• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : الظلم في الفكر الانساني والديني لمحة من طرائق العلاج .
                          • الكاتب : محمد السمناوي .

الظلم في الفكر الانساني والديني لمحة من طرائق العلاج

الظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، وهو منبع الشرور والآثام والدمار وقد تكاثرت النصوص الدينية بذم الظلم والتحذير من آثاره وعواقبه(١).

قبل الدخول في المسالة الرئيسة في هذه المقال لابد من الاشارة الى ان الدنيا دار التزاحم تختلف عن الاخرة ، فيها نور وظلام، خير وشر، حق وباطل، عدل وظلم، خطأ وصواب، صحيح وسقيم، اي ان الدنيا دار الأضداد.

ــــ اما ان يكون الحاكم عند الانسان الله او ابليس.

ــــ اما ان يكون الانسان من قبيلة قابيل القاتل.

ــــ او ان يكون الانسان من قبيلة هابيل المقتول.

ــــ اما ان يكون من قبيلة فرعون ظالما.

ــــ او ان يكون الانسان من قبيلة موسى مظلوما.

ــــ أما من معسكر الحسين عليه السلام.

ــــ او من معسكر يزيد بن معاوية.

هذا هو الانسان اما ان يكون ظالما او مظلوما اما عمره يكون مرتعا للشيطان او بِذلَةً في طاعة الله تعالى.

عند مراجعة الكتب التي تتحدث عن الحضارات القديمة ابتداءً من حضارة بلاد الرافدين كالسلالات السومرية والاكدية والبابلية والاشورية ، وكذلك المصرية واليونانية والرومانية، بل جميع الحضارات المتقدمة و المتأخرة في العالم حتى ظهور الاسلام يجد الانسان ان الظلم قبيحٌ بحكم العقل وجاءت الشرائع السماوية لتأييد والدعم والاسناد والحجج عند الانسان ظاهرة وهم الانبياء والرسل وباطنة وهي العقول، ودور الانبياء اثارة ما هو مكمن فيها، لجهة ان هناك أدلة ممكن الاستناد إليها في تشخيص المنظومة القيمية الانسانية سواء كانت خيرا او شرا ، قبيحةً كانت او حسنة، (ففي جميع هذه المجتمعات الانسانية ، لا يختص الظلم باعتداء فرد أو جماعة على حقوق فرد أو جماعة آخرين، بل يشمل ظلم الفرد على نفسه خصوصا لمن لا يجيد قراءة ذاته ومعرفة نفسه ، وظلم المجتمع على نفسه. وبالتالي فكل خروج عن الطريقة الأنسانية المستقيمة يعد ظلماً. وأن الظلم في كل الأديان السماوية وحتى الأرضية وسواء كانت الديانة حية او ميتة مندثرة فإن الظلم جاء بمفهوم عام يشمل الظلم على الغير والأعمال المنافية للأخلاق. ويتبين أن كثيراً من الأمور تعتبر في نظر الكتب المقدسة ( التوراة والإنجيل والقرآن ) وغيرها حتى كتب الهندوس ككتاب ( منوسمرتي ) الذي يعد من الكتب التشريعية عندهم ، وهذا يعتبر ذات دور هام اساسي في المجتمع الانساني لجهة مكافحة هذا المرض الخطير الذي يفتك بالإنسان وبقيمه السامية.

فمثلا ان الملوك والحكام في العصر السومري وضعوا قوانين في حماية الانسان كحماية اليتيم والارملة وازالة الظلم ونشر العدالة. كما في قوانين الحقوقية والجزائية في شريعة حمورابي المقتبسة من القوانين التي سبقتها كقانون لبيت عشتار واشنونه واورنمو.

وقد أجاد الاب سهيل قاشا في كتابه ( الحكمة في وادي الرافدين ) في جمع وتبويب تلك الحكم والمواعظ والمثل الفكرية التي كانت تتداول في بلاد وادي الرافدين ، وفيها الكثير من النصوص التي تتحدث عن قبح الظلم، حيث قسم تلك النصوص الى عدة اقسام ابتدء من الحكم السومرية وانتهى بالعهد القديم والجديد.

نكتفي بواحدة وهي :( ان الله سيلجم فم الظالم وسيقطع لسانه).

ومن يراجع العهد القديم كما في سفر اللاويين وسفر صومائيل الاول وسفر زكريا وأعمال الرسل وسفر ايوب وغيرها يجد ان الظلم مرفوض وقبيح فلا يجوز ظلم الغريب والمسكين والفقير واليتيم والارملة ولا تسفكوا الدماء الزاكية فمن هذه النصوص على نحو الإيجاز:

ــــ  واذا نزل عندك غريب في ارضكم فلا تظلموه. سفر اللاويين.

ـــــ لا تظلم اجيرا مسكينا وفقيرا من اخوتك او من الغرباء الذين في ارضك في ابوابك. سفر صموئيل الاول .

ــــ وانقذوا المغصوب من يد الظالم والغريب واليتيم والارملة لا تضطهدوا ولا تظلموا ولا تسفكوا دماً زكياً . سفر زكريا .

ــــ انتم اخوة لماذا يظلم بعضكم بعضا. سفر أعمال الرسل.

ــــ ولا يسكن الظلم في خيمتك. سفر أيوب.

ــــ اموال الظالمين تجف كالسيل. سفر يشوع.

ــــ ام لستم تعلمون ان الظالمين لا يرثون ملكوت الله. رسالة بولس.

اما في الدين الإسلامي فقد تكاثرت الآيات الشريفة والأحاديث النبوية المباركة بذم الظلم والتحذير منه.

١- الظالم لا مجال له في النجاح والفلاح في حياته ، وقد دلت الاية الكريمة في سورة الأنعام الاية ٢١ على هذا المعنى قال تعالى: ( انه لا يفلح الظالمون ).

٢- الظالم ليس له سبيل الى الهداية ولا يمكن ان يوفق لها قال تعالى: ( والله لايهدي القوم الظالمين ) سورة آل عمران الاية ٨٦.

٣- الظالم عاقبته في الدار الاخرة النار وبئس المصير قال تعالى:( ان الظالمين في عذاب مقيم ) سورة الشورى الاية ٤٥.

٤- الهلاك والدمار الذي أصاب الأمم السابقة والحضارات القديمة بسبب ابتعادهم عن العدل وومارستهم للظلم والجور قال تعالى: ( فاهلكناهم بذنوبهم ) سورة الأنعام الاية ٦، وقال تعالى :( ولقد اهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا ) سورة يونس الاية ١٣.

كما دلت الأحاديث على عقاب الظالم في الدنيا والآخرة فعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال : ( من اكل مال أخيه ظلما ولم يرده إليه، اكل جذوة من النار يوم القيامة)، فكيف بمن يبيد شعب كامل ويقوم بتصفيته تصفية جسدية كما فعل زعيم كمبوديا( بول بت) الذي خطف كمبوديا لمدة اربع سنوات من عام ١٩٧٤حتى عام ١٩٧٩ ، وقتل ٤ ميلايين نسمة قتل الالاف من المسلمين، ولكنه مات في سكتة قلبية، واكيدا ان الذي لا ينال جزاءه في دار الدنيا فإن هناك عالما سوف يحاسب فيه الظالم على ظلمه الذي ارتكبه في دار الدنيا.

وعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أيضا انه قال: ( من ظلم سلط الله عليه من يظلمه، أو على عقبه او عقب عقبه).

لعله إشارة إلى أن الأبناء والعقب يسمعون بظلم آبائهم واجدادهم ويرضون بها .

يمكن تقسيم الظلم الى ثلاثة انواع:

النوع الأول: ظلم الانسان نفسه: بسبب ضعف المراقبة والمحاسبة وقلة الرداع الديني في الامتثال للأحكام الشرعية وعدم معرفة نفسه وتزكيتها، وعدم التغيير نحو الأفضل من الناحية التكامل الفكري والروحي والمعنوي فانه يعد ظلما.

النوع الثاني: ظلم الانسان لعائلته: الإهمال في التربية والغفلة وعدم التوجيه والتعامل معهم بالقسوة والعنف وعدم متابعتهم وعدم التوعية الفكرية وتنمية قدراتهم المختلفة هو ظلم لهم.

النوع الثالث: ظلم الانسان للمجتمع: عند ممارسة الاستعلاء على أفراد المجتمع او يقوم بسلب حقوقهم والاستخفاف بكرامتهم، فتجد الانسان الظالم يقدم مصحلته الخاصة على المصلحة العامة فلذا تجده يسرق بأموال الناس وحقوقهم فتكون دودة القز افضل منه من ناحية انها تضحي بمصلحتها من أجل الانسان.

يقول الأديب:

      كدودة القز ما تبنيه يقتلها      وغيرها بالذي تبنيه ينتفعُ

انظروا الى أئمة ال البيت عليهم السلام في لحظاتهم الاخيرة كيف كانوا يحذرون الناس من قبح الظلم فقد ورد عن الامام أبي جعفر الباقر عليه السلام انه قال : لما حضر علي بن الحسين الوفاة ضمني الى صدره ثم قال : يابني اوصيك بما اوصاني به ابي حين حضرته الوفاة، وبما ذكر ان اباه اوصاه به قال : ( اياك وظلم من لا يجد عليك ناصرا الا الله تعالى).

ولذا كانت نصرة المظلوم وحمايته من ظلم وجور الجائرين من افضل الطاعات وأعظم القربات الى الله تعالى  فكل من يعظم أحكام الشرعية فانه يعظم شعار الله تعالى التي هي من تقوى القلوب .

اما علاج هذا المرض الخطير فيمكن ان يسلك الانسان المبتلى بظلم الاخرين والذي يبحث عن العلاج ؛ لأن ليس كل ظالما يرغب بترك الظلم ، لجهة ان الله تعالى لا يهدي الظالم ولا يكتب له التوفيق، ولكن مما ينفع المبتلى بهذه المعصية يمكن ان يسلك الخطوات التالية :

١- يقوم بعملية المراقبة لنفسه وهذا لا يتحقق إلا من خلال معرفة ذاته وأفكاره ولو قلنا ان يقوم بمراقبة أفكاره وتحديدها كان افضل واتم واقرب للفهم ، فيبدأ في التفكير بمراقبة جميع أفكاره المرتبطة بالظلم ، ويجعلها في زاوية خاصة في ذهنه كما لو كان ظالما لنفسه مثلا او ظلم اهله او أطفاله وأسرته او اقربائه او مجتمعه الخ . هذه الأفكار لا بد من مراقبتها، وهذا ما يمكن تسميته بمحاسبة النفس وقد دلت عليه جملة من الاخبار والتي منها ( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا ).

٢- بعد أن يقوم بعملية المراقبة تاتي مرحلة المحاكمة وعدم الموافقة من جهة العقل اي ان العقل يقوم بالسيطرة على فكرة الظلم ويعطي دور الايقاف لهذه العملية الفكرية ، وجعل القلب ليس راضيا بتلك الافكار ، اذن دور العقل عدم المواقف ودور القلب عدم الرضا ، فتكون النتيجة الإيقاف والحذف لكل فكرة مرتبطة بالظلم في عالم الذهن ، ولذا كان الامام علي عليه السلام في النهج الشريف يؤكد على هذه الحقيقة ان العقل لا بد ان يكون حاكما على عالم الأفكار والافكار على عالم تقلب القلوب، والحواس وبقية الأعضاء الأخرى التي لها ارتباط مباشرة بمن سبقها.

قال علي عليه السلام: (العقول أئمة الافكار والافكار أئمة القلوب والقلوب أئمة الحواس، والحواس أئمة الاعضاء).

انظروا الى اولئك الذين ارادوا ان يظلموا ال البيت عليهم السلام ولكنهم فكروا وغيروا تلك الفكرة من عالم افكارهم فقد روى المجلسي في البحار عن السيد ابن طاووس في اللهوف والعقد الفريد ان هناك من انتقل من معسكر ابن سعد الى معسكر الامام الحسين عليه السلام وكان عددهم اثنان وثلاثون رجلا .

بينما حملة الفكر الأموي بقوا على افكارهم الظالمة والمظلمة وقد مارسوا أبشع الجرائم والظلم في تاريخ الانسانية بتلك الساعات الرهيبة في ظهيرة يوم العاشر من المحرم حيث ابتدأوا بظلمهم هذا بحرق القلوب وانتهوا بحرق الخيام وقالوا احرقوا بيوت الظالمين، انا لله وانا اليه راجعون ، والحمد لله اولا واخرا وظاهرا وباطنا وصلى الله على محمد واله الأصفياء عليهم آلاف التحية والثناء.

(١)-وقيل: ان الظلم هو التعدِّي عن الحق إلى الباطل وهو الجور. وقيل: هو التصرُّف في ملك الغير، ومجاوزة الحد. وهو: وضع الشيء في غير موضعه المختص به؛ إمَّا بنقصان أو بزيادة؛ وإما بعدول عن وقته أو مكانه، والجور خلاف الاستقامة في الحكم، لذا تقول جار الحاكم في حكمه والسلطان في سيرته. ينظر معاجم اللغة كلسان العرب، وتاج العروس، وغيرها.




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=138302
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2019 / 09 / 26
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 11 / 12