• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : قراءة في كتاب .
                    • الموضوع : المقدمة التي كتبها الناقد العراقي الأستاذ محمد الجزائري عن الكتاب وكاتبه محمود النجار : لظى الذاكرة .
                          • الكاتب : محمد الجزائري .

المقدمة التي كتبها الناقد العراقي الأستاذ محمد الجزائري عن الكتاب وكاتبه محمود النجار : لظى الذاكرة

لا يعوزه التعبير عن نفسه ومشاغله ومشاعره ، بلغة واضحة ، وبالصمت أحيانا ً، كلغة لها بلاغتها ودوالها ، ولا تنغلق على شفرات  وطلاسم، كأنه لا يكتب بل يتكلم ، وحسنته أنه يدوِّن ما خالجه ، وتلك لمسة تراض مع التاريخ وتصالح مع الذات في الآن نفسه ، إنه شاهد على ما جرى له ولغيره عبر ما رأى إليه وتلمسه ، ولا يريد لتلك الشهادة بأن تذهب طي النسيان ..
لذا تتبدى هذه الكتابة عن سهولتها ، كما لو كانت تقرير حال ، أو إزاحة دين ثقيل عن الكاهل ، وهو يعرف آفاقها وأبعاد أذاها ، لو اسْتـُعـْملتْ ضده ، كاسترجاع وبرهان ، فبعض خيوطها لايزال قائما ً، والجناة - القتلة مقيمون ولازالوا يسرحون ولا يمرحون ، بل هم بانتظار نهزة لحظة انتقام وحقد يفجرونها تحت الوسائد أو في حقائب الأطفال المدرسية إن تطلب الأمر ، فالحقد أعمى ، ولا قلب له أو ضمير !!
هنا إمساك بلحظة الماضي، ربما الحميمة ، أو الجميلة ، وأحيانا ً الداكنة والحمراء.. فالذكرى بحسب الحالات ، مع الأم ، وحبيبات الصبا ، أتراب المحلة أو زملاء الدراسة ، من فرقت بهم السبل ، والمعلمون الذين خسروا قيافة قاماتهم وعلو مكانتهم بعد جوع الحصار ومسغبته وخوف المطاردة وذل العسف والاعتقال ومهانة الاحتلال .. ترادفت المصائب حتى بلغ السيل أعلاه وغطى الرؤوس والأعناق وأعمى البصر، لكنه لم يذهب بالبصيرة إلى عتمته ، برغم دكنة الأيام والتباسات الزمن المقلوب والمغلوب على أمره ، ومتاهة السُبل.. ظل المعلم ، في يقين محمود ، قدوة ورسولا ً.. 
إن الإمساك بلحظة الذكرى تلك ، مقاربة للتجلي ، فقد خرجت من إهاب السرد إلى ما يشبه المدونة ، فيها الحكي وفيها الموقف ، وتلك حسنتها الأساس .. ومن حسناتها أيضا ً أنها منحت الكاتب نفسه شيئا ًمن طمأنينة الخاطر والبال، طمأنينة تحميه من هواجسه ، و ترصن إرادته ويقينه ضد العاتيات والهنات وسقطات الزمن وعتي الغربة وكآبتها وأحلامها المستدامة ، فالذكريات، هنا، ليست محض حنين ، بل أكثر من قنطار وقاية..
من أجل ذلك يؤنسن محمود النجار ماضيه ، ويعيد صياغته في كتاب ، فيجلو الأغبرة والأتربة عن جذوره وعروقه ومسامات عرقه ودمه ومنابع دمعه .
النص أعتمد لسان البيت ، أي ما يهدج به الناس كافة ، في المقهى وفي المسامرات الحزينة، وفي المهاجر ، برغم أناقة بعض أفضيتها وزينة إنارة إعلاناتها ، لكنها شتات شحيحة الحب والعاطفة ، لها عتمة غرفها الصغيرة ، وسحب سمائها الداكنة وبردها الصقيع ، النفسي والوجداني، وعري جليدها وجلود ساكنيها، في الخلاصة.
 وهي خارج لثغة "اللغو" الأجنبي وبلبلة الألسنة واللغات ، عولمة ، أقليمية أو محض محلية  كتلك التي لا تتعدى حدود بلدانها ، كعملاتها القديمة. لكنات ، وتأتأة لسان الغرباء ، التي تشعرهم بقهر أيامهم وبعدم المساواة حتى من  تحَّصل منهم على الجنسية الثانية !
محمود درج على لغة القلب ، لم يتوقف عند تقعر القواعد واشكالات الإملاء ، وضوابطهما المعقدة ، بل قدم حالاته سليقة  بيضاء الكف والنوايا ، خرجت من باب قلبه المتعب متكئة على صدقها دون عون من كهنة الثقافة ،"قومسيريات " الأدب وسدنة السياسة وطاعة "الأخ الأكبر" ! هكذا بريئة ، مباركة وفيحاء ، ومن دون أن تطلب ترخيص التحزب وتلميعه ، فالكاتب مؤلف معاناته وهو وحده المسؤول عن لظاها وشظاياها ، كما أنه ابن وطنه الوفي ، ولازال العراق سيده وأباه !
كما لو كتب نصه نفسا ً واحدا ً ودفعه إلى المطبعة دون أن يلتفت إليه ، لقد أودعه سلامة النية ، واكتفى بذلك حفيظا ً، شظايا أو لظى، لا فرق فهي في الأحوال كلها انثيال (جلال، عباس أو سمير) ليست الأسماء هنا حجابات أو حواجز ، بل اقنعة تقية وأحياز تعبير عفوي لكن له منطقه الخاص ، ففي الحصيلة ، هي محمود بذاته ولذاته ، مادامت تحمل توقيعه ، تلك حقيقتها الوارفة بظلال الماضي القريب ترفل بصدقها وحريتها .
ولابأس عليه.. إنه درب لاحب وشاق على كتابة الاستعارة والكناية والمجاز، كتابة الاحتراف ومخاتلات المهنية.. ولو عاد (الأستاذ سعدي) - مدرسه للغة العربية في المتوسطة - لأمتدح في الكتابة صدقها ذاك وعفويتها، ولقال لمحمود ، أمام مدرسة الحياة وتلامذتها الكثر :
-    أنت لبالغ نفسك وهواك ، وإني لأشهد بأنك لكاتبها حقا ً يا "جلال" !
 ربما سيلفت نظره ، بلطف المربي الفاضل ، إلى سهوات الطباعة في هنات الإملاء وزلاّت القواعد. وجل من لا يسهو !
أهي قصص ثلاث ، طويلة ، كما تبدت ، أو شبه رواية قصيرة بثلاث شخصيات تتماهى والأرض والأحداث والوقائع ، وتنعطف نحوالأمكنة والتواريخ ، وتتوحد مع الراوي كسارد عليم ، وموقعّها كاسم وحضور وضمير ؟
إنها لا تأبى على نفسها لتكون شيئا ًمن ذلك كله في ذلك كله، وأن تحتفظ بلمستها الإنسانية كيقين، و واقعيتها السياسية - الاجتماعية كوقائع ، تخلصت من شروط النقد في نموذجه أو تصنيفه أو تجنيسه ، ولم تدخل خيمة القواعد المدرسية في السرد واللسانيات !
لقد اشتقت لنفسها محبة من "حنين" ومغبة نجاة من "محرقة وطن" وملاذا ً في "ولادة جديدة" لتكون سيرة ومسيرة ، قعدت على مايقارب 250 من الصفحات المرتبة والمُخرجة طباعيا ً بقطع وسط ، ولا حيلة لنا على شكلها ومضمونها ، فقد خرجت من إهاب خالقها إلى خالق آخر، هو المصمم والناشر، لذا قرأتها كما تركها مؤلفها ، وثيقة لنفسه وشهادة لذاتها وذات كاتبها !
ولن يبلغ أي كاتب مرحلة الرضا الإبداعي مهما أعاد في النظر وتعمق في نصه مثنى أو ثلاث ،  وعلى ذلك فمحمود النجار ابن تربيته ، وطنه هو أبوه في الكتابة والانتماء وسيده : العراق .
 ورث ذلك من قيظ أيامه وليس من برودة المناهج وتعاليها الأكاديمي الأخيل
وهكذا ظل هذا النص ، خارجا ً من مفردات التاريخ الشخصي والعام ، إلى كنف المتلقي ، أبيض اليد والسريرة ، والعفو واللسان .
  وهذا حسبه !


محـمــد الجـــزائـري
بلجيكا – خينت خريف 2011
 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=16743
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2012 / 05 / 01
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 12 / 10