• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : التكنولوجيا تخترق المركزية قراءة اقتصادية .
                          • الكاتب : مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية .

التكنولوجيا تخترق المركزية قراءة اقتصادية

حامد عبد الحسين الجبوري

شهد العالم تطوراً كبيراً في الثورة المعلوماتية منذ الربع الأخير من القرن المنصرم، والذي انعكس بشكل واضح على تكنولوجيا المعلومات وبالخصوص تقنية "block chain" التي ستكون بمثابة ركيزة أساسية لثورة صناعية جديدة سيشهد العالم على إثرها تغيراً كبيراً في مجالات عديدة وأهما مسألة المركزية وعلاقة المواطن بالدولة والاقتصاد.

ففي الغالب تمارس الدولة دوراً ما في الاقتصاد يجعلها تمارس المركزية بنسبة ما تؤثر على اداء الاقتصاد، فكلما تكون هذه النسبة كبيرة يعني شل حركة النشاط الاقتصادي القائم على القطاع الخاص والعكس صحيح، إذ ان المركزية والقطاع الخاص لا ينسجمان معاً إلا في إطار تقليص المركزية وفسح المجال امام القطاع الخاص والعمل تحت إشراف الدولة لضمان عدم انفلاته.

ان مسألة المركزية الاقتصادية دائماً ما تترافق وتكون على اشدّها في النظم السياسية ذات الصبغة الشمولية، وأخف تركيزاً في النظم الديمقراطية، وعلى الرغم من سقوط الاتحاد السوفيتي وأخذت المركزية تتقلص شيئاً فشيئاً بالتزامن مع توسع وتبني النظم الديمقراطية من قبل أغلب دول العالم، إلا إنها (المركزية) لاتزال حاضرة في كثير من الحكومات والشعوب ومنها الشرق الأوسط.

بلوك شين بداية اختراق المركزية

تزامن مع سقوط الاتحاد السوفيتي وتبني الديمقراطية منذ الربع الأخير وحتى الآن، ثورة المعلوماتية والاتصالات التي انعكست على تكنولوجيا المعلومات فيما بعد وصدور تطبيق "بلوك شين block chain" في الربع الأول من القرن الحالي الذي لازال حديث العهد ولا يعرف عنه شيء إلا القليل من أصحاب الاختصاص فضلاً عن عامة الناس!

ان صدور هذا التطبيق هو بمثابة بداية اختراق المركزية التي تمارسها في الغالب الدولة في أغلب الأنشطة على اعتبارها الطرف الثالث في أي معاملة يمكن أن تتم بين شخصين، وستضمحل المركزية شيئاً فشيئاً تزامناً مع شيوع هذا التطبيق استخداماً من قبل الأفراد والحكومات.

بمعنى آخر انه في ظل شيوع استخدام هذا التطبيق سينتفي دور الوسطاء الذي تمارسه الدولة في الغالب ومن خلاله تمارس المركزية، لان الفكرة الرئيسية لهذا التطبيق هو التعامل المباشر بين البائع والمشترى، مستلم الخدمة ومقدم الخدمة، دون الحاجة لوسيط ثالث كالبنوك والأسواق المالية ودائرة الطابو...وهذا ما سيؤدي إلى تغيير كبير، حتى وصفه البنك الدولي بأنه "ركيزة الثورة الصناعية الرابعة، حيث تماثل تقنيات المحرك البخاري والانترنت اللذين أطلقا العنان لثورات صناعية سابقة"

انخفاض الكلف وانحسار الفساد

بالإضافة إلى اختراق المركزية، هناك مزايا عديدة تزيد من أهمية التطبيق أهمها انخفاض الكلف والشفافية خصوصاً في الوقت الحاضر الذي أخذ الفساد يشكل ظاهرة عالمية تعاني منه أغلب دول العالم وبالخصوص الدول النامية، لأسباب عديدة تجدر الإشارة إلى أهمها وهي ذاتية تتعلق بالنظرة الكونية وهدفية المال والمادة بدلاً من وسيلته وغياب القيم الإنسانية والمبادئ الأخلاقية، وأخرى موضوعية تتعلق بتراخي وسائل المكافحة وهذا ما يفسح المجال للنفس البشرية غير المنضبطة في الدخول لعالم الفساد.

ان غياب دور الوسطاء والانتقال من العمل التقليدي إلى العمل الحديث وفقاً لتكنولوجيا المعلومات وبالتحديد تطبيق "بلوك شين" سيفضي إلى توفير حجم كبير من التكاليف التي كانت تبذل في ظل العمل التقليدي من قبل المتعاملين فيما بينهم، كأجور النقل والأوراق والأقلام والاستنساخ والرسوم ...إلخ، من جانب والتكاليف التي كانت تبذل من قبل الوسطاء (المركزيين)، من قبيل تخصيص الأراضي وإقامة الأبنية وشراء المستلزمات وتعيين الموظفين...إلخ من أجل التوسط بين البائع والمشتري، مستقبل الخدمة ومقدمها، من جانب آخر.

ان معالجة الفساد وتوفير التكاليف فضلاً عن سحب البساط من تحت الدولة ومركزيتها، ستنعكس هذه الأمور بشكل إيجابي على حياة المواطن والمجتمع، فبدلاً من ارتفاع تكاليف الإنتاج والاستهلاك بسبب الفساد وإنفاق الكثير من الأموال المتعلقة بالوسيط لإتمام معاملة ما، سيتم توفيرها وتوجيهها نحو مجالات حقيقية كالاستثمار في التعليم او الصحة او البنى التحتية أو تطوير المهارات...إلخ، وبحرية تامة بحكم تقليص المركزية إلى أبعد حدودها.

مثال توضيحي

ولتوضيح المسألة بشكل أكبر نسوق المثال الآتي:

العمل التقليدي: شخص ما يريد أن يشتري قطعة أرض من شخص آخر، وفق العمل التقليدي يحتاج كلا الطرفين أن يذهبا إلى طرف ثالث "دائرة الطابو" حتى يتم التأكد من موثوقية البائع في ملكيته للقطعة وتجنب الغش والاحتيال، ثم العمل على نقل ملكيتها في هذه الدائرة وبشكل رسمي للمشتري بعد الاتفاق على المبلغ المحدد بينهما. في هذه الحالة، ستنفق الكثير من الأموال من قبل البائع والمشتري ودائرة الطابو فضلاً عن هدر الوقت، لإتمام المعاملة بشكل كامل خصوصاً في البلدان النامية.

العمل الحديث (بلوك شين): في ظل تطبيق هذه التقنية ستنتفي الحاجة من الذهاب إلى طرف مركزي ثالث في مكان محدد، وهذا ما يعني توفير التكاليف التي كانت تنفق وفق العمل التقليدي فضلاً عن توفير الوقت الذي يعد أثمن شيء لان إنجاز معاملة شراء القطعة ستتم بشكل مباشر بين البائع والمشتري من خلال هذا التطبيق، بالتزامن مع الامان والموثوقية التي يتمتع بها بعيداً عن الغش والاحتيال.

توصيات

وبناءاً على ما سبق، كل من يريد تخليص الأفراد والشعوب وتحريرها من المركزية لا بُد من العمل على الآتي:

أولاً: التعرف على تقنية ال "بلوك شين" ودراستها بشكل خاص في جامعات ومعاهد ومراكز بحثية متخصصة لهذا الأمر.

ثانياً: تثقيف المجتمع بهذه التقنية من خلال توعيته بالآثار الايجابية التي تنعكس عليه عند العمل على استخدامها بشكل واسع.

ثالثاً: قيام منظمات المجتمع المدني بربط الجهات المتخصصة في هذه التقنية سواء كانت محلية أو إقليمية أو دولية بالمجتمع بغية تثقيفه وتوعيته لاكتساب آثارها الايجابية، وذلك من خلال عقد المزيد من الحلقات النقاشية والندوات الحوارية والمؤتمرات التثقيفية وغيرها.

رابعاً: وضع مادة تدريسية مبسطة تتناول المبادئ العامة لتقنية "البلوك شين" على اعتبار ان هذه التقنية سيحتاجها الجميع والخريجين من باب أولى على اعتبار انهم سيدخلون لسوق العمل.

خامساً: العمل مع الجانب الإعلامي بمختلف أشكاله المرئي والمسموع والمقروء، لتناول هذه التقنية من حيث التعريف والأهمية وكيف ستنعكس على المجتمع الذي يطبقها بشكل واسع.

 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=137465
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2019 / 09 / 03
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 11 / 17