• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : فلسفة الرجعة دراسة في فلسفة نهاية التاريخ .
                          • الكاتب : ا . د . وليد سعيد البياتي .

فلسفة الرجعة دراسة في فلسفة نهاية التاريخ

توطئة تاريخية:
شكلت نهاية التاريخ على الدوام جزءً أصيلا من ذهنية الانسان، وقد قدمت الدراسات المستقبلية تصورات متباينة عن شكل التاريخ المستقبلي للانسان وفي كل مرة يتم تعديل هذه التصورات اعتمادا على نتائج حركة التاريخ. 
غير ان التاريخ الاسلامي قد أسس لموقف واضح من المستقبل، وهو يقول بصيرورة الامة الاسلامية وتفاعلها المستمر مع عناصر الحياة، فالامام الحجة (عجل الله فرجه) شخصية حقيقة فاعلة وهي موجودة في حركة التاريخ، وطول عمره الشريف يعني انه قد القى نظرة واسعة على متغيرات حركة التاريخ مما يعني انه ضمن حركة التاريخ وليس خارجها بل انه احد اهم عناصر الاستمرار.
من هنا فان حياة الامام ووفاته لا تعني انفصالا عن الواقع التاريخي للانسان بل تعني ان التاريخ البشري يخضع لعوامل السنن في الاستمرار والتغير، وهذا امر مهم في فهم عصر الظهور وتطور مراحله حتى تأسيس دولة العدل لتنتهي بعد ذلك حياة الامام الحجة بوفاته كما تذكر الروايات التاريخية.
في هذا البحث الموجز نحاول الاجابة على تساؤلات وردتني من احدى الاخوات والتي تقول في رسالتها: "ماذا بعد الامام المهدي (ع) ؟ هل تنتهي الحياة ؟ هل يبدا عالم الرجعة مباشرة ؟ "               
 فلاشك ان المرويات التاريخية والاحاديث النبوية واحاديث واخبار الائمة المعصومين كل ذلك يؤسس لمعرفة تاريخية يمكن الركون الى الموثوق منها.
 
قضية زواج الامام الحجة (عجل الله فرجه):
قبل ان نسترسل في بحثنا ثمة تساؤل يظهر هنا. هل الامام الحجة (عج) متزوج وله ذرية؟ في الاجابة يجب ملاحظة ان الائمة عليهم السلام يحذون في حياتهم وسننهم سنة جدهم الرسول الخاتم (ص) وسنة أبيهم الامام علي (ع)، فالزواج والذرية من السنن الالهية التي حضت عليها الشريعة السماوية، ولذا يمكن الجزم بزواجه (عليه السلام)  وبوجود ذريه له وخاصة انه عاصر مراحل تاريخية كثيرة (1)، وقد اشارت الروايات والادعية الى ذلك. غير ان بعض الروايات التي تذكر أولاد الامام المهدي واحفاده تفتقر الى المصداقية على الرغم من انها وجدت في مصادر روائية معتمدة، مثل رواية الجزيرة الخضراء التي يرويها الفاضل المازندراني والتي يقول فيها انه سافر الى جزيرة لها مواصفات خاصة ووفق الاشارات الجغرافيه فانها يمكن ان تكون في مثلث برمودا (2) والتي يفترض ان حكامها هم احفاد الامام الحجة (عج)، أو الاخبار عن جزيرة عناطيس والتي يمكن ان تكون في البحر الابيض المتوسط وهي تشبه القصة الاولى وفيها الكثير من المغالطات ايضاً.
غير ان العقل المنطقي يقبل بحقيقة زواج الامام المهدي (عج)، كما  انه لن يكون هناك ضرورة ملحة في ان تعرف (زوجاته حيث انه عاش مرحلة تاريخية تزيد على الف عام)  أو أولاده حقيقته. 
ومن هنا يجب الحذر ممن يأتي ويقول انه مرسل من الامام او انه من احفاده كما حدث في الاونة الاخيرة في العراق وبعض الدول الاسلامية.
 
موت الامام المهدي (عج):
في علم العقائد، فان الاعتقادات الاساسية في الاسلام هي قضايا حتمية، فالايمان بالحياة لايتحقق إلا لانها حق، وحقيقتها الاقرب الينا هي أننا نعيشها، والايمان بالموت فلانه حق وأمر واقع، مما يؤكد حتميته، وقد تختلف العلل والاسباب في الظروف المؤدية الى الموت ولكن اي منها لا يمكن ان ينفي حقيقته وحتمية وقوعه، فالحياة منزل للتحول لا للبقاء، وطول العمر لايعني الخلود في مفهوم الحياة والموت، ولذا قال الحق سبحانه"
 " كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ". (3)
وقوله: " كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ". (4)
وايضا: " كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون ". (5)
في موقفي الفلسفي والعرفاني فان الفناء يمثل الجانب الاخر للحياة لاعتبار ان الموت انما هو شكل من طبيعة الحياة ذاتها. لانه لايمثل فناءً مطلقاً، بل لكونه انتقال عبر أحدى بوابات الحياة من عالم الوجود الى عالم الملكوت.
ومن هنا فان موت الامام المهدي عجل الله فرجه قضية حتمية بما انه لا خلود في الحياة وان كل شيئ هالك الا وجهه كما في قوله: " ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون ". (6)
 
الرجعة:
تمثل الرجعة قضية إعتقادية عند الشيعة الامامية الاثني عشرية، وهي لا تختلف في فهمهم عن معناها اللغوي وفي القرا، الكريم أدلة عديدة على وقوعها في ازمنة مختلفة من حركة التاريخ مما يؤكد حتميتها:
" ألم تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِم وَهُم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوتِ فَقَالَ لَهُم اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أحيَاهُم إنَّ اللهَ لذُو فَضلٍ على النَّاسِ وَلَكِنَّ أكثَرَ النَّاسِ لايَشكُرُونَ ". (7) 
وقد سأل حمران الامام الصادق (عليه السلام) عن هذه الاية قائلا : أحياهم حتى نظر الناس إليهم ، ثم أماتهم من يومهم ؟ ، أو ردَّهم إلى الدنيا حتى سكنوا الدّور ، وأكلوا الطعام ، ونكحوا النساء ؟ فقال( عليه السلام ) :  بل ردَّهم الله حتى سكنوا الدُّور ، وأكلوا الطعام ، ونكحوا النساء ، ولبثوا بذلك ما شاء الله ، ثم ماتوا بآجالهم. (8)
 أما عقيد الشيعة بالرجعة فانها تتبع النصوص القرآنية والاحاديث المعتمدة، ولكونها التفسير الاكثر إمكانا لقضية ما بعد الامام المهدي (عجل الله فرجه)، يلاحظ ان قسم من ظواهر الرجعة تحدث في عصر الامام المهدي (عج) مثل رجعة أهل الكهف، ورجعة بعض الصحابة المنتخبين وخواص الامام الذين اختارهم الله ليكونوا من اعوانه والكثير منهم متوفين في الاصل.
والرجعة حالة خاصة وليست عامة، فعندما تصل البشرية الى ان الذي يقودها أمام معصوم في المرحلة الاخيرة من حركة التاريخ فانها لا يمكن ان تعود الى النكوص مرة ثانية، فهذا العصر لا يشبه أي عصر آخر لاعتبار ان الانسانية تسير نحوة يوم الدينونة، ومن هنا فكل الذين يحكومن هم ممن اختارهم الله واجتباهم وطهرهم، وقد يرجع ايضا عدد من الكفار ، ففي مرويات اهل البيت عليهم السلام:
" إنما يرجع إلى الدنيا عند قيام القائم عليه السلام من محض الايمان محضا، أو محض الكفر محضا ، فأما ما سوى هذين فلا رجوع لهم إلى يوم المآب " (9)
أما فيما يخص أول من يرجع، فقسم كبير من الروايات تؤكد على ان الامام الحسين (عليه السلام) هو أول من يرجع بعد وفاة الامام الحجة (عجل الله فرجه) وانه هو الذي يلي تغسيله وتكفينه والصلاة عليه كما يرويها المعلى بن خنيس. (10) وايضا تذكر رجعة الرسول الخاتم (صلوات الله عليه وآله) ورجعة الامام علي (ع) وعدد من الانبياء تأكيدا لمسيرة الرسالة السماوية.
 
فلسفة الرجعة:
ان كل النصنص القرآنية التي تحدثت عن الرسالات السماوية من آدم عليه السلام وحتى الرسول الخاتم (ص) تشير الى رفض الشعوب والامم للانبياء والرسل ولرسالاتهم والاستهزاء بهم وبها، فهم لم يتمكنوا من نشر رسالة التوحيد وإحقاق الحق ونشر العدل الالهي وخلق مجتمع متساوي ومتكافيء المعيارية الوحيدة فيه هي قوله تعالى: " إن اكرمكم عند الله أتقاكم " فالبشرية لم تشهد تحقيق هذه المعيارية ابدا في عصر الرسالات ويكفي ان نعلم ان بني اسرائيل كانوا يقتلون اريعين نبيا بين شروق الشمس وغروبها، كما جاء في التواريخ (وطبعاً علينا هنا ان نفهم معنى النبوة)، ويكفينا ان في عصر نبينا كان هناك منافقين نزلت بهم سورة وان بعضهم حاول قتل النبي في حوادث متعددة منها حادثة العقبة.
فالرجعة انما هي تجربة لاعادة الحق الى نصابة وغائيتها تكمن في ان الراجعين سيجدون مجتمعاً راقياً يصلح لان يقوده أنسان كامل منخب الهيا مثل نبي او وصي، حيث ان الامام المهدي (عج) سيمهد لذلك بقضائه على الظلم، " فيملئها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً " وما رجعة الذين محضوا الكفر الا ليتم الاقتصاص منهم في الحياة الدنيا تمثيلا للامر الالهي قبل ان ينتقلوا الى الاقتصاص الاكبر في يوم الدين.
وأما الذين محضوا الايمان فانه دورهم الالهي في الحكم وفق الشريعة السماوية، وهنا سنجد تطبيقاُ حقيقياً لما اراده الله تعالى من الانسان في خلافة الارض، فالرجعة اذن هي تعبير عن تحقيق الخلافة الالهية بشكلها الكامل، فهنيئا لمن عاصرها أو شارك فيها.
....................
1- راجع، محمد محمد صادق الصدر، موسوعة الامام المهدي، المجلد الثاني الغيبة الكبرى وقد اشار الى إمكانية زواجه عليه السلام وان له ذرية. ويمكن مراجعة كتاب جنة المأوى الملحق بالبحار في القسم المخصص للامام المهدي.
2- راجع، الشيخ النجار، الجزيرة الخضراء.
3- آل عمران: 185. رجع الطباطبائي، تفسير الميزان 4/82-83.
4- الانبياء: 35.
5- العنكبوت:57.
6- القصص: 88.
7- البقرة : 243 .
8- راجع الكتب التالية التي ذكرت الرجعة: الشيخ الصدوق، الاعتقادات: ص 60-63. الشيخ المفيد، أوائل المقالات، ص 77-78. الشيخ المظفر، عقائد الامامية. وايضا وردت في بصائر الدرجات، وفي البحار وغيرها من كتب الامامية المعتمدة.
9- راجع عقائد الشيخ المفيد: ص 79-93.
10-بحار الانوار:ج 53. 
المملكة المتحدة – لندن



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=15670
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2012 / 04 / 01
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 11 / 16