.. وأنَّ على الأمة جمعاء أن تطيعه! وفيها وليُّ الله الأعظم! وينطق بذلك وهو قائمٌ على منبر الرسول!
 
حينها ينبري سيِّدُ شباب أهل الجنة له، فيقول الحسين عليه السلام من ناحية المسجد:
انْزِلْ أَيُّهَا الْكَذَّابُ عَنْ مِنْبَرِ أَبِي رَسُولِ الله لَا مِنْبَرِ أَبِيكَ! .. وَيْلٌ لِلْمُنْكِرِينَ حَقَّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ مَا ذَا يَلْقَاهُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله (ص) مِنْ إِدَامَةِ الْغَضَبِ وَشِدَّةِ الْعَذَابِ.
 
بَيَّن الإمام عليه السلام أنَّ هذا الحقَّ حقٌّ من الله تعالى، وأنَّ المنكر له عدوٌّ للنبيِّ صلى الله عليه وآله، وأنَّ مآله إلى العذاب الدائم الشديد.
لكنَّ المنافق ما أقرَّ بتلك السقطة، فحاول بخدعه ووساوسه أن يُبَرِّرَ أفعاله الشائنة بقوله: أَمَّرَنَا النَّاسُ فَتَأَمَّرْنَا! وَلَوْ أَمَّرُوا أَبَاكَ لَأَطَعْنَا!
 
أيُّ وقاحةٍ هذه؟! الله تعالى يجعل علياً للمؤمنين أميراً.. وهذا يتحدَّث عن تأمير الناس.. وأيُّ تأمير!
قال له الحسين عليه السلام: فَأَيُّ النَّاسِ أَمَّرَكَ عَلَى نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ تُؤَمِّرَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى نَفْسِكَ! لِيُؤَمِّرَكَ عَلَى النَّاسِ! بِلَا حُجَّةٍ مِنْ نَبِيٍّ وَلَا رِضًى مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ؟ (الاحتجاج ج2 ص293).
 
الأمرُ كلُّه مبنيٌّ على كذبة تأمير النّاس.. والأمر قد بدأ من عُمَر نفسه حين بايعَ أبا بكرٍ في أمرٍ لا تصحُّ فيه البيعة.. تمهيداً له، كي يردّها إليه.. فلشدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا!
 
إن ارتقاء هؤلاء منبر رسول الله صلى الله عليه وآله أمرٌ يستحق التأمُّل والاعتبار.. لما للمؤمن من صلةٍ بمنبر الرسول إلى يومنا هذا!
 
فإنَّ الزائر لقبر النبيِّ صلى الله عليه وآله، يقف عند المنبر، ليمسحه بيده.. ثم يمسح بهما عينيه ووجهه، ثمَّ يوجِّه خطابه للمنبر! فيقول:
الحَمْدُ لله الَّذِي عَقَدَ بِكَ عِزَّ الْإِسْلَامِ، وَجَعَلَكَ مُرْتَقَى خَيْرِ الْأَنَامِ! (المزار الكبير لابن المشهدي ص75).
 
إنَّ الإله الحكيم لا يختارُ عبثاً، ولا يفعل إلا لحكمةٍ، ولقد مَيَّزَ الله تعالى منبرَ النبيّ عن غيره، بل شَرَّفَهُ بارتقائه صلى الله عليه وآله، لحكمةٍ يعلمها..
ثمَّ جعل هذا المنبر لآله من بعده، لهم حقُّ ارتقائه دون غيرهم، أليس المنبرُ منصوباً ليُعزَّ به الإسلام؟ وهل من عزٍّ للإسلام بغيرهم؟!
 
فعن الباقر عليه السلام: وَنَحْنُ عِزُّ الْإِسْلَام‏ (بصائر الدرجات ج1 ص63).
فبهم لا بغَيرهم أعزَّ الله الإسلام، ولقد كان لهذا المنبر دورٌ عظيمٌ في ذلك.. هو المنبر الذي نخاطبه بقولنا:
الْحَمْدُ لله الَّذِي خَفَضَ بِانْتِصَابِكَ عُلُوَّ الْكُفْرِ، وَسُمُوَّ الشِّرْكِ، وَنَكَّسَ بِكَ عَلَمَ الْبَاطِلِ، وَرَايَةَ الضَّلَالِ (المزار الكبير لابن المشهدي ص75).
 
لقد كانت راية الكفر خفَّاقةً، وكانت أعلام الباطل مرفوعةً، ولمّا انتصبَ منبرُ النبيِّ صلى الله عليه وآله، صار الكفر ذليلاً، وراية الباطل مُنكَّسَة..
 
لكن إلى متى؟!
لم يطُل الأمر كثيراً، فما إن حانت ساعة ارتحال النبيِّ صلى الله عليه وآله إلى بارئه.. حتى سارع أعلام الضلال إلى استلاب المنبر من أهله، كما استلبوا الخلافة.
 
ولقد كان إبليسُ نفسه أوَّلَ الصاعدين على المنبر.. في صورة شيخٍ كبيرٍ، فخاطب الأول من على المنبر:
الحَمْدُ لله الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتَّى رَأَيْتُكَ فِي هَذَا المَكَانِ! ابْسُطْ يَدَكَ فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعَهُ! (كتاب سليم ج2 ص578).
 
لقد خفض الله بانتصاب منبر النبيِّ علوَّ الكفر، لكنَّ رمزَ الكفر الأول عاد بنفسه ليقفَ على هذا المنبر! ويُبايع أعداء الله! ويحمد الله على ذلك؟!
أيُّ تزييفٍ أعظمُ من هذا؟!
أيُّ وقاحةٍ وقباحةٍ ورذالةٍ تتضمَّنُها تلك البيعة؟!
 
لقد سبقَ أن رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ما سيجري في الرؤيا، فأصبح حينها كئيباً حزيناً، فقد رأى: أَنَّ بَنِي تَيْمٍ وَبَنِي عَدِيٍّ وَبَنِي أُمَيَّةَ يَصْعَدُونَ مِنْبَرِي هَذَا، يَرُدُّونَ النَّاسَ عَنِ الْإِسْلَامِ الْقَهْقَرَى‏! (الكافي ج8 ص345).
 
ولقد رأى الحسنان عليهما السلام ما أخبر عنه النبيُّ صلى الله عليه وآله عياناً.. ذاك حيث خاطبا الأول والثاني.. وألقيا الحجَّة عليهما وعلى الأمَّة التي اتَّبَعتهما.
 
وظلَّت هذه الكلماتُ شاهداً إلى يومنا هذا: انْزِلْ أَيُّهَا الْكَذَّابُ عَنْ مِنْبَرِ أَبِي رَسُولِ الله!
 
آهٍ لقلبك يا سبط الرَّسول.. كَم صَبَرتَ وكَم رأيت..
آهٍ لحالك يا منبر الرَّسول.. كيف تحمَّلتَ صعود هؤلاء القوم عليك؟! مع عداوتهم لمن شرَّفك الله به؟!
 
لقد.. عَظَّمَ الله حُرْمَتَكَ، وَأَوْجَبَ التَّمَسُّحَ بِكَ، فَكَمْ قَدْ وَضَعَ المُصْطَفَى صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ قَدَمَهُ عَلَيْكَ، وَقَامَ لِلنَّاسِ خَطِيباً فَوْقَكَ، وَوَحَّدَ الله وَحَمَّدَهُ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ، وَكَمْ بَلَّغَ عَلَيْكَ مِنَ الرِّسَالَةِ، وَأَدَّى مِنَ الْأَمَانَةِ! (المزار الكبير لابن المشهدي ص75).
 
فهل تألَّمَ المنبرُ يومَها مرَّتان؟!
 
المرّة الأولى: شوقاً وحنيناً إلى النبيِّ صلى الله عليه وآله..
 
فقد روينا أنَّ جِذع نخلٍ يابسٍ عتيقٍ كان إلى جانب محراب النبيِّ صلى الله عليه وآله، وكان النبيُّ يستند إليه: فَلَمَّا اتُّخِذَ لَهُ الْمِنْبَرُ وَصَعِدَهُ حَنَّ ذَلِكَ الْجِذْعُ كَحَنِينِ النَّاقَةِ إِلَى فَصِيلِهَا، فَنَزَلَ رَسُولُ الله (ص) فَاحْتَضَنَهُ فَسَكَنَ مِنَ الحَنِينِ! (الخرائج والجرائح ج‏1 ص165).
 
لقد حنَّ الجذع إلى النبي حيث لم يعد يستند إليه.. وهو لا يزال قريباً منه.. يصعد منبره المُشرَّف، ويُبَلِّغُ وحيَ السَّماء.. فكَم يا تُرى كان حنينُ المنبر للنبيِّ وقد انتقل إلى جوار ربِّه؟!
 
المرَّة الثانية: حُزناً وألماً على تضييع الأمانة!
 
ولئن كان للجذع نوعُ إدراكٍ وحنين.. فما حالُ المنبر الذي نال الكمالَ، وشُرِّفَ بأداء النبيِّ أمانةَ السماء عليه.. وهو يرى تضييعها اليوم.. بل يرى أعداء الرَّسول يرتقونه واحداً بعد آخر.. أوَّلهم إبليس.. ثم أبالسة الإنس.. الأول فالثاني..
 
كَم هو الألَمُ الذي أصابَك أيُّها المنبر.. وكم اضطُّررت إلى إخفائه!
لقد أظهرَ الجِذعُ حَنينَه فحقد عليه بنو أميَّة، وقطعوه لمّا جَدَّدوا المسجد!
لكن لَم يُنقَل إلينا أن المنبر قد أظهرَ شيئاً من ذلك.. فلعله من أصحاب الحنين الصامت.. والألم المستور.. الذي ينتظر صاحبُه ساعة الخلاصة.. ذاك حيثُ يظهر الإمامُ المنتظر، ويُحرق كلَّ منبرٍ من منابر الضلال.. ويستعيد الحقّ السليب..
 
ثمَّ يأتي يوم القيامة.. حيث يُنصب للنبيِّ (مِنْبَرٌ لَهُ أَلْفُ دَرَجَةٍ).. ولعليٍّ منبرٌ (يَرَاهُ جَمِيعُ الْخَلَائِقِ)..
وينادي ملكٌ: هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ع يُدْخِلُ الْجَنَّةَ مَنْ يَشَاءُ..
وينادي آخر: يَا مَعْشَرَ الْخَلَائِقِ هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع) يُدْخِلُ النَّارَ مَنْ يَشَاءُ (بصائر الدرجات ج1 ص415)
 
يوم يُنصَبُ (مِنْبَرٌ يَعْلُو المَنَابِرَ).. يرتقيه محمدٌ صلى الله عليه وآله، وعليٌّ عليه السلام..
ويأتيهما الخطاب من الله تعالى.. ﴿أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ يَا مُحَمَّدُ يَا عَلِيُّ..
أَلْقِيَا مَنْ أَبْغَضَكُمَا وَكَذَّبَكُمَا فِي النَّار (تفسير القمي ج2 ص324، وتفسير فرات ص439).
 
في ذلك اليوم لا يرتقي المنبر مَن ليس أهلاً له.. في ذلك اليوم لا يمكن لظالمي آل محمد أن يصعدوا منابر النور.. بل يعاقبون على قدر سوء فِعالهم..
في ذلك اليوم يخصُّ الله من ثبت على ولاية آل محمدٍ بكرامته، ويعذِّب غاصبي حقِّهم أشدّ العذاب.
 
ثبَّتنا الله على ولايتهم.. وحشرنا معهم.. وعجل في فرج وليهم..
 
والحمد لله رب العالمين
 
الجمعة 27 جمادى الثاني 1444 هـ، الموافق 20-1-2023 م.




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=177520
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2023 / 01 / 20
  • تاريخ الطباعة : 2023 / 05 / 31