• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : العبث السياسي عند الأنظمة المعاصرة .
                          • الكاتب : حسن الحضري .

العبث السياسي عند الأنظمة المعاصرة

    لا يخفى على أحد دور الأنظمة السياسية في حياة مجتمعاتها على المستويين الداخلي والخارجي، ولا سيما في الدول التي تسيطر السياسة فيها على كل شيء، وتقْلب الأمور رأسًا على عقب دون خوف من اعتراض معترض، وقد وصف الله تعالى رأس أحد تلك الأنظمة المستبدة -وهو فرعون- فقال في محكم التنزيل: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) [الزخرف: 54]، وانطلاقًا من خطورة الإمارة بصفة عامة؛ أمر النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- باختيار الأصلح للأمر، محذرًا من تدخُّل الأهواء والمحاباة، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «من وَلِيَ مِن أمر المسلمين شيئًا، فأمَّر عليهم أحدًا محاباة؛ فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صِرفًا ولا عدلًا، حتى يدخله جهنم»( ).
   وفي حديث آخر يبين النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- حدود طاعة الأمير؛ منعًا لاستغلال السلطة في الاستبداد والتَّجبُّر، فقد رُوِيَ أنه بعث النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- سريَّة، وأمَّر عليهم رجلًا من الأنصار، وأمرهم أن يطيعوه، فغضب عليهم، وقال: أليس قد أمر النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- أن تطيعوني؟ قالوا: بلى؛ قال: قد عزمت عليكم لما جمعتم حطبًا، وأوقدتم نارًا، ثم دخلتم فيها؛ فجمعوا حطبًا، فأوقدوا نارًا، فلما همُّوا بالدخول؛ فقام ينظر بعضهم إلى بعض، قال بعضهم: إنما تَبِعنا النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- فرارًا من النار، أفندخلها؟! فبينما هم كذلك، إذْ خمدت النار، وسكن غضبه، فذُكِر للنبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها أبدًا، إنما الطاعة في المعروف»( )، فالطاعة العمياء تصنع الحاكم الطاغية الذي يصعب التخلص منه بعد تمكينه.  
   وقد حذَّر النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- من وقوع ذلك الاستبداد وابتلاء الناس به، فقال: «ستكون أثَرَةٌ وأمورٌ تنكرونها» قالوا: يا رسول الله؛ فما تأمرنا؟ قال: «تؤدُّون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم»( )، وإنما كان ذلك التحذير منه -صلَّى الله عليه وسلَّم- لأصحابه رضي الله عنهم، وقد أدركوا تلك الأثرة، وتعاملوا معها بنُصح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، أما بعدهم فقد ازدادت الأمور سوءًا، وقال -صلَّى الله عليه وسلَّم- داعيًا أن يكون جزاء أولئك الحكام من جنس عملهم: «اللهمَّ من وَلِيَ من أمر أمتي شيئًا فشَقَّ عليهم؛ فاشقق عليه، ومن وَلِيَ من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم؛ فارفق به»( )، وأما الأنظمة الضعيفة التي يتنصَّل قادتها من جرائمهم، مُلْقين باللائمة على معاونيهم؛ فهذا ليس بِعذرٍ لهم؛ بل هو دليل على ضعفهم، وقد حذَّر النبي –صلَّى الله عليه وسلَّم- من ولاية الضعفاء وإن كانوا صالحين أتقياء؛ حيث قال -عليه السلام- لأبي ذر [ت: 32هـ]( ) رضي الله عنه: «يا أبا ذر؛ إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها»( ).
   وقد سجَّل تاريخنا العربي نماذج من الطغيان السياسي في العصور السابقة، لكنه لم يكن بهذا الشكل الذي نراه الآن في بعض بلداننا العربية، والذي يمكن وصفه بالسَّفه، والفارق بين الطغيان وبين السَّفه أن الأول يرتبط غالبًا بخصومة فكرية أو عسكرية، وينتهي عند ردع الخصم، أما السَّفه فهو الإسراف في العداوة واستخدام القوة الغاشمة دون أي سبب يدعو إلى ذلك، وإذا كان الطغاة في العصور السابقة يدافعون عن عقيدة يعتقدونها وإن كانت باطلة، أو رأيٍ يرونه وإن كان غير صحيح؛ فإن طغاة هذا العصر أسوأ حالًا وأعظم جُرمًا؛ وحين توضع السلطة في يد مَن لا دين له ولا علم؛ فلا شيء يُنتظَر سوى المزيد من العبث الممزوج بالطغيان السياسي، الذي يجعل هدفه الأوحد الحفاظ على السلطة أيًّا كانت التضحيات، فلا يتحرَّج أنصار تلك الأنظمة الغاشمة من اتخاذ جميع الوسائل المتاحة في سبيل الحفاظ على استقرارها واستمرار سيطرتها على السلطة.  
   إن الطريقة التي تتعامل بها تلك الأنظمة مع شعوبها، لم يتعامل بها المشركون مع أنبيائهم؛ فقد كان هدف أولئك المشركين نصرة عقيدتهم التي يعلمون ببطلانها، وفي سبيل ذلك سلكوا سُبلًا عديدة؛ منها المناظرة والمحاججة، قال تعالى عن قوم إبراهيم عليه السلام: (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ) [الأنعام: 80]، ونحو ذلك نماذج كثيرة رواها لنا القرآن الكريم، أما الأنظمة السياسية المعاصرة في كثير من الدول النامية فلا تسمع سوى صدى صوتها، فهي تمشي مُكِبَّة على وجهها، لا تعلم لنفسها غاية ولا هدفًا.      
   ولا شك أن ذلك ضربٌ من الجنون يقود تلك الأنظمة إلى حتفٍ ذريعٍ، ويعود عليها بعكس ما تسعى إليه، فهي لا تعترف إلا بما يحقق أطماعها ويضمن بقاءها، ولذلك تلجأ إلى تسخير مقدَّرات بلادها لصالح بطانتها وأتباعها، الذين لا يحسنون سوى الطاعة العمياء لقادةٍ لا ينطبق عليهم شيء من معايير القيادة، فهي منظومة لا تعرف إلا مصالحها الخاصة، التي في سبيلها يهدرون كل قيمة، ويتطاولون على كل قامة، ويطيحون بأناس لا يمكن أن تنهض مجتمعاتهم أو تستقر بدون أمثالهم، فمن مظاهر العبث والطغيان أن يسمح النظام الحاكم لمجموعة من الجاهلين، بالتوجُّه إلى عالمٍ أو مفكِّرٍ من أجل اغتياله أو اعتقاله بسبب كلمة حقٍّ قالها أو معروفٍ أمر به أو منكرٍ أنكره، وكأنَّ القائمين على ذلك النظام لا يدركون في قرارة أنفسهم أنهم عالة على مجتمعاتهم، يعيشون بفضل نجاح أولئك العلماء والمفكرين الذين يتسلطون عليهم بالقتل والحبس بغير ذنب. 
   وتكمن الخطورة في أن تلك الأنظمة العابثة ليس لديها فكر يمكن مواجهته؛ فهي كالبهيم الأعمى الذي يتخبط على غير هُدى، ولا يبالي بمن اعترض طريقه؛ لأنه لا يراه ولا يشعر منه بشيء سوى أنه عدوٌّ له، والسلطة عند تلك الأنظمة كاللعبة كان يسمع بها طفل معدم، فلما أصبح يمتلكها؛ أساء استغلالها، حتى أصبحت وبالًا عليه وعلى من حوله، وبذلك تتحول تلك الأنظمة إلى «عصابات منظَّمة» يتم توجيهها بأيدٍ خارجية نحو تخريب مجتمعاتها، حيث أصبح من السهل غزوها ثقافيًّا من أجل تنفيذ ما يريده الخارج، الذي يسعى إلى شغل تلك الأنظمة بتجاوزاتها في حق شعوبها، وصرفها عن أية خطوة نهضوية أو إصلاحية.
    وتحاول تلك الأنظمة إضفاء صفة الشرعية على تواجدها السياسي، فتلجأ إلى عقد انتخابات صورية، تقوم من خلالها بالتزوير، بجانب استقطاب أصحاب المصالح، والمستضعفين ممن لا سنَد لهم في مواجهتهم؛ وفضلًا عن استخفافهم الواضح بمجتمعاتهم في ذلك؛ فإنه يقف حجة عليهم في رفضهم الرأي الآخر، الذي لا يبالون به مهما بلغت كثرة أنصاره؛ حيث يبادرونهم بأنواع التنكيل والعذاب.      
    ومعالجة هذه القضية لا يمكن أن تتم بالاكتفاء بإزالة نظام حاكم والمجيء بغيره؛ بل بالقضاء على أسباب ذلك الجنون السياسي، وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلا بالتعاون الجاد بين أبناء المجتمع الواحد، والانسلاخ من ثوب الضَّعف والاستكانة، الذي اعتادت أن ترتديه تلك المجتمعات أمام أنظمتها الحاكمة، ومواجهة تلك الأنظمة بالحقيقة التي يحاولون التنصل منها؛ وهي أنهم ليسوا سوى مجموعة أفراد تعمل على تنظيم المجتمع الذي تحكمه، مقابل الأجر الذي تتقاضاه، ويحق للمجتمع عزلهم إذا أخلُّوا بواجبهم أو قصَّروا في عملهم أو انحرفوا عنه؛ هذه هي القاعدة التي صرَّح بها أول الخلفاء الراشدين، قال أبو بكر الصِّدِّيق [ت: 13هـ]( ) -رضي الله عنه- يوم وَلِيَ الخلافة: «إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوِّموني»( )، لكن هذه القاعدة وغيرها من القواعد الشرعية التي أسست النظام السياسي الصحيح القوي الناجح؛ تم إهدارها وسط ظلمات الأنظمة المعاصرة. 

..............
(1 )أخرجه أحمد في مسنده (ص 202/ 21)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد، وآخرين، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، طبعة: مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1421هـ- 2001م.
 (2 )متفق عليه، واللفظ للبخاري في صحيحه (9/ 63/ 7145)، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، طبعة: دار طوق النجاة، الطبعة الأولى 1422هـ.
(3 )أخرجه البخاري في صحيحه (4/ 199/ 3603). 
 (4 )أخرجه مسلم في صحيحه (3/ 1458/ 1828)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، طبعة: دار إحياء التراث العربي- بيروت.
 (5)«الأعلام» للزركلي (2/ 140)، طبعة: دار العلم للملايين، الطبعة الخامسة عشرة 2002م.
 ( 6)أخرجه مسلم في صحيحه (3/ 1457/ 1825). 
(7 )«الأعلام» للزركلي (4/ 102).
 ( 8)«السيرة النبوية» لابن هشام (2/ 661)، تحقيق: مصطفى السقا- إبراهيم الأبياري- عبد الحفيظ الشلبي، طبعة: مكتبة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة الثانية 1375هـ- 1955م.
 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=159843
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 08 / 31
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 01 / 20