• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : قضية رأي عام .
              • القسم الفرعي : قضية راي عام .
                    • الموضوع : الرَّحمةُ والتَّراحمُ .. يقينٌ وعملٌ .
                          • الكاتب : د . سعد الحداد .

الرَّحمةُ والتَّراحمُ .. يقينٌ وعملٌ

 (واشعرْ قلبَكَ للرعيَّةِ)..جزءٌ من خطابٍ إنسانيٍّ كبيرِ المضامين, يخاطبُ بهِ أَميرُ البلاغَةِ الامامُ عليّ (ع) واليهِ مالك الأَشتر. والمُتأملُ في تلكَ الكلماتِ الآمرةِ والداعيِّةِ الى استحضارِ القلبِ للوصولِ الى المبتغى (مفتاح التواصلِ) وهو (الرَّحمَةُ) و(التراحمُ) .
 فالمسار الاول في الرَّحمةِ هو صفةٌ يقينيَّةٌ ثابتةٌ عبَّرَ القرآنُ الكريمُ عنها كثيرًا على الرغمِ من تَعددِ معانيها واختلافها بمقتضى ورودِها في الآياتِ المباركةِ, غيرَ أنَّ الصِّفةَ الأَعظمَ في مفهومِ الجلالةِ والعظمةِ مانسبَهُ الباري الكريم متجلّية في قوله تعالى: ﴿ الرَّحْمَن الرَّحِيْم﴾ ثمَّ صفاتُ الرَّحْمَةِ الالهيَّةِ التي تجسَّدتْ في قوله: ﴿وَرَبُّكَ الغَنِيُّ ذو الرَّحْمَةِ﴾ (الأنعام:133) , وقوله عزَّ وجلَّ ﴿ وكَتَبَ علَى نَفسِهِ الرَّحمَة﴾ (الانعام:12), فالدلالاتُ المُثلى لمفهومِ الرَّحمةِ هو استشعارُ قلبِ العبدِ أَنَّ اللهَ برٌّ رحيمٌ كريمٌ ,مما يعني الرّكونُ الى الاطمئنانِ بما يجعلِ القلبَ آمنًا مطمئنًا في الميادينِ كافة. بل هي تَتَّسعُ لجميعِ الكائناتِ, وهذا يدللُ على عظمةِ الخالقِ في الرأفةِ بعبادِهِ , واطلاقُ الرَّحمةِ لهم هو تعزيزُ الثقةِ في نفوسهم.
بل تعدَّى القرآنُ ليشملَ الانبياءَ والرُّسلَ بخطابٍّ ربانيٍّ عظيم, ومنهَا ما خصَّ به تعالى الرسولَ الكريمَ (صلوات الله عليه ) بقوله : ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ (آل عمران: 159). وهو استشعارٌ يتَّسعُ في حُسْنِ التعاملِ والتصرُّفِ الانسانيّ بعيدًا عن العنفِ والغِلظةِ ليعززَّ مفهومَ الرَّحمةِ الإلهيّةِ في قلبِ العبدِ بجوهرها الشَّاملِ في الحياةِ وتعاملاتها اليوميةِ . لذا فانَّ اللهَ سبحانَهُ وتعالى ثبَّتَ ذلكَ الجوهر في وصفِهِ للنبيِّ الكريمِ  في قولهِ تعالى: ﴿ ومَا أَرْسَلنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ (الأنبياء: 107).
فالرَّحمةُ الإلهيّةُ غيرُ مختصَّةٍ بالمؤمنِ والكافرِ , إنَّما هي مطلقةٌ على رأي أَغلبِ المفسرينَ كونها امتحانًا للعبدِ إنْ أَخذَ بالنهجِ القويمِ أَصابهُ من النَّفعِ والخيرِ مالايحصى.   
وعَزَزَّ مفهومَ الرَّحْمَةِ الأَئمَّةُ المَعصومونَ(سلامُ اللهِ عليهم), ومن أولويات استشعار القلب الاضمار الذي عبَّر عنه الإمامُ عليّ ( عليه السلام ) حين قالَ : (اَبْلَغُ ما تَسْتَدِرُّ بِهِ الرَّحْمَةَ ، أَنْ تُضْمِرَ لِجَميعِ النَّاسِ الرَّحْمَةَ ).
وتبقى منافذُ الرَّحمةِ الإلهيّةِ على أوسعِ نطاقٍ وهو مِن خَصائصِ عَظَمَةِ الدِّينِ الحنيفِ وسَماحتِهِ , ومما يؤثرُ عن الإمامِ الكاظمِ(عليه السلام) قولُهُ: (فَمَا ظنُّكَ بالرؤوفِ الرَّحيمِ الذي يَتوَدَّدُ إلى مَن يُؤذيهِ بأَوليائِهِ، فكيفَ بِمَنْ يُؤذى فيهِ, وما ظنُّكَ بالتوّابِ الرَّحيمِ الذي يَتُوبُ على مَن يُعاديهِ، فكيفَ بِمَن يَتَرضَّاهُ ويَختَارُ عداوةَ الخَلْقِ فيهِ).
واليوم في المسارِ الدُّنيويّ الذي يعيشُ العالمُ ساعاتِ تقلّباتِهِ الهِستيريَّةِ خوفًا ورعبًا بسببِ كائناتٍ مجهريَّةٍ قاتلةٍ ,راحَ ضحيَّتها الآلافُ وما انفكَّ العددُ في تصاعدٍ , يتصاغرُ الانسانُ أَمامَ هذا المجهولِ ليقفَ العلمُ عاجزًا حتَّى اللحظةِ في التَّصدي له, وإنْ كانت التجاربُ مازالت في طورها التجريبي. وما أصابَ الناسَ من هَلَعٍ وفوضى أدَّى الى استصدارِ تعليماتٍ شديدةٍ في دولِ العالمِ كافةً للوقايةِ من الفايروسِ اللعين , ومنها حظرُ التجوالِ الذي أدَّى الى شلِّ حركةِ الحياةِ من أَجلِ سلامةِ حياةِ الناس, غيرَ أنَّ الكثيرَ من الناسِ لايمكنُ لهم الاستمرارُ في الصمودِ لأيامٍ أَمامَ هذا الحَجرِ الوقائيِّ, وهم لايملكون ما يؤمنُ لقمة العيش لهم ولعوائلهم لاعتمادهم على الأَجرِ اليوميِّ , والغالبُ في هذا الوضعِ أنَّ الناسَ تلجأ الى احتكارِ أَو توفيرِ ماتتطلبه الظروفُ من موادٍ مختلفةٍ في مقدمتها المواد الغذائيَّة. وممَّا يحزُّ في النفسِ أنَّ نسبةَ الفقراءِ والمعوزينَ والمعدمينَ في المجتمعاتِ العالميَّةِ نسبةٌ عاليةٌ جدًّا , ومستوى الفقرُ يتضادُ مع امكانيَّةِ البلدانِ الغنيَّة بثرواتها ومنها العراق الحبيب , الذي هو منبتُ الخيرِ الذي لاينفد ,لكنَّ سوءَ السياساتِ الاقتصاديَّةِ والاداريَّةِ المتعاقبةِ, وعدم التوازنِ والعدالةِ في توزيع الثروات , أدَّى ويؤدي الى تردي الاوضاعِ الانسانيَّةِ بما يتلائم وكرامةِ الفردِ العراقي. 
لكنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يرسلُ من رحمتِهِ جنودَهُ المخلصينَ , ليكونوا أسبابا في تخطِّي الأَزماتِ التي تنتابُ الأمَّة في أيامِ المحنِ العصيبةِ, ومنها مانمرُّ به اليوم من مِحَنِ الجوعِ والمرضِ والعوزِ والحجر. فقد قيَّضَ اللهُ عزَّ وجلَّ للفقراءِ في هذا البلدِ من يسدَّ لهم خلّتهم , ويقيهم بعضَ ماهُمْ فيهِ من البلاء والابتلاء , فيصدرَ بحكمةٍ راجحةٍ وقلبٍ مُستَشعرٍ بالرَّحمةِ فتاويهِ التاريخيَّةَ وتعليماتِهِ الانسانيةَ التي تَنمُّ عن خلقٍ سامٍ , وهو مصداقٌ حقٌّ لنهجِ الإمامةِ الحَقَّةِ في انتشالِ الفقراءِ والمُتضررينَ من هذهِ الظروفِ فيسجِّلَ للتاريخِ موقفًا مشرِّفًا كما سجَّلهُ مِرارا في ظروفٍ أَشدَّ مرارةٍ وضراوةٍ في مجاهدةِ أَعداءِ الانسانيَّة, فدعوتُهُ للتراحمِ وصرفِ الحقوقِ الشَّرعيَّةِ في مظانِّها , بماتتطلبه الاوضاعِ المصيريَّةِ والدعوة الى التكاتفِ والتلاحمِ والالتزامِ بالتعليماتِ الرسميَّةِ ومؤازرةِ الكوادرِ الطبيَّةِ العاملةِ في الميدانِ ,فضلًا عن دعواتِهِ المباركة للأمَّة ,كلّها دلائلُ عظيمةٌ تكمنُ في عَظمَةِ عَقلِ وقلبِ وروحِ سماحةِ الامامِ المفدَّى السَّيد عليّ السِّيستاني (دام ظلّه).      
 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=142883
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2020 / 03 / 26
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 06 / 5