• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : مفهوم السعادة عند الخيام .
                          • الكاتب : داود السلمان .

مفهوم السعادة عند الخيام

وأسعد الخلق الذي يرزق

وبابه دون الــورى مغلق

لا سيدٌ فيهـــــم ولا خادم

لهم، ولكن وادع مطــــلق

   متى يكون الانسان سعيداً؟. وطبعا تتحقق السعادة للإنسان من خلال امور كثيرة يبحث عنها طيلة حياته، فإذا تحقق جزء منها فأنه يشعر بسعادة. فمثلا: إن الطالب اذا نجح من المرحلة الدراسة المتوسطة وذهب الى مرحلة الاعدادية، فأنه يشعر بسعادة ما بعدها سعادة. كذلك اذا نجح من الاعدادية وذهب الى الجامعة، فأنه يشعر بسعادة اكثر من شعوره من تلك السعادة، وهكذا.  كذلك التاجر حينما يشتري بضاعة بكل ما يمتلك من نقود ويكسب ربحا وافرا من وراء ذلك، فأن سعادته ذلك الحين لا تدانيها سعادة. ونستطيع أن نأخذ مثالا آخر، من كثير من الامثلة، وهو الرجل الذي يتزوج ولم ينجب، وبعد سنتين أو ثلاث أو اربع أو اكثر، ثم تخبره زوجته انها حاملة بجنين، فأن سعادته لا اعتقد تدانيها سعادة؛ وهكذا.

   والسعيد يشعر بأن السعادة كنوع من اللذة بحسب ابن مسكويه، وتكون لذته ذاتية لا عرضية وعقلية لا حسية وفعلية لا انفعالية والهية لا بهيمية.

ما هي السعادة؟

   السعادة، لها عدة تعاريف ومفاهيم طرحها الفلاسفة، قديما وحديثاً واجابوا عنها في كتبهم ومصنفاتهم، والانسان دائما يبحث عن السعادة ويتمنى أن يكون دائماً سعيداً، لا تكدّر صفه الاحزان والاشجان، فهناك من يرى سعادته بكثرة امواله، وغيره من يرى سعادته بكثرة ذريته وبنيه، وغيره من يرى سعادته بكثرة علمه، وغيره من يرى سوى ذلك. وهناك اسباب ومسببات قد يشعر من خلالها الانسان انه سعيد، فمثلاً: أن الشخص الذي يصاب بمرض ما، ومن ثم يتماثل للشفاء، بعد أن يلم به المرض ويرقده على الفراش شهور او سنين، وربما قد يصل الى الموت، وحينما تجلو سوداوية غيوم المرض عن سماء جسده، وتحلُ فيه روح الشفاء كنسيم عذب، فأنه يشعر بسعادة ما بعدها سعادة. فأذن العافية: هي مصدر من مصادر السعادة، لكن الانسان لا يدرك كنهها، ولا يشعر بوجودها، الا حين يصاب بوعكة صحية، او بداء عضال، او بأزمة جسدية تداهمه على حين غرة.

   يقول ابن مسكويه، الذي يُعرف عنه أنه فيلسوف اخلاق: أن السعادة ألذ الأشياء وأفضلها وأجودها وأوضحها وجب أن يبين وجه اللذة فيها بأتم بيان.

    "أن اللذة تنقسم إلى قسمين: أحدهما لذة انفعالية والأخرى لذة فعلية أي فاعلة. فأما اللذة الإنفعالية: فهي شبيهة بلذة الإناث واللذة الفاعلة تشبه لذة الذكور. ولذلك صارت اللذة الإنفعالية: هي التي تشاركنا في الحيوانات التي ليست بناطقة، وذلك أنها مقترنة بالشهوات ومحبة الانتقام وهي انفعالات النفسين البهيميتين. وأما اللذة الأخرى فهي الفاعلة وهي التي يختص بها الحيوان الناطق ولأنها غير هيولانية ولا منفعلة انفعالا لأنها صارت لذة تامة وتلك ناقصة وهذه ذاتية وتلك عرضية. وأعني بالذاتية والعرضية: أن اللذات الحسية المقترنة بالشهوات تزول سريعا وتنقضي وشيكا بل تنقلب لذاتها فتصير غير لذات بل تصير آلاما كثيرة أو مكروهة بشعة مستقبحة وهذه أضداد اللذة ومقابلاتها.

   وأما اللذة الذاتية فإنها لا تصير في وقت آخر غير لذة ولا تنتقل عن حالتها بل هي ثابتة أبدا. وإذا كانت كذلك فقد صح حكمنا ووضح أن السعيد تكون لذته ذاتية لا عرضية وعقلية لا حسبة وفعلية لا انفعالية والهية لا بهيمية.

   ولذلك قالت الحكماء أن اللذة إذا كانت صحيحة ساقت البدن من النقص إلى التمام ومن السقم إلى الصحة.

   وكذلك تسوق النفس من الجهل إلى العلم ومن الرذيلة إلى الفضيلة. إلا أن ههنا سرا ينبغي أن يقف عليه المتعلم، وهو: أن ميله إلى اللذة الحسية ميل قوي جدا وشوقه إليها شوق مزعج ولا تزيد العادة في قوة الطبع الذي لنا كبير زيادة لفرط ما جبلنا عليه في البدء من القوة والشوق. ولذلك متى كانت هذه اللذة حسية قبيحة جدا، ثم مال الطبع إليها بإفراط وانفعل عنها بقوة استحسن الإنسان فيها كل قبيح وهون على نفسه منها كل صعب ولا يرى موضع الغلط ولا مكان القبيح حتى تبصره الحكمة.

    وأما اللذة العقلية الجميلة فأمرها بالضد. وذلك ان الطبع يكرهها فإن انصرف الإنسان إليها بمعرفته وتمييزه احتاج فيها إلى صبر ورياضة حتى إذا تبصر فيها وتدرب لها انكشف له حسها وبهاؤها، وصارت عنده بمكان في الحسن".

والسعادة عند افلاطون هي عبارة عن فضائل الاخلاق والنفس، كالحكمة والشجاعة والعدالة والعفة، فسعادة الفرد لا تكتمل الا بمآل روحه الى العالم الآخر. ويضيف ارسطو الى ذلك أن السعادة لا تكتمل الا بصحة البدن والحصول على الثروة وحسن تدبيرها واستثمارها، وتحقيق الاهداف والنجاحات العملية،  وسلامة العقل والسمعة الحسنة والسيرة الطيبة بين الناس. وعلى اعتبار أن توما الاكويني قسيس وفيلسوف متدين، فيرى أن السعادة البشرية تكمن في رؤية الجوهر الالهي، وهو نفس ما يريده الخيام، وما نوه اليه في بعض رباعياته. لكن صاحب نظرية قوة الارادة، اعني الفيلسوف الالماني نيتشة،  يرى السعادة، هي الشعور بأن القوة تزيد، وبأنه تم التغلب على المقاومة. ويبدو أن الغزالي يجاري توما الاكويني بالرأي حيث أن السعادة عند بني آدم هي معرفة الله. لكن سقراط يعتقد أن للسعادة سرا، وهذا السر لا يتم في السعي الى المزيد ولكن في تنمية القدرة على التمتع بالأقل. وبوذا اختصر كل هذه الآراء التي قيلت في السعادة، فاعتبر أن السعادة هي الطريق. لكنه لم يوضح طريق ماذا؟، فربما يقصد طريق المجد أو الوصول الى كنه الحقيقة أو ربما شيء من هذا القبيل.

   فكيف السبيل الى ذلك؟، وهل نستطيع من خلال افعالنا ومسيرنا أن نصل الى طريق السعادة؟ وهل يكفي التفكير بالسعادة أن يجعلنا سعيدين ونستطيع مناشدة السعادة، فيجيب الكاتب والمفكر لوك فيري على بعض من اسئلتنا فيقول:" لا تقود السعادة افعالنا فحسب، لكن بوسعنا جميعا تعيين هويتها وتعريفها بطريقة واضحة ودقيقة، والجميع يمكنهم تحقيق السعادة باستمرار وذلك لسبب جوهري أنها في الحقيقة، كما قال من قبل الرواقيون والبوذيون، لا تتوقف بشكل اساسي على الآخرين، ولا على وضع العالم الخارجي، لكنها تتوقف اولا وقبل كل شيء علينا نحن وعلى قدرتنا على احداث تناغم مع ذواتنا من خلال القيام بالتمارين النفسية والذهنية المتعمقة التي توفرها لنا الفلسفات القديمة والعلوم الانسانية الراهنة. يلزم أن نفهم ذاتنا الحقيقية فهما كاملا فقط، حتى ندرك ما يلائمها فعليا ومن ثم نحدد التمارين الجيدة ثم نطبقها على نحو صحيح، عندها ستحقق السعادة الدائمة التي نصل اليها بالاعتماد على انفسنا، وهي بالتأكيد منفتحة على الآخرين لكنها تستند اساساً الى ذاتنا".

*مبحث من كتابي (الله في فكر عمر الخيام) كتاب تحت الطبع.




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=142848
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2020 / 03 / 24
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 04 / 10