• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : هَل طَالَ شَعْرُ الأنبياء ؟! .
                          • الكاتب : شعيب العاملي .

هَل طَالَ شَعْرُ الأنبياء ؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

للشَّعرِ عند المرأةِ مكانةٌ خاصّة، وقد اهتمَّت به النِّساء منذ قديم الأيام، ولا زالت توليه عِنايَتها، فَهوَ مَظهَرٌ مِن مظاهِرِ الجمال الذي أتحَفَها الله تعالى به.

وقد اهتمَّت الأديان بما يَهمُّ الإنسان، وأرشدَت وبيَّنت حتى في مثل هذه المسائل.

ففي الكتاب المقدَّس: وَأَمَّا الْمَرْأَةُ إِنْ كَانَتْ تُرْخِي شَعْرَهَا فَهُوَ مَجْدٌ لَهَا (1كورنثوس١1: ١5).

وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله: 
إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَتَزَوَّجَ، فَلْيَسْأَلْ عَنْ شَعْرِهَا كَمَا يَسْأَلُ عَنْ وَجْهِهَا، فَإِنَّ الشَّعْرَ أَحَدُ الْجَمَالَيْن‏ (الفقيه ج3 ص388).

ولمّا كان الجَمالُ أمراً ذَوقياً تختلف الأنظار فيه، تعدَّدَت وتنوَّعَت ألوانه وأحجامه عندَ النِّساء، وكان الأمرُ فيه على وفاقٍ مع الفطرة القويمة غالباً.

لكن..
للرِّجال مع الشَّعرِ حكايةٌ..

فَقَد تداخَلَ الذَّوقُ بالحَكايا والأساطير.. وأعطِيَ حَجمُ الشَّعرِ بُعداً دينياً عندَ كثيرٍ منهم.. 

ففضلاً عن اختلاف معتقدات الأمم السالفة، نرى أن التوراة قد ذَكَرَ شَعرَ الرِّجال وبَيَّن أحكامه للكَهَنَة وغيرهم.. لكنَّه أعطى بُعداً أسطورياً للشَّعر في قصة (شمشمون)، صاحب القُدُرات الجبّارة، حيث جَعَلَ سبب قوَّتَه العظيمة (ضَفائِرُ شَعره) ! حتى قال شمشون عن رأسه (فَإِنْ حُلِقْتُ تُفَارِقُنِي قُوَّتِي وَأَضْعُفُ وَأَصِيرُ كَأَحَدِ النَّاسِ) ! ولمّا خَدَعَتهُ امرأةٌ أحبَّها (وَحَلَقَتْ سَبْعَ خُصَلِ رَأْسِهِ.. فَارَقَتْهُ قُوَّتُهُ) ! (القضاة 16: 17و19).

ولا يزال المُتَدَيِّنون اليهودُ (الحريديم) يطيلون شعورَهم إلى يومنا هذا، بل يجدلونها ضفائر ! 

أمّا المسيح، فمُعظَمُ ما نُشِرَ من صُوَرٍ تشبيهيةٍ له كان شَعرُه فيها طويلاً، كغيره من أنبياء الله تعالى، الذين نُشِرَت صُوَرُهُم كذلك، حتى صارَت الصورة المُتَخَيَّلَةُ عن الأنبياء أنهم أصحابُ شعورِ طويلة.. رغم تشكيك بعض المؤرخين بطول شعر عيسى عليه السلام.

ورغم ما في الإنجيل من ذَمٍّ لإطالة الشعر عند الرِّجال كما هو الحال عند النِّساء: أَمْ لَيْسَتِ الطَّبِيعَةُ نَفْسُهَا تُعَلِّمُكُمْ أَنَّ الرَّجُلَ إِنْ كَانَ يُرْخِي شَعْرَهُ فَهُوَ عَيْبٌ لَهُ؟ (1كورنثوس11: 14).

ما لَبِثَت كُتُبُ المسلمين أن وَصَفَت النبيَّ محمدٍ صلى الله عليه وآله أيضاً بطول الشَّعر، ففي صحيح البخاري عن أنس بن مالك: كانَ يَضْرِبُ شَعَرُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَنْكِبَيْهِ ! (الرقم 5904).

وفي صحيح مسلم: شَعْرُهُ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ (الرقم 2337).

أي أنَّه كان يصل إلى كتفيه، ثم زعموا أن هذا (كان غالب أحواله) (فتح الباري ج10 ص304).

بل زعموا أنَّهُ صلى الله عليه وآله كان يُطيلُ شعرَهُ ويجعل له أربعَ ضفائر ! كما في مجمع الزوائد للهيثمي 8/284.
وروى أبو داود فقال: قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّةَ وَلَهُ أَرْبَعُ غَدَائِرَ (4191).

فتَشابَهَ وَصفُ شمشون في التوراة مع وصف كتب السُنَّة للنبيّ (ص) في اتّخاذ الضفائر وفَتلِ الشَّعر بعد إطالته !

لكن..

أينَ الحقُّ في ذلك ؟!

هل كان أنبياء الله تعالى يُطيلون شُعورَهم ؟!
وهل أطال روحُ الله عيسى شعرَه ؟
وهل كان نبيُّنا محمد صلى الله عليه وآله ممن يطيله ويجعله غدائر ؟! كما هي عادة النِّساء في التَجَمُّل ؟! 

أولاً: الكَذِبُ على الأنبياء !

روينا في الصحيح عن الإمام الهُمَام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام أنَّ (مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ): (أَخْذُ الشَّعْرِ) (الكافي ج5 ص320)، أو (إِحْفَاءُ الشَّعْرِ) (الفقيه ج3 ص383).

و(أخذَ الشَّعرِ) هو تقصيرُه، أمّا إحفاؤه فهو المبالغة في تقصيره.

فكيف تكون سُنَنُ المُرسَلين تقصير الشَّعر، ثم تكون شُعورُهم طويلة غالب أحوالهم ؟! 
هل هذا إلا كَذِبٌ على الأنبياء ؟! 

إنَّ مِنَ النّاس مَن يكذبُ على النّاس، ومِنهم مَن يكذبُ على نَبيٍّ من الأنبياء، وأشدُّهم سوءاً من يكذب على عموم الأنبياء ! 

وقد قال الصادق عليه السلام في الصحيح عنه: وَلَا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ (ع) تُمْسِكُ الشَّعْرَ ! (الكافي ج6 ص486).

ما كان الأنبياء يطيلون شعورَهم، فيخالفون سُنَّة الله تعالى، ثم تكون هذه عادتهم !
حاشا لهم ذلك وهم أقربُ الناس له عز وجل وأكثرهم امتثالاً لأمره.

ثانياً: رجحان تقصير الشعر !

لقد دَلَّت النصوص على رجحان تقصير الشّعر، وذكرت لذلك فوائد عدّة، فضلاً عن كونه سنّةً دينية، ففيه اعتناءٌ بالجمال، والله جميلٌ يُحبُّ الجمال والتجمُّل، وقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) لِرَجُلٍ: احْلِقْ، فَإِنَّهُ يَزِيدُ فِي جَمَالِك‏ (الفقيه ج1 ص124).

وعن الكاظم عليه السلام: إِنَّ الشَّعْرَ عَلَى الرَّأْسِ إِذَا طَالَ ضَعُفَ الْبَصَرُ وَذَهَبَ بِضَوْءِ نُورِهِ، وَطَمُّ الشَّعْرِ (تقصيره أو جزّه) يُجَلِّي الْبَصَرَ وَيَزِيدُ فِي نُورِهِ (السرائر ج3 575).

وعن الصادق عليه السلام: اسْتَأْصِلْ شَعْرَكَ يَقِلُّ دَرَنُهُ وَدَوَابُّهُ وَوَسَخُهُ، وَتَغْلُظُ رَقَبَتُكَ، وَيَجْلُو بَصَرَكَ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: وَيَسْتَرِيحُ بَدَنُكَ (الكافي ج6 ص484).
وقد ورد أن من عَرَفَ جَزَّ الشعر لم يتركه، حتى روي عن الصادق عليه السلام: إِنِّي لَأَحْلِقُ كُلَّ جُمُعَةٍ.

نعم لا يُستَحَبُّ للشباب إزالة شعر الرأس بأكمله، كما روي عنهم عليهم السلام (السرائر ج2 ص648).

فليس صحيحاً أنَّ إطالة الشعر حتى يصل إلى المنكبين هو من سنة الأنبياء، ولا من سيرة الائمة عليهم السلام، ولا أمراً راجحاً في نفسه، فضلاً عن حرمته فيما لو كان من باب التَشَبُّه بالنِّساء، أو كان فيه هَتكٌ للمؤمن، فليس للمؤمن أن يهتك حرمة نفسه ويعرِّضها لذلك.

ثالثاً: لماذا الكذب على المعصومين ؟

يظهر أن العَرَبَ كانوا يعيبون حلقَ الرأس قبل زمان النبي صلى الله عليه وآله، وكانوا يعدُّون ذلك عاراً، وكان (جَزُّ الرأس) عندهم أسهل من (جزّ الشعر) ! (المجلسي الأول في روضة المتقين ج1 ص320).

وقد وجدوا صعوبةً في حلق الرأس في الحج عندما أوجبه الله تعالى ! فكيف في سائر حالاتهم وأيامهم !
ولعلَّ الوجه في ذلك هو مخالفة سُنَن الأنبياء لِمَا عَهِدوه وتربّوا عليه، فلَم يقبلوها بصَدرٍ رَحِبٍ، وأكثرهم بين منافقٍ وبين حديث العهد بالإسلام، لم يستقرّ في قلبه، سريع الإرتداد عنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله.

ولمّا كان الشيعةُ يرجعون إلى أئمتهم عليهم السلام ويصدرون عن أمرهم، ولا يرون حَرَجاً في اتّباعهم، إذ يعلمون أنّ أمرهم أمر الله ورسوله، ولما كان الأئمة قد التزموا بهذه السنة، سارَ الشيعة على طريقهم، وتابعوهم في مسيرتهم عليهم السلام.

وقد كان المخالفون يرون في حَلقِ الرَّاس (مُثلَةً) وكأنَّهُ عقابٌ مع كونه راجحاً، فقد قيل للصادق عليه السلام: إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ إِنَّ حَلْقَ الرَّأْسِ مُثْلَةٌ !
لكن الإمام عليه السلام قال: 

عُمْرَةٌ لَنَا، وَمُثْلَةٌ لِأَعْدَائِنَا (الكافي ج6 ص484)

أو (عزّة لنا).
والعمرة يراد منها العبادة أو الزينة..
وقد ورد عنه عليه السلام أيضاً: حَلْقُ الرَّأْسِ فِي غَيْرِ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ مُثْلَةٌ لِأَعْدَائِكُمْ وَجَمَالٌ لَكُمْ (الفقيه ج1 ص124).

فإن المخالفين لما كانوا قد تمسَّكوا بكثيرٍ من عادات الجاهلية، ولمّا يدخل الإيمان في قلوبهم أو يستقر، لا زالوا كما في أيام الجاهلية، يرون في الحلق نقمةً وتنكيلاً وعذاباً، بينما يراه المؤمن عزّةً لكونه جمالاً في نفسه، راجحاً في شريعة ربِّه. 

ثمَّ إن هذه الأمة قد ركبت سنن من كان قبلها من الأمم، وحذوا حذوهم فكذبوا على نبيِّهم كما فَعَلَ الأوَّلون، بل أولعت هذه الأمَّةُ بالكذب على نبيِّها وأوصيائه الأطهار عليهم السلام، وحرَّفوا الكلم عن مواضعه كما فعل اليهود وغيرهم.. 

بل ورد في الحديث عليه السلام: إِنَّ عَلِيّاً (ع) لَمْ يَكُنْ يَدِينُ اللَّهَ بِدِينٍ إِلَّا خَالَفَ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ إِلَى غَيْرِهِ ! إِرَادَةً لِإِبْطَالِ أَمْرِهِ ! (علل الشرائع ج‏2 ص531).

فكيف تُفلحُ أمَّةٌ ما سَلِمَ منها نبيُّها وأوصياؤه من الكذب حتى في مثل حكم إطالة الشعر ؟! 

إنَّ الشريعة تركت للإنسان حرية اختيار ما يُناسبُ ذوقَه من سُبُل التجمُّل، ومِن ذلك الشَّعر، فلم توجب عليه إطالته، ولا تقصيره أو حلقه، إلا في موارد خاصة كأوقات الحج، لِحِكَمٍ لا تخفى.

ثم أرشَدَته إلى ما فيه صلاحه ورجحانه.. لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا خَيْرَ فِيهِم‏ ! 

بهذا يَظهَر أن ما يُقدمُ عليه جمعٌ من شبابنا اليوم من إطالة الشعر كثيراً، خصوصاً ما يصل إلى المنكبين أو يزيد، ليس من سُنَن الأنبياء في شيء.. فضلاً عن حرمة ما يكون تشبُّهاً بالنساء أو سبباً لهتك صاحبه..

والحمد لله رب العالمين
 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=162613
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 12 / 05
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 05 / 24