• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : أين عليٌّ.. يوم الدّار ؟! .
                          • الكاتب : شعيب العاملي .

أين عليٌّ.. يوم الدّار ؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

أين عليٌّ.. يوم الدار ؟!

سؤالٌ يُكَرِّرُ نفسَه على مرِّ الأيام والعصور..

إذا كان بابُ فاطمة قد كُشِفَ: فأين البطلُ المِغوارُ عن ذلك ؟! أين مُجَندِلُ الأبطال، ومُبيد الكتائب، وصاحب ذي الفقار ؟!

أيُعقَلُ: أن يكون في الدار عليٌّ.. وتُضرَبُ فاطمة ؟!

لقد تعدَّدَت إجاباتُ هذا السؤال..
واليوم.. نطرحه بصيغةٍ أخرى.. تكون أدعى وأسهل في فهم الحقيقة..

فنقول: حَقَّ للسؤال أن يكون:

أين الله.. يوم الدار ؟!

بل:
أين الله كُلَّ يوم ؟!

ألم يُلازم الظُّلمُ بني آدم على هذه الأرض ؟! فأين كان الله تعالى عن ذلك؟! هل كان ذلك خفياً عليه ؟! نعوذ بالله..
أم كان عاجزاً عن الدَّفع والذَّب عن المظلومين ؟! إن هذا مُنكَرٌ من القول.

إذاً أين كان الله تعالى عندما سوَّلَت لقابيل نفسُه قتلَ أخيه فقتله ؟!
وأين كان الإلهُ العظيم القادرُ حينما كان قومُ نوحٍ يسخرون منه ؟! وقوم إبراهيم يقهرونه.. وقوم موسى يظلمونه ويستضعفون هارونه.. بل حين كان أنبياء الله يُقتَلُون سِرَّاً وجهاراً.. ليلاً ونهاراً !

قال تعالى:
﴿لَقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الَّذينَ قالُوا إِنَّ الله فَقيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَريقِ﴾ (آل عمران181).

إنَّ الله يسمع ويرى.. لقد رأى قتلَ أنبيائه وكَتَبَ ذلك.. وكان قادراً على الدَّفع عنهم.. فلماذا لم يَدفع عنهم ؟! كما لم يدفع عن نَبيِّه في بداية دعوته، مع ما وقع عليه من ظُلمٍ وقَهر واضطهاد..
أم أنَّ هذا كلَّه لم يحصل وقد عصفت به رياح التشكيك وأياديه ؟!

ما السرُّ في ذلك ؟!

لا ريبَ أنَّ الله تعالى قادرٌ على أن يدفع عن أوليائه، ولا يُعجِزُهُ الأرجاس أن يعاجلهم بالعقاب: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ﴾ (الأنفال59).

ولا شكَّ أنه تعالى عالمٌ بما يجري: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الله غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فيهِ الأَبْصارُ﴾ (إبراهيم42).

ولا ريبَ أنَّ في التأخير مَزيدُ عقوبةٍ للكفّار.. وحكمةٌ بالغةٌ لله تعالى:
﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلي‏ لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلي‏ لهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهينٌ * ما كانَ الله لِيَذَرَ المُؤْمِنينَ عَلى‏ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَميزَ الخَبيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (آل عمران178-179).

هو قانونُ السَّماء في امتحان الخلق إذاً، أراده الله تعالى أن يكون سَيّالاً في كلِّ زمانٍ حتى مع أقرب خلقه وأحبهم إليه.. فبذلك يمتازُ الخَبيثُ من الطيب..
وعلى هذا.. يَسوغُ في حكمةِ الحَكيم أن لا يتدخَّلَ للذَّبِّ عن أوليائه وأحبائه، ولا يدفع عنهم كلَّ سوءٍ وخطرٍ ولو كان قادراً، عندما تقتضي المصلحةُ ذلك..

ولا يلزم على الله تعالى أن يبيِّن لخلقه وجه الحكمة في فِعاله.. ﴿وَما كانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ وَلكِنَّ الله يَجْتَبي‏ مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاء﴾ (آل عمران179).
وقد قال تعالى: ﴿لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ (الأنبياء23).

نعم إنَّ لله تعالى حكمةٌ بالغةٌ في أن يدع أنبياءه وأولياءه يُقهرون عندما تنقلب الموازين عليهم، فقد ورد في الحديث الشريف أنَّ الله تعالى تَلَطُّفاً بعباده من أن يغالوا بأنبيائه ويتخذونهم آلهةً جعلهم في أحوالٍ شتى، متقلبة حالاتهم متغيِّرَةً ظروفهم، حيث:

كَانَ مِنْ تَقْدِيرِ الله عَزَّ وَجَلَّ وَلُطْفِهِ بِعِبَادِهِ وَحِكْمَتِهِ أَنْ جَعَلَ أَنْبِيَاءَهُ (ع) مَعَ هَذِهِ القُدْرَةِ وَالمُعْجِزَاتِ فِي حَالَةٍ غَالِبِينَ وَفِي أُخْرَى مَغْلُوبِينَ، وَفِي حَالٍ قَاهِرِينَ وَفِي أُخْرَى مَقْهُورِينَ، وَلَوْ جَعَلَهُمُ الله عَزَّ وَجَلَّ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ غَالِبِينَ وَقَاهِرِينَ وَلَمْ يَبْتَلِهِمْ وَلَمْ يَمْتَحِنْهُمْ لَاتَّخَذَهُمُ النَّاسُ آلِهَةً مِنْ دُونِ الله عَزَّ وَجَلَّ (كمال الدين ج2 ص508).

هكذا يفهمُ المؤمنُ أنَّ في صَبرِ الكُمَّل على البلاءات رِفعةٌ في درجاتهم، وتَواضُعاً لله تعالى وتسليماً لأمره، حين يقبلون ما أجرى الله عليهم من مصائب ومِحَن، وأن ليس في ذلك شيءٌ من النقص يردُ عليهم، بل مزيدُ رفعةٍ وكمالٍ وقربٍ من الله تعالى.

أين عليٌّ.. يوم الدار ؟!

بالعود إلى السؤال الأمّ..
نعَم.. كان عليٌّ في الدار.. وكان الله معه.. بقدرته وجبروته وعظمته ومجده!

الله تعالى يَقدِرُ أن يدفعَ عن الزَّهراء.. وعليٌّ يقدرُ بإقدار الله تعالى.. وبما أيَّدَهُ به من (قُوَّةٍ مَلَكُوتِيَّةٍ وَنَفْسٍ بِنُورِ رَبِّهَا مُضِيئَةٍ).. فقالعُ باب خيبر قادرٌ بهذه القدرة الربّانية أن يقلع أساس القوم وأركانهم..

ولكن يا تُرى:
هل يسبقُ عليٌّ رَبَّه إن لم يأمره بذلك ؟! هل يعصي إلهَ السماء والأرض إن لم يأذن له بالقيام لحكمةٍ يعلَمُها ؟!

ألم يكن الله تعالى قادراً أن يذُبَّ عن الحسين عليه السلام ؟! ألم يكن الحسينُ عليه السلام بقادرٍ أن يستفيد من هذه القوة الملكوتية فيخسف الأرض بالأرجاس الأنجاس ؟!

ألم يقدر ملائكة الرحمان على الذبِّ عن حُرَم الرسول في كربلاء ؟! والمنع من أن تُضرَبَ حرائرُ الرسالة ؟!
بلى لقد قدروا على ذلك، وامتنعوا.. فكشفَ امتناعهم أنَّ ذلك كان بأمر السماء، إنفاذاً لمشيئة الرحمان، بأن تجري الأمورُ بأسبابها.

ولقد كان له في رسول الله أسوةٌ حسنة، فهذا جابرٌ يروي فيقول: أَنَّ رَسُولَ الله مَرَّ بِعَمَّارٍ وَأَهْلِهِ يُعَذَّبُونَ فِي الله فَقَالَ: أَبْشِرُوا آلَ عَمَّارٍ فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الجَنَّة (إعلام الورى ص48).
وفي نصٍّ آخر: وَقَتَلَتْ قُرَيْشٌ أَبَوَيْهِ وَرَسُولُ الله (ص) يَقُولُ: صَبْراً آلَ يَاسِرٍ مَوْعِدُكُمُ الجَنَّة (رجال الكشي ص30).

لقد مارست قُريشُ أسوأ أنواع التعذيب لهم حتى قتلتهم، ورسولُ الله صلى الله عليه وآله يرى ذلك بأمِّ عينيه، ثم يأمرهم بالصَّبر!
لقد رأى الله تعالى ذلك، ورأى رسولُه ذلك، وقد عُذِّبوا أمامه (ص)، لكنَّه لم يُبادر إلى سيفٍ يحمله، لأنَّ المصلحة ما اقتضت ذلك، وما نزلَ الأمرُ به من السماء.

ثم كان هذا ديدنه صلى الله عليه وآله لمّا ثُنِيَت له الوسادة وكان مبسوط اليد، يأمُرُ فيُطاع.. وقد اجتمع المنافقون في ليلةٍ مظلمةٍ وعمدوا إلى رَمي ناقته (ص) في العقبة ليقتلوه، ثم تقدَّموا إلى الناقة ليدفعوها، وكان عمار وحذيفة يدفعان عن رسول الله صلى الله عليه وآله.

تساءل حذيفة عن عدم قطع رسول الله (ص) لرؤوس هؤلاء، فإنَّهم قد أقدموا على مؤامرة قتل الرَّجل الأول في عالم الوجود، وسفير الله في أرضه، ونبيّه وحجته على عباده، لكنه صلى الله عليه وآله قال:

إِنَّ الله أَمَرَنِي أَنْ أُعْرِضَ عَنْهُمْ !
وَأَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: إِنَّهُ دَعَا أُنَاساً مِنْ قَوْمِهِ وَأَصْحَابِهِ إِلَى دِينِهِ فَاسْتَجَابُوا لَهُ، فَقَاتَلَ بِهِمْ حَتَّى ظَهَرَ عَلَى عَدُوِّهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلَهُمْ !
وَلَكِنْ دَعْهُمْ يَا حُذَيْفَةُ فَإِنَّ الله لَهُمْ بِالمِرْصَادِ، وَسَيُمْهِلُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ يَضْطَرُّهُمْ إِلى‏ عَذابٍ غَلِيظٍ (إرشاد القلوب ج‏2 ص332).

وهؤلاء أنفسهم هم أصحابُ الصحيفة المشؤومة، مَن اتفقوا على أن يظلموا محمداً صلى الله عليه وآله في ذريته، وقال فيهم صلى الله عليه وآله:
وَلَوْ لَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَمَرَنِي بِالإِعْرَاضِ عَنْهُمْ لِلْأَمْرِ الَّذِي هُوَ بَالِغُهُ لَقَدَّمْتُهُمْ فَضَرَبْتُ أَعْنَاقَهُمْ (إرشاد القلوب ج‏2 ص336).

فصارَ كَفُّ النبي (ص) عن أهل النفاق والشِّقاق مع قدرته عليهم، امتثالاً لأمر الله تعالى، لأنَّه عزَّ وجلَّ أراد تأخير العقوبة، ليتم ابتلاء الخلق وامتحانهم، وهكذا كان كَفُّ أمير المؤمنين عليه السلام عنهم بأنفسهم وأعيانهم بعد شهادة النبي (ص) امتثالاً لأمر الله تعالى.
وإنَّما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار، ليجزيهم عذاب الهون باستكبارهم وطغيانهم وَتَجَبُّرهم..

وهكذا جَرَت في عليٍّ عليه السلام سنةُّ الله في محمدٍ صلى الله عليه وآله، وفي خمسةٍ ممن تقدَّم عليه من الأنبياء عليهم السلام، فقال عليه السلام:
إِنَّ لِي فِي خَمْسَةٍ مِنَ النَّبِيِّينَ أُسْوَةً:

1. نُوحٍ: إِذْ قَالَ ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾
2. وَإِبْرَاهِيمَ: إِذْ قَالَ ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله﴾
3. وَلُوطٍ: إِذْ قَالَ ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى‏ رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾
4. وَمُوسَى: إِذْ قَالَ ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لمَّا خِفْتُكُمْ﴾
5. وَهَارُونَ: إِذْ قَالَ ﴿إِنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي‏﴾ (إثبات الوصية ص146).

إذاً لعليٍّ عليه السلام أسوةٌ بمَن تقدَّمَ من أنبياء الله، وهو المعصومُ المطهَّر.. وحالُ عَليٍّ مع الناس حال العالم مع الجُهَّال.. لا يفقهون السرَّ في عظيم فِعاله، فيلومونه على كلامه وعلى صَمته ! وعلى قيامه وقعوده ! وهو إمامٌ قام أو قعد.. وقد اشتكى عليه السلام من هذا الجهل يوماً فقال في نهجه:

فَإِنْ (أَقُلْ)، يَقُولُوا: حَرَصَ عَلَى المُلْكِ !
وَإِنْ (أَسْكُتْ) يَقُولُوا: جَزِعَ مِنَ المَوْتِ !
هَيْهَاتَ بَعْدَ اللَّتَيَّا وَالَّتِي، وَالله لَابْنُ أَبِي طَالِبٍ آنَسُ بِالمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّهِ، بَلِ انْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوْ بُحْتُ بِهِ لَاضْطَرَبْتُمْ اضْطِرَابَ الأَرْشِيَةِ فِي الطَّوِيِّ البَعِيدَة.

لقد باحَ عليه السلام ببعضِ ذلك العلم، فأبانَ شيئاً مما دعاه للكفّ عن القوم، والمؤمنُ يبحثُ في ذلك.. فإن فَهِمَهُ كان من (أهل الفَهمِ والتَّسليم)، وإن عجز عن فهمه كان من (أهل التسليم)، لثبوت عصمة الإمام وحكمته، وامتثاله لأمر الله تعالى في كلِّ صغيرة وكبيرة.

هكذا صارَ الشيعةُ من أهل الفَهمِ والتعقُّل أولاً، والتسليم والانقياد ثانياً، فزادهم الله فَهماً وإدراكاً لِحَرَكات وسَكَنات أئمتهم، وتسليماً لأمرهم.. فأعرضوا عن الجاهلين، وعلموا أنَّهم يرومون الانتقاص من عليٍّ وفاطمة عليهما السلام، وتحميل المجنيِّ عليه جريمة الجاني !

علموا أنَّ المخالف إن كان يسأل ليعلم ففي قليل الحقِّ الكفاية، وإن كان يسأل ليطعن فهو أولى بالإعراض ﴿قُلِ الله ثُمَّ ذَرْهُمْ في‏ خَوْضِهِمْ يَلْعَبُون‏﴾.

والحمد لله رب العالمين

الأربعاء 22 جمادى الثانية 1443 هـ
26 – 1 – 2022 م




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=164227
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2022 / 01 / 26
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 07 / 2