• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : تركيا الاردوغانية... من تصفير المشكلات إلى خلق العداءات .
                          • الكاتب : لطيف القصاب .

تركيا الاردوغانية... من تصفير المشكلات إلى خلق العداءات

مركز المستقبل للدراسات والبحوث
 ما تزال الحرب الكلامية التي أشعلتها تصريحات رئيسا وزراء تركيا رجب طيب اوردغان والعراق نوري المالكي أحدهما ضد الآخر تحظى باهتمام المحليين والمراقبين في كلا البلدين ففي حين يهون البعض من طبيعة هذا الموضوع هناك من يحذر من مغبة تفاقم خلافات الرجلين الشخصية وتحولها إلى أزمة سياسية تعصف بعلاقات بلديهما الثنائية وتنذر بتحولهما إلى دولتين تعادي إحداهما الأخرى في القريب العاجل أو الأمد البعيد. 
فما مدى واقعية كل من هاتين الفرضيتين لاسيما إن البلدين محكومان بمؤسسات سياسية دستورية متشابهة وتربطهما علاقات اقتصادية متنامية؟
 الحق أن تصور سيناريو القطيعة التامة بين البلدين وتحولهما إلى دولتين تعادي إحداهما الأخرى في المدى المنظور لا يستند إلى مسوغات كافية ليس لوجود مؤسسات دستورية في كلتا الدولتين من شأنها الحيلولة دون صيرورة الخلافات الشخصية بين مسؤولي البلدين مهما علت رتبتهما في هرم السلطة إلى نزاعات ذات طابع دولي وإنما لوجود مبلغ ثمانية عشر مليار دولار قابل للزيادة هو قيمة التداول التجاري السنوي بين العراق وتركيا والمستفيد الأكبر من هذا المبلغ الفلكي هم الأتراك في المقام الأول والأخير باعتبارهم يمثلون الطرف المنتج وباعتبار عدم توفر بدائل متاحة للسوق العراقية بالنسبة للجانب التركي، في حين يمثل العراق الطرف المستهلك الذي يمكن له العثور بسهولة على موردين كثر لما يحتاجه من بضاعة استهلاكية في أية لحظة يومئ بها للأردن على سبيل المثال لا الحصر. 
إذ إن الكلمة الأخيرة في ميزان العلاقات الدولية قديما وحديثا تصب في مصلحة الجوانب الاقتصادية خاصة في الدول ذات الطابع البراغماتي الصرف كتركيا. غير أن عدم تحول العراق وتركيا إلى خصمين لدودين في المدى القصير والمتوسط لا يعني بأي حال من الأحوال وضعهما في خانة البلدان التي تتمتع بعلاقات صداقة رسمية وطيدة كما هو الحال بين إيران والعراق، وتركيا وقطر، في الفترة الحالية إذ إن التوتر بين علاقات كل من تركيا والعراق سيظل على مدى غير منظور محكوم بعوامل الشد والجذب على خلفية تراكم ملفات الخلاف المزمنة بين البلدين. 
ويأتي في مقدمة تلك الملفات ملف المشاكل المائية بين تركيا والعراق هذا الملف المرشح أكثر من غيره إلى إحداث شرخ جسيم في العلاقات التركية العراقية مع مرور الأيام وسيصل إلى ذروته الحتمية عندما تنتهي تركيا من إكمال منظومة سدودها العملاقة التي من المتوقع أن تنهي وجود آثار لنهري دجلة والفرات داخل الأرض العراقية حينما تبلغ مراحلها الأخيرة بنجاح.
وسيظل احتمال الصراع العنيف بين البلدين قائما حتى مع تغيير الكابينة الحكومية التي تدير عجلة الأمور في العراق حاليا والمتهمة بتنفيذ أجندة أيدلوجية لا ترضى عنها تركيا بأخرى أكثر تعاطفا مع الأتراك من الناحية الأيدلوجية خاصة ذات البعد الديني والطائفي، فليس ما يهم القادة الأتراك الجدد وعلى رأسهم رجب طيب أوردغان كما يبدو هو الهاجس الديني أو الطائفي بل هو الهاجس القومي المتمثل باستعادة مجد (السلطان) العثماني ولكن بشكل تدريجي مدروس. 
لقد كانت تركيا (تركيا الحديثة ) حتى الأمس القريب مثالا للحكم المؤسساتي التي يبدأ فيها الحاكم التركي الجديد من حيث ما انتهى خلفه في المسؤولية، وشيئا فشيئا اختفى من القاموس السياسي التركي أو كاد مصطلح تركيا الاتاتوركية فحتى بدايات الفترة التي تسنم فيها رجب طيب اوردغان منصب رئاسة الوزراء في بلاده لم يكن يروج في الأوساط داخل وخارج تركيا غير مصطلح تركيا الحديثة التي استطاعت أن تعيد بالفعل الهيبة لدولة الرجل المريض. 
هذه الصفة التي لازمت الاتراك حقبة زمنية متطاولة. وبفعل الانجازات السياسية والاقتصادية التي تمت على يد حزب العدالة والتنمية التركي فقد تحولت تركيا بفعل ذلك إلى حلم يراود مخيلة كثير من السياسيين وفيهم إسلاميون من طوائف مختلفة بل شرع قسم من هؤلاء الساسة في محاولات عملية جادة لتحقيق هذا الحلم بالفعل إيمانا منهم بان الوقت اللازم لتمني رؤية النموذج التركي وقد حل في ربوع بلدانهم يساوي الوقت اللازم للتخطيط والعمل باتجاه جعل هذا الحلم حقيقة ماثلة على ارض الواقع.
 وما ساعد على تركيز الحلم التركي في أذهان قادة اسلاميين بارزين في الساحة السياسية العربية على وجه التحديد هو التسويق الامريكي لما سموه طوال سنين بنموذج الاسلام التركي المعتدل في مقابل التشدد الايراني والافغاني. لكن انحدارا حادا بدأ يلاحظ على شعبية السياسة الخارجية التركية وبدأت آثاره السلبية تطفو على سطح الأحداث في أكثر من دولة عربية لتتغير نظرة قطاع كبير من العراقيين –مثلا- إلى الدولة التركية من دولة تسير على خطى تصفير مشاكلها مع الآخرين إلى دولة تحاول خلق العداءات واللعب على الوتر الطائفي الذي يفترض أن يكون محرما في بلد قائم على نهج سياسي علماني.
 وبدأت علامات الاستفهام تحيط برئيس الوزراء رجب الطيب اوردغان الذي كان يبدو حتى الأمس القريب مسالما وطيبا وجديرا بالاحترام والاقتداء أيضا ليغدو مع مرور الوقت وتوالي المواقف السياسية المتذبذبة غريب الأطوار متعجرفا مندفعا لا يراعي ابسط قواعد السلوك الدبلوماسي مع جيرانه العراقيين فصار اوردغان يخاطب رئيس الحكومة نوري المالكي كما لو أنه متصرف في إحدى الولايات العثمانية البائدة لا الرجل الأول في دولة مستقلة بحكم منصبه السياسي. 
إن أوردغان بدأ منذ فترة ليس بالقليلة تستهويه مقولة تركيا الاردوغانية بدلا من تركيا الحديثة وهذا هو أخطر ما في الموضوع ذلك أن تركيا الحديثة يفترض أنها تعني الدولة المدنية التي تحترم مواطنيها وجيرانها وتسعى لإشاعة السلم والاستقرار العالميين بينما لا تعني تركيا الاردوغانية أكثر من عودة السلطان العثماني الذي كان شره مستطيرا على القريب والبعيد لاسيما العراق الذي كان يرزح طوال خمسة قرون تحت حكم استعماري تركي كريه. 
* مركز المستقبل للدراسات والبحوث



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=16731
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2012 / 04 / 30
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 08 / 24