• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : ثقافات .
                    • الموضوع : طارق ألليل قصة قصيرة .
                          • الكاتب : موسى غافل الشطري .

طارق ألليل قصة قصيرة

قبل هذا الليل المقرور، كانت المدينة تستلقي.. مثل نجمة متألّقة . تتوهّج ذوائبها بدفق   من شلال ضوئي.تشعشع خيوطُه الذهبية، في رقص زاه مفرط، تأطّرت بجدائل يتوسمها لوَن حنّي، لفتاة قمريّة الوجه. راقدة بعري كامل. تحت ألق نوراني. هاجعة بوداعة وأمان. فإرتخت و إنغمرت بنوم حالمٍ، كزهرة ضوّعها نثيث العطر، و العشق و الدعابة.

وقيس العاشق يصدح بصوته . فيتداعى غناؤه بعذوبة، تحت ابتسامة القمر،و دثار الليل الشاحب.

   ينغمر العشّاق بشلال من الصِبا ، و الحلم با لتلاقي. و الهيام . محلّقين بأجنحة ملائكية. ليس فقط لليلاه، بل لكل من لها قلب عصفور.

    فأي كاعب .. لم يزدهر حبّها بأنين قيس ؟ و أي شمائل .. وأي هيف ، لم يتقمص ليلاه؟

    أي رجل .. لم يرحب قائلا : ( أهلا  بابن أخي قيس .. أجئت تطلب شيئا  ؟)  .

في كل ليلة قمراْء : يسهر العشاق.. مثل نجيمات.. أرّقهن الهوى وأنين قيس ...

 

 

فلماذا ..  عتم الزمنُ.. هذا الليلَ.. و أثكل نجومَه؟؟؟

 

 

*               *           *

 

جُنّ قيس بعشق الحليم. واعتمر لحافه فوق هامته. و الريح  .... يكل عويلها، وتهمد من كثرة الأعياء، كأن صليلا قارصا   ثقيلا تداعى بها . فناخت  وافترشت شوارع المدينة وأزقّتًها. و النجوم .. أصابها برد، وإحتبس تألّقُها. وعتم كيفُها . و دثّرتها دجنةٌ غمّاء.

         يتلفّع قيس بمعطفه الخلق ، فوق سترته، المتخمة بحشو من صحف ألأعوام الراقدة . فتح بطانتَها على مخابئها ، وحشر الجرائدَ حتّى شبحت يداه، لكي تتدفّأ أضلُعَه، وتحتمي من صليل لا يطاق. فاستفرد البرد بوجهه الملتحي و قدميه.

        هبط المدينة من بوّابتها الغربية . يتنقل بتثاقل . وسط أزقّة المدينةِ وشوارعِها، التي اقفرت من اُناسها. وعصاه ذات العقب الحديدي ، تقرع وجه الإسفلت. وتصدعُ صمتَ ألليل . فيوحى للسامع اللآئذ بثقل دثاره.: إيقاع عصا قيس الرتيب، الذي : ما استطاع أن يرسم ، على أديمه ، بيت شعر واحد، أو حرفا يناجي به ليلاه.فاستعاض بالقرع. كأنه يحاكي الليل الموحش، و الصمت المطبق. وتباطؤ خطواتِه. في ليلٍ : أثقل أجسادا منهكة، لكلاب هدّها اللإملاقُ و الإجهادُ من سهر حراسة الليل الأسود.

وأُخرى .. تترك وقعاً خافتا لأطرافها . ماضيةً في البحث، عن ملاذ دافيء.  ليس عدا هذا  بقادر على خرم إهاب الليل وبلواه .

        حتى  قيس  ابتلع لسانه. وحبس نطقه. وبات البكم في هذه المدينة سمة متحركة. محسوسة الأبعاد توحي : بأن لها أبعادا لونية ولها ملامح.

        ربما هو البرد. ربما هو إهاب الليل . وعقم الزمن .. أو ثكلان نجومه.

    لا يروقُه.. إلاّ أن يتلفّع . فاحتضرت الأنوار شيئا إثر شيء. وبات لاينتهك حرمة ذلك: سوى .. ذبالةُ حمرة ذاوية، لضوء قزّمه البرد.تهتك كلكله عصا قيس و قدماه . وهمهمةُ كلاب... شبه نافقة. غيرها هجع يصرعات مؤلمة. من ثقل حندسٍ مقرور،كأن المدينةَ خلدت إلى غيبوبة، بعد إجهاد و تشنجات. كأنّها تتوائم مع محنة قيس. ليس واضحا: من هو المغلوب..مغني المدينة أم هي؟

      ألقى الظلام اهابه الثقيل ، مثل حيوان إسطوري، يلتف على جسد المدينة و يفترسها بدم بارد.

      وقيسُ لا يعبأ بشيء . لا وجود لشيء يخشى فقدانه. فتمضي خطواتُه لا تتهيب من شيء. يقرع بعصاه وجه الليل. البرد يقلب قرعاتها.. إلى كراتٍ زجاجيةٍ . ماضية بإيقاعها. فيبتلعُه الظلامُ  بالتعاقب.

      حتى إمعانَ خطواته إلى ( مقهى عبيد )، الراكنة قبالة ( جسر يافطات الموت ) تتواقح مع الدجنة المأتمية . التي تداعت و هيمنت على قاع النهر المرعوب.

      ظل البردُ يجثم على جسد المدينة ، ويفترسُها بين قوائمه. و الدجى .. الذي ما عُرف لشلاّله مثيلا.. أطبق عليها بنواجذه الحديدية.

ألآن..هاهنا.. مكثت الأرائك المترملة. مجافية.. وجه النهر الطحلبي . متطلعةً ببلادةٍ: إلى حلكة جثت على كل شيء.

    وقيس.. ينفرد واقفا ، كأنه يحصي الخسائر، أمام هذا الخلو ، من الأرائك المتداعية . بلا أقداح شاي ساخنة ولا صديق. ولا.. قدحةِ ذهنٍ معافى.لكي يرضى بغياب ذلك، و ينسى احتفالاته ، بشاي من يد ( قنبر) و نداء  ( عبيد ) الجهوري، وهو يتنقّل بطبلات الشاي بين الروّاد، و يهتف: ( ثلاث شايات. صار أربعة للأساتذة. شاي خامس للعاشق ) . فيحتسي بشرود و يمضي.

      لم يهمل قيسُ ما اعتاد عليه . وواظبت يدُه على رفقة الجريدة طوال أعوام، طواها الزمن ، وحتى هذه .

      يقلب الصفحات المهترئة، وصوت عبيد يهتف : ( ماذا تقول الجرايد ؟ ).حينئذ... يلُقي إليه بنظرة ساخرة ، و ابتسامة صامتة غامضة ،التي خلّدت كالوشم على شفتيه.

      يواصل قيسٌ صمته. يبحث عن ليلاه المتوارية. فتوارى هو حالما بتلك الفتاة التي ، كان قد استلقى فوقها النور.. و أغراها أن تذوب، وتخلد في ذهنه ابتسامتها. ، فوق ذلك الوجه المكلثم الحكيم. ابتسامة اللقاء الروحي .. معا في رحيل إلى عالم  قزحي.

    ترى.. أين صفا بها النور؟ هل ذابت به و انتشرت؟أم تلاشت في مجاهل هذا الكابوس؟

   لا يعرف شيئا قيس . هو خارج عجلة الزمن ، فعافته أشداق المفترس الإسطوري. ربما زهدا به ، فما دام لايملك شيئا.. لا يخسر شيئا.لا الليل من قبل و من بعد.. ولا النهار الذي جفته الشمس، و تلفّعت عنه بسفي الغبار.

       أمعنت الكرات الزجاجية ، تسقط وتنط،. لا يدرك إن مصدرها عصاه. أو البرد ، أورزايا يرميه بها دهره.

       مضى محاذيا كتف النهر ، الرافل بردائه الكئيب. مضى حتى ملاذَه الليلي.

في أجمة القصب.

      وركن جسده ، إلى حائط طيني ، اعتاد أن يأوي إليه. ويتّكيء أمام موقده ، طوال مدّة اختلائه بأرقه.

       في مثل هذا،لايصعب عليه العثور  على فتات وقدة، من نفايات يتوقد يها، درءا من حلكة الظلام، و صليل البرد، الذي لم يألفه قط . ثمّة نقاطٌ مطريةٌ متأنية ، كانّها تستطلعُ مساقطَها.

       قطرات المطر واظبت تلسع وجهَه ، فيحاول إضرام النار. لكن الهمي يزداد. فيذوي موقدُه .

       يقاوم ذلك باستماتة. لكن انهمار المطر يغزر. ويدبُ المطرُ يخترقُ معطفَه . ينظر منشدهاً إلى غطائه المبتل كأن الهطلَ قد جن. فكان عليه .. أن يتحرّى عن مكان يلوذ به.

 

       ألآن .. ترتعد فرائصه. من الواضح: إن البلل يتسلل إلى جسده. سارعت قرعات عصاه تصفع وجه الإسفلت. ماضيا .. صوب مكتبة ( حميد أبو الجرايد ). أسنانه تعزف على نحو أخرق. ولأوّل مرة ، وبعد أعوام مضت، تفوّهت شفتاه: ( إشّشش ......اه،كم هي باردة ).

       مضت شوارعُ المدينة تغتسلُ و تطمي بتواصل . لا يبدو ثمّة صوتٌ، سوى وقع أطراف الكلاب، تخوض غدران المطر..لاهثة مسرعة كأنها حراس صمت الليل.

      ( هذه هي مقهى عبيد ). تفرّس قيس بالأرائك، كيف تنهطل بإيقاع مقرور. فأمعن بخطاه منعطفا يمينا داخل السوق.. باتجاه مصبغة  .

     يصل سوق الذهب. يستضيءُ بمقدحته، بين حين و آخر. ينعطف شمالا. لايعثر على موقدٍ ولا عسسٍ . ينعطف سوق الصفّارين . يقف أمام موقدهم  ينادي بصوت مقرور: أما هنا بقايا  من موقد.ينادي :هل خبت مواقدكم بأجمعها؟

 يصل مقهى علاوي التي تواربت أبوابها و تلاشت أنوارها .

      يتواصل سيرُه حتى الجامع الكبير، ينادي على خادم الجامع:

 - ( يا شيخ .. جئت أطلب نارا ).

     لم يعد يسمع جوابا....

يعود مرتعدا بصوت مسموع . تتردد على لسانه نبرةٌ فيها بقايا من صفاء صوته.:  ( جئت أطلب نارا ...  أ خبت نيرانكم جميعاً ؟) .

      يعلو ارتعاده ، و يبتل بخرير لحافه . نقعت ثيابُه تماما :

- (ليلى .. هذا قيس ، جاء يطلب نارا ) .

صاح بصوت جريح.

      الجرائد المحشوّة في بطانة سترته، باتت عبئا ثقيلا مؤذيا، بفعل تشبعها بماء المطر. لم يعد لديه ما يحتمي به. واصل نداءَه :

-( ليلى ........ هذا ابن عمك قيس، ما في بيته النار ) .

       أسرعت خطاه مثل طارق الليل. وخاضت عصاهُ بوشيل المطر. تحوّل ارتعاده بما يشبه العزف. وتعالى استنجادُه المهووس :

- ( ليلى...... إفتحي الأبواب يا ليلى ... افتحي النور . دعي النور يضيء الطريق يا ليلى... ) .

      صوتٌ أجشٌ جريحٌ ، لم يتنصل من أصالته. غضبت نبراتُه و استفزّتها وحدانيتُه.

      خاض الغدران.. قارعا صفحات الصمت المقرور . مستعينا بذبالةِ مقدحته. فيتواصل الهطل .كأنّه خيولٌ مذعورةٌ ، تحررت أعنّتُها. ودَكّت بحوافرِها قمرات الأسواق :

- ( ليلى .. هذا ابن عمك قيس ) .

       كان صوتُه يتعثّر بين قمرات الأسواق ثم يتلاشى .

       أسرعت خطاه المرتبكة ، ترتطم و تتعثر في حلكة الظلام، الذي بدا : سيّدا.  كان يُطبقَ بعنف على ممرات الأسواقٍ. فتعالى صوتُه الغاضب:

- ( هل سمعتم في حياتكم : إن خيلا تدك بسنابكها قمرات الأسواٌق ؟ أرأيتمُ أضراسا مجنونةً  كتكشيرتها؟ أسمعتم صهيلَها المتوحش ؟ أرأيتمُ أجسادها.. كيف تُدرع بعضُها ببعض ، كأنها حلكةُ الليل؟

        أرأيتمُ : أن ليس هنا سوى خطوات الكلاب التي تسيّدت منافذَ الليل؟ أرأيتمُ كيف أهملتم قيسَكم مقروراً بلا ملاذ ؟ ).

        توالت صفعاتُ عصاه المدوّية على واجهة الحوانيت. كان دويا مستضاما  لايُطاق . لكن من استيقظوا تجاهلوا ذلك. واقصى ما أدركوه : ( أن قيسا قد تعاظم جنونه ).

     ما الذي يفعله قيس؟...

  تخلّى عن أشيائه قطعة قطعة . استغنى عن دثاره .  ارتد إلى سوق الفواكه . استضاء بمقدحته، متفرّسا بذلك الحانوت، المخلوع الباب، الذي اكتظ بالحلفاء الجافّة.ثمة مجموعة من الكلاب لا تنوي   التزحزح،  يتقدم باتجاه ملاذها فيهشّهن يعصاه لكنه فوجئ بهجمتهن من كل جانب. وقد أصاب بعضهن بضربات مميتة. غير أن أشرسهن قد اخترق التهيب ، فاقتحم مقاومته . و الكلاب الأخرى تحاصره، فلم تسعفه يده ولا الظلام الذي حال دون استعادة العصا التي ابتعدت عنه بفعل تدحرجه .

حاول أن يلوذ بالسلال ، فلم ينل سوى مخارطها. دون أن يكون بمقدوره :أن يشاهد غصناً واحداً لينتزعه .

تقهقر بارتباك ، على أملِ أن يحتمي بشيء، حتى لو كان قبضة من قش . فلم يسعفه وقته. لأن الكلب قد التف مطوقاً حركته. فوّت عليه أية فرصة.. فضاقت عليه سبل الخلاص .

فاز الكلب بنيل فخذه، منتفضاً به . كأنه يمعن .. أن يقتطع، ما أمسكت به أنيابه .

    أرتبك أكثر، متلافياً أن يركع أمامه . فاسند قفاه إلى الجدار، متجاوزاً اندفاعة الكلب، لكي يكون بوسعه ، أن يبتعد أكثر . بينما ظلت يسراه  تهش الأخريات .

   الكلب الكبير يمعن باقترابه أكثر من بغيته . أن يكتسب نقاط ضعفٍ أُخرى .. فيطلق هريراً مزمجراً. و الكلاب التي هي أقل اندفاعاً، أمسكت بأذياله ، لتحجم دفاعَه، و يقفن بين حين و آخر مكتفيات بالنباح ، و ترقب ذلك الصراع ، كأنهن ملتزمات بأدوار .

    روّعته تلك اللحظات .. كفرد مستلب ، لا يملك عوناً سوى يساره.التي تحاول أن ترعبهن ، و تحيد البقية  بجهد مشتت ، يفتقر لفرصة متكافئة ، و الكلب الكبير يمعن باختراق الجوانب الأكثر ضعفاً .

ألأنفاس المتوحشة ، تلهب وجهه. و الأنياب الشرسة، توشك أن تطبق على رقبته . فيهشّه بيساره . يحتوي الكلب ذراعه بين أنيابه، و ينتفض بها نفضاً .

   يدفع بيمينه تلك الرقبة المشعرة  المتوحشة، ليبعد الأنياب الضارية ، و يطبق عليها بكل ما أُتي من قوة ، آخذاً بخناقه .

يزداد استماتة بمقاومته ، ألتي تشبثت بحب البقاء . كأنه يستشرس بوجه شراسة الكلب . كأنه يستميت و يتصلب كالحجر . و يفزع إلى حالة التوحش . ويتدرع بصوت.. قٌدّ من لغة ليست بآدمية . صوت قد استلّه من عالم سحيق . عالم التفاهم باختراق اللحم و تذوق .. مذاق الدم . كي يتعامل . بما هو من لغة التوحش و الضراء البغيض . بصوت . و كفٍ.. و تكشيرة  :من سلاح خارق لا إرادي  ينكفئ بها  : إلى روح البدائية و التخاطب بسيادتها آنذاك .

    فلكي يواجه تلك الهجمة : جرى ابتلاع التحسس بألم اليد . حينئذ  .. أمعنت اللحظات  تترادف كالشهب  بما لا يتوقع . فبرقت بسياقات حدثية ، تومض بذهنه الذي استعاد بعض صفائه . فتنفلت ذراعه من فم الكلب لتعزيز مقاومته ، و لكي يتجاوز دائرة الحصار الوحشي ، يُطبق بكلتا يديه على الرقبة و يستميت بذلك . ثم تستدير ساقاه بحركة واعية ، و يُحكِمْ سيطرتَه على العنق ، ثم يطرحه أرضاً ، و يعتلي بثقل جسده من فوق رقبته ، ليزيد من خناقه . وعبر زمن مجهد ٍ، لا يذعن إلى سطوة مخالب الكلب الجارحة . و عبر هذا الصراع الدامي .. يستحيل الكلب إلى جثة هامدة .و الكلاب الأُخريات تُولّي الأدبار .

حين استرد أنفاسه المتلاحقة .. عاد ليبحث في بقايا ثيابه الممزقة  و استل مقدحتَهُ و لفافة ولّعها بيد مرتعشة مألومة ، ثم جمع كل ما أمكنه من حطام الحلفاء و أضرم النار .

      بدأت النار تضطرم . اقترب أكثر. أسفرت تلك الظلمة عن أسواق مقفرة . استكان للدفء. فأتاح ذلك لقيس : أن يتعرّى عن ثيابه المبتلّة و يريح جسده .

       ألسنة النار تمتد إلى كل شيء قريب . المهم أن يتدفّأ أن يغمض عينيه ولو إلى حين . فأحس : أن الوهج يداعب جفنيه. كان الهشيم يحترق و يتلاشى سريعا. كأنه عزومٌ  أن يضطرم . فواصلت ألسنة النار زحفها. راقبها بنصف إغماضة. كأنها امرأةٌ متوهجةٌ، هي ليلى . إرجوانية ، شعشعت غلالتُها بنور خاطف.وشعرٍ كحقلٍ ذهبي. أقبلت بذراعينٍ مشرعتين، لكي تُطبق عليه بشوق شبقي طاغ ٍ .

      استلقى هو بطوله ، لكي يترك لها انفراجا رحباً ، نحو جسده المتعب المقرور.، لينغمر بكامله في لظى قلبها .

      كان التوهج يخطف بصرَه و يؤذيه ، فيتزحزحُ نحو عمق مأواه.مفسحاً للهفتها متسعاً، لكي تتقدم وتغمره بقبل ناريّة.    و تطفيء لظاها في جسده.    والأيدي النورانية، تسدل على بوّابة الملاذ.. غلالةً من سحبٍ بيضاء.

كان مشهداً عرسياً.. تكتمل طقوسه سرّا . وأن تتألّق القناديل ، بإتّجاهات شتّى .

       أمعن الأجيج .. يدفع بأعمدته المضطرمة. و سقف السوق يتزحزح، لكي يدفع بسطوع.. يجلو حلكة المدينة، و يمد ألسنته باتجاه السماء.

     المدينةُ ترقدُ، في عزلةٍ عن هذا الاحتفال. لكنها ..تهجس في عمق نواح مطري ثقيل: إن ثمة استغاثةٍ مبهمةٍ ، لنداءٍ مستضام، تعالى على نحوٍ موجع.

 

 

10/شباط/2002

·        المقاطع جرى تصرف الكاتب بها من مسرحية شعرية لأحمد شوقي عن قيس وليلى.

·         النسخة منقحة




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=13763
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2012 / 02 / 02
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 12 / 11