• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : ركبُ الخلود ((4)) .
                          • الكاتب : السيد محمد علي الحلو ( طاب ثراه ) .

ركبُ الخلود ((4))

ويحط رحل المنية في أرضٍ لم يوافها من قبل، ويترجّل من جواده يأمرهم بالنزول، فقد استقرت به رحلة الخلود إلى حيث کربلاء.. ويتطلّع مليّاً بعد أن جمع ولده وإخوته وأهل بيته.. وينظر إليهم مشفقاً ممّا سيحلّ بساحتهم من القتل على أيدي هؤلاء الذين ازدلفوا لحربهم فيقول:
«اللّهم إنّا عتره نبيّك محمد، فقد أخرجنا و طُردنا و أزعجنا عن حرم جدنا، وتعدت بنو أمية علينا.
اللهم فخذ لنا بحقنا، وانصرنا على القوم الظالمين»
وأقبل على أصحابه فقال:
«الناس عبيد الدنيا، والدين لعقٌ على ألسنتهم، يحوطونه ما درت معائشهم، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون»
ثم حمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد و آله وقال:
«إنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِنا مِنَ الأمْرِ ما قَدْ تَرَوْنَ، وإنَّ الدُنْيا قَدْ تَنَكَّرَتْ وَتَغَيَّرَتْ وأدْبَرَ مَعْروفُها، ولَمْ تَبْقَ مِنْها إلا صَبَابةٌ كَصَبابَةِ الإناءِ، وخَسيسُ عَيْشٍ كَالْمَرعي الْوَبِيلِ، ألاَ تَرَوْنَ إلى الحَقِّ لا يُعْمَلُ بِهِ، وَإلى الْباطِلِ لا

يُتَناهى عَنْهُ، لِيرْغَبَ الْمُؤمِنُ في لِقاءِ اللهِ، فإنّي لا أرى المَوت إلا سَعادَةً وَالْحَياةَ مَعَ الظالِمِينَ إلاَّ بَرَماً»
ولم يفت الأنصار أن يعبروا عما تكنه ضمائرهم من التسليم لمصيرهم المحتوم، وما وطنوا أنفسهم عليه من المنازلة شجعاناً شرفاء، ولأمر سيدهم أوفياء، مستجيبين لدعوته، فرحين بما آتاهم الله من العزة والكرامة.
قام زهير يسمعه جميع أصحابه، ومن حضر من أهل بيت الحسين عليه السلام فقال:
(لقد سمعنا یا بن رسول الله مقالتك، ولو كانت الدنيا باقية و كنا فيها مخلدين لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها)
وشيخ قراء الكوفة وفقيهها ينبري هاتفاً على بصيرة من أمره وأمر أصحابه:
(یا بن رسول الله، لقد من الله بك علينا أن نقاتل بين يديك فتقطع فيك أعضاؤنا، ثم يكون جدك شفيعنا يوم القيامة)
أجل- والله - إنها منة الرب و کرامته عليكم أيها النبلاء، ترفلون بعزة الجهاد بین یدی سیدکم، و تدافعون عن حمی دین جده، فليس على وجه الأرض من يستشعر مصيره المحتوم مثلكم، وينتظر ما سيحل به فرحاً مستبشراً.
لم يكن نافع بن هلال قد اكتفى بما سمعه من بيعة الأبطال لسيدهم، في صدره شيء يعتلجُ يخفيه، وقد حل وقت البوح به والحديث عنه:
(أنت تعلم أن جدك رسول الله لم يقدر أن يشرب الناس محبته، ولا أن يرجعوا إلى أمره ما أحب، وقد كان منهم منافقون يعدونه بالنصر، ويضمرون له

الغدر، يلقونه بأحلى من العسل، ويخلفونه بأمر من الحنظل حتى قبضه الله إليه، وأن أباك عليا كان في مثل ذلك، فقوم أجمعوا على نصره وقاتلوا معه الناكثين والقاسطين والمارقين حتى أتاه أجله، فمضى إلى رحمة الله ورضوانه، وأنت اليوم عندنا في مثل تلك الحالة، فمن نكث عهده وخلع بیعته فلن يضر إلا نفسه، والله مغنٍ عنه، فسر بنا راشداً معافی، مشرّقاٌ إن شئت أو مغرباً، فو الله! ما أشفقنا من قدر الله، ولا كرهنا لقاء ربنا، وإنا على نياتنا وبصائرنا، نوالي من والاك، ونُعادي من عاداك)
تاريخٌ مليءٌ بالغدر، وملاحم حافلةٌ بالخذلان، ونافع بن هلال و أمثاله على عهدهم أوفياء، ولبيعتهم صائنون.. وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي بن أبي طالب عليه السلام لم تحفل ساحتهم بأشاوس أقاعس، فإن الحسین ابن علي يقدم إلى تاريخ الجهاد والإثرة والوفاء أصحاباً له أشاوس أوفياء، وأقاعس نبلاء.. .

_________________
كتاب: أنصار الحسين عليه السلام
العلامة السيد محمد علي الحلو (طاب ثراه)




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=137582
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2019 / 09 / 07
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 04 / 19