• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : أين نحن من ناطحات النجوم ؟ .
                          • الكاتب : كاظم فنجان الحمامي .

أين نحن من ناطحات النجوم ؟

 في الطريق الذي اسلكه أسبوعيا جيئة وذهابا بين البصرة والفاو, وفي المنطقة القريبة من المركز المهني (معهد الصناعة سابقا), في رقعة مهجورة يقال لها (كوت الحمداني), من ضواحي أبي الخصيب, جلبت انتباهي قرية صماء بكماء, لا تحمل لافتة تعريفية, رمتها الأقدار خارج حدود الحزام الأخضر (الأصفر), ظهرت فجأة فوق سطح الأرض الملتحفة بالملح في هذه المنطقة الترابية المعزولة المتروكة. .

كانت القرية عجيبة التكوين, غريبة المعالم, فاقعة الألوان, قريبة الشبه من حيث الشكل والحجم بعلب الكبريت المبعثرة في مقاهي الأحياء الفقيرة, بدت وكأنها أنشئت على جناح السرعة, بمساحات وإبعاد تصلح لإيواء الكائنات الفضائية القادمة من كوكب الأقزام. .

شطحت بي الظنون, وفشلت أكثر من مرة في محاولاتي غير المجدية للبحث عن المعايير الهندسية المعتمدة في تنفيذ مباني القرية, حتى ظننت أن الجهة المنفذة اختارت هذه التصاميم المُختَزلة, لتجعلها من الملامح السياحية الجديدة, التي يراد بها إضحاك الركاب المارين بالمنطقة, ويراد منها الترفيه عنهم وتسليتهم في هذا الطريق الصحراوي الممل, المزدحم بمحطات تعبئة الوقود. .

لا يستطيع الناظر لبيوت هذه القرية أن يمسك أعصابه من شدة الضحك, فالتركيبة الهندسية العجيبة الغريبة لمساكن القرية المتقزمة توحي للناظر بانطباعات كوميدية ساخرة, سيما أنها تنفرد بملامح سريالية لا مثيل لها في عموم المدن العراقية, ولا في غابات الزولو والتوتسي. .

تتألف القرية من أكثر من (100) منزل, تبرعت بها إحدى منظمات المجتمع المدني بالتنسيق مع المجلس البلدي المحلي, أكتمل بناء بعضها, وتم توزيعها بالمجان على العوائل العراقية المهجرة, في مبادرة (كريمة) لإسكان الناس, ومازالت المنازل غير المكتملة بانتظار المعجزة. .

بيد أن (مكرمة) توزيع تلك المنازل على المهجرين مازالت منقوصة, ولم يتوفر للقرية الحد الأدنى من الخدمات حتى يومنا هذا, وظلت الدور المعزولة بلا ماء, ولا كهرباء, وليس فيها قنوات لتصريف المياه الثقيلة أو الخفيفة, ولا طرق خدمية ولا أرصفة, ولا أسواق, فلا فرق بينها وبين معتقلات الحروب, وثكنات الأسرى. .

يتألف كل منزل من صومعتين صغيرتين ضيقتين متداخلتين, بحجم أبراج الحمام الزاجل في الأحياء الشعبية, فالغرفة الواحدة بطول ثلاثة أمتار, وعرض (2.5), بحيث لا يزيد حجم القواطع المبنية في المنزل على حجم حاوية نمطية واحدة من الحاويات المخصصة لنقل البضائع البحرية, ولا تتوفر فيها مستلزمات الراحة, بل تكاد تكون من جالبات الهموم والأحزان. .

 

لم يكن في نيتي التحدث عنها في كتاباتي الصحفية, حتى جاء اليوم الذي اطلعت فيه على النماذج الهندسية المرشحة لبناء ناطحات النجوم, وهو الجيل الذي سيحل محل ناطحات الغيوم, ولا مجال هنا للمناطحة بين ما توصلنا إليه من سقطات تقهقرية في هندسة بناء (جالبات الهموم), وبين آخر تقنيات الفضاء المستعملة في بناء (ناطحات النجوم). .

تألقت اليابان, التي نهضت من رماد الحروب النووية الزلزالية, وفكرت بتنفيذ مشاريعها الهندسية المجنونة لبناء أول ناطحة نجوم بالعالم, يبلغ ارتفاعها أربعة كيلومترات, تشتمل على (800) طابق, وتتمدد قاعدتها على مساحة تقدر بضعف مساحة مدينة تكساس, وستكون الطوابق قادرة على استيعاب سكان البحرين وقطر كلهم من الأمراء وحاشيتهم إلى الجاليات الآسيوية المجنسة, أنها بناية واحدة تتسع للكل, وتتوفر فيها أفضل الخدمات الفورية, سيتم تشييدها في خليج طوكيو, على شكل هرم عملاق, بحجم جبل (فوجي) الشهير, أطلقوا عليه تسمية برج البذرة أكس, أي البذرة الرائدة (Tower X – Seed), ويُعد البرج من القفزات الهندسية المجنونة, لأنه يجنح في أبعاده وتصاميمه إلى مستويات خيالية, لم تصل إليها التقنيات الهندسية والمعمارية في كوكب الأرض حتى هذه الساعة. .

انتهت اليابان من وضع اللمسات النهائية على التصاميم التفصيلية لهذا الكيان السكاني العملاق, ومن المرجح أنها ستقيمه على قواعد جبارة مثبتة في قاع البحر, وسيكون الهيكل مقاوما للأعاصير والهزات الأرضية, ومعتمداً على أشعة الشمس في تأمين احتياجاته من الطاقة النظيفة التي لا تنضب. أما مدة الانجاز فستكون في حدود ثلاثين عاماً فقط,  بمعنى أن بناء البرج سيكتمل عام 2040 , وهو العام الذي ستختفي فيه أنهار العراق وجداوله, وذلك في ضوء التحذيرات الدولية التي نشرتها المؤسسات الأوربية المعنية بالري. ما يعني أن المساكن المتقزمة, التي مر ذكرها, والتي أطلقنا عليها تسمية (جالبات الهموم), والتي لا تبعد كثيرا عن شط العرب ستكون من الشاليهات السياحية النموذجية التي سترتادها الأجيال المتبقية في العراق المتصحر بعد جفاف دجلة والفرات, والله أعلم. 


كافة التعليقات (عدد : 1)


• (1) - كتب : عبدالنبي نيروز ، في 2012/02/09 .

حياك الله اخي ابو علياء هل تتذكر البيوت ذات الغرفة الواحدة التي كانت تبنيها دائرة السكك ( القباب والتي كنا نسميها كبب )كانت بالقياس الى هذه افضل من حيث الخدمات وزمن بنائها في الاربعينات والخمسينات وهذه بنيت في زمن الالفينات وخرجت بهذا المستوى الهزيل والعجيب ان هذا المشهد يتكرر في اكثر من مكان في العراق الذي اصبح وللاسفالشديد ( نخلة ناصيه ومحمله وبأطرف البستان) و بسبب من بعض ابنائه الذين لم يبروه وبمختلف المجالات الاقتصاديه والامنية والسياسية والمقاولات وحتى في عدم احترام الموظف لوظيفته حيث تطغى المنفعة الشخصية على المصلحة الوطنية رحم الله ابائنا فقد كانو ا يعيشون المواطنة اكثر منا مع تحياتي



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=13989
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2012 / 02 / 09
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 12 / 11