• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : حيرة المخالفين في حل عقدة انكار الصحابي ابن مسعود لقرآنية المعوذتين . .
                          • الكاتب : محمد اللامي .

حيرة المخالفين في حل عقدة انكار الصحابي ابن مسعود لقرآنية المعوذتين .

جاءت الاخبار الصريحة المضمون الصحيحة السند في مصادر المخالفين المعتبرة تبيّن ان الصحابي عبد الله بن مسعود كان ينكر كون المعوذتين من القرآن الكريم ويحكهما ويزيلهما من المصاحف !
وهذا الامر اوقع علماء اهل الخلاف في حيص بيص فجعلهم بين خيارين إما ان يتنازلوا عن تواتر القرآن او بعضه في الاصل اي في صدر الاسلام وعصر الصحابة وانه نُقل بالآحاد وبالتالي عدم كونه قطعي الصدور ما يترتب عليه عدم حجيته القطعية او ان يتنازلوا عن عقيدة عدالة جميع الصحابة باعتبار ابن مسعود انقص عن عمد شيئاً من القرآن وبالتالي يكون كافر لانهم يكفّرون كل من انقص ولو حرف واحداً من القرآن !
وفي مواجهة هذا العقدة الصعبة كما وصفها الرازي في تفسيره اتخذ علماء اهل الخلاف عدة مواقف للخروج من هذه المشكلة .
فطائفة منهم مثل الرازي لجأوا الى تكذيب الاخبار رأساً من دون الخوض في التفاصيل وزعم انه حلّ العقدة بذلك ! .
....
وإليك كلام الرازي في تفسيره ج1 ص198
( ... نقل في الكتب القديمة أن ابن مسعود كان ينكر كون سورة الفاتحة من القرآن ، وكان ينكر كون المعوذتين من القرآن ، واعلم أن هذا في غاية الصعوبة ، لأنا إن قلنا إن النقل المتواتر كان حاصلاً في عصر الصحابة بكون سورة الفاتحة من القرآن فحينئذٍ كان ابن مسعود عالماً بذلك فإنكاره يوجب الكفر أو نقصان العقل ، وإن قلنا إن النقل المتواتر في هذا المعنى ما كان حاصلاً في ذلك الزمان فهذا يقتضي أن يقال إن نقل القرآن ليس بمتواتر في الأصل وذلك يخرج القرآن عن كونه حجة يقينية ... والأغلب على الظن أن نقل هذا المذهب عن ابن مسعود نقل كاذب باطل ، وبه يحصل الخلاص عن هذه العقدة ) انتهى كلام الرازي !
...
وهذا الجواب من الرازي غير لائق بأهل العلم لأن غاية ما فعله هو ادعاء دعوى من غير دليل في قبال دعوى اخرى مُسندة بدليل صحيح السند صريح المضمون , وكان عليه ان يذكر الكتب التي أبهم اسمائها التي روت مذهب ابن مسعود ثم يذكر تلك الاخبار ويبين كذبها وبطلانها وفق السياقات العلمية لا ان يتهرب من الموضوع بهذا الشكل . وذلك لان الاخبار التي روت انكار ابن مسعود لقرآنية المعوذتين صحيحة السند وحفلت بها مصادر معتبرة لعلماء متقدمين زمانا عن الرازي فقد رواها احمد بن حنبل في مسنده(1) والحميدي في مسنده (2) والبخاري في صحيحه (3) والطبراني في معجمه الكبير (4) والبزّار في مسنده (5) وغيرهم .
......
واما الطائفة الثانية من علماء اهل الخلاف ومنهم البخاري في صحيحه فقد واجهوا هذه المشكلة بطريقة عجيبة وهو انهم قاموا بالتلاعب بمضمون الخبر وافراغه من محتواه هروبا من المشكلة حيث نجد ان البخاري في صحيحه باب ( سورة قل اعوذ برب الناس ) رقم الحديث ( 4977 ) قام بحذف عبارة ( عن المعوذتين ) تماما من الخبر وقام بحذف عبارة ( يحكهما من المصحف ) ووضع مكانها عبارة ( كذا وكذا ) فاصبح الحديث بلا معنى , والحديث موجود في مسند الحميدي شيخ البخاري برقم ( 378 ) رغم ان سند الحديث واحد عند الاثنين ! , لكن البخاري عندما نقل الخبر من مسند شيخه واستاذه عبد الله بن الزبير الحميدي كان امام مشكلة عويصة فاذا روى الخبر بتمامه لزمه اما التنازل عن تواتر القرآن في عصر الصحابة ويترتب عليه عدم حجيته القطعية واما تكفير الصحابي ابن مسعود ويترتب عليه هدم نظرية عدالة جميع الصحابة والتي تعتبر ركنا ومبدأً اساسيا بُني مذهبهم عليه ! , وجدير بالذكر ان البخاري استعمل هذه الطريقة وهي التلاعب بمتون الاخبار للتخلص من مضامينها التي تخدش عقائد مذهبه في اكثر من موضع وبالتالي خان الامانة العلمية وقدّم مذهبه ورأيه الشخصي على الحقيقة وكمكافئة له على ذلك تم جعل كتابه الثاني في القدسية بعد كتاب الله !
وإليك حديث الحميدي سالما من التحريف وكذلك الحديث من صحيح البخاري بعدما قام بتحريفه :
....
.... الحديث من مسند الحميدي شيخ البخاري من دون تحريف
....
مسند الحميدي – مسند ابي بن كعب – رقم الحديث ( 378 ) ( بحسب طبعة دار المغني للنشر والتوزيع )
( حَدَّثَنَا الحميدي قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ أَبِى لُبَابَةَ وَعَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ أَنَّهُمَا سَمِعَا زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ يَقُولُ : سَأَلْتُ أُبَىَّ بْنَ كَعْبٍ عَنِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ فَقُلْتُ : يَا أَبَا الْمُنْذِرِ إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَحُكُّهُمَا مِنَ الْمُصْحَفِ. قَالَ : إِنِّى سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ :« قِيلَ لِى : قُلْ. فَقُلْتُ ». فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-. )
....
الحديث من صحيح البخاري بعد قيامه بتحريف متنه لتضييع وابهام مضمونه !
....
صحيح البخاري – باب سورة ( قل اعوذ برب الناس ) رقم الحديث ( 4977 )
4977 - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ أَبِى لُبَابَةَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ وَحَدَّثَنَا عَاصِمٌ عَنْ زِرٍّ قَالَ سَأَلْتُ أُبَىَّ بْنَ كَعْبٍ قُلْتُ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا . فَقَالَ أُبَىٌّ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ لي قِيلَ لي . فَقُلْتُ ، قَالَ فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - .
...
وكما ترى فان الحديث نفسه حديث الحميدي و سنده واحد ! .
...
واما الطائفة الثالثة من علماء اهل الخلاف فقد واجهوا مشكلة انكار ابن مسعود لقرآنية المعوذتين بتأويلات واحتمالات بعيدة وذلك بعدما اعترفوا واقروا بصحة اسانيد الاخبار و صراحة مضمونها .
ومن هؤلاء العلماء ابن حجر العسقلاني في كتابه فتح الباري بشرح صحيح البخاري ج11 ص150 ( بحسب طبعة دار طيبة ) ,
قفال " ردا على الرازي وغيره الذين كذّبوا احاديث انكار ابن مسعود للمعوذتين " :
( ... وَالطَّعْن فِي الرِّوَايَات الصَّحِيحَة بِغَيْرِ مُسْتَنَد لَا يُقْبَل ، بَلْ الرِّوَايَة صَحِيحَة وَالتَّأْوِيل مُحْتَمَل ... ) وبعدما نقل استشكال الرازي المتقدم نقل التأويل الذي اجابوا به على الاشكال وقبله فقال :
(وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ كَانَ مُتَوَاتِرًا فِي عَصْر اِبْن مَسْعُود لَكِنْ لَمْ يَتَوَاتَر عِنْد اِبْن مَسْعُود فَانْحَلَّتْ الْعُقْدَة ... )
...
وهذا الجواب الذي نقله ابن حجر وارتضاه لا يكاد يصمد امام النقد العلمي وذلك لأنه فضلا عن كونه مجرد احتمال فهو غير وجيه لعدة امور :
الامر الاول : هو ان الصحابة لم يشترطوا تواتر سورة او آية في ذلك الوقت حتى يعتبرونها من القرآن بل اثبت زيد بن ثابت الذي امروه بجمع القرآن السور والآيات في المصحف بمجرد شهادة اثنين من الصحابة بكون ذلك من القرآن بل اكتفوا ببعض الآيات بشهادة شخص واحد ولم ينتظروا تحقق التواتر قبل اثباتها وحينئذ لا يصح القول ان المعوذتين او غيرهما من القرآن لم يتواتر نقلهما الى ابن مسعود لأن التواتر بالمعنى الذي يريدونه لم يكن مطلوبا وسيأتي في النقطة التالية نقل خبر مفاده كراهية الصحابة لابن مسعود على موقفه هذا ولو كان تصرفه امرا عاديا مستساغا وله العذر فيه فلماذا يكرهونه ؟! .
والامر الثاني : هو ما ثبت عن ابن مسعود من رفضه منذ البداية تكليف زيد بن ثابت بجمع المصحف وسخريته من قرار اختياره لهذه المهمة وعدم اعترافه بالمصحف الذي جمعه زيد والذي يفترض انه حصل على قبول الصحابة له او جمهورهم بما يجعله متواتر ومعنى ذلك ان ابن مسعود ينكر قرآنية المعوذتين حتى على فرض تواترهما او اعتبارهما من القرآن بشكل رسمي لأنه كان يحكهما من نسخ المصحف الذي تبنته السلطة وتم جمعه بإشرافها وبالتالي لا يبقى هناك احتمال ان القرآن او خصوص المعوذتين لم يتواترا عند ابن مسعود .
من ذلك ما جاء في سنن الترمذي بتحقيق الالباني ج5 ص 285 .
عن الزهري : فأخبرني عبيد الله بن عبدالله بن عتبة أن عبد الله بن مسعود كره لزيد بن ثابت نسخ المصاحف ، وقال : " يا معشر المسلمين أعزل عن نسخ كتابة المصحف ، ويتولاها رجل والله لقد أسلمت وإنه لفي صلب رجل كافر يريد زيد بن ثابت .
ولذلك قال عبد الله بن مسعود : يا أهل العراق ، اكتموا المصاحف التي عندكم وغلوها ، فإن الله يقول ( وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) فاتقوا الله في المصاحف .
قال الزهري : فبلغني أن ذلك كرهه من مقالة ابن مسعود رجال من أفاضل أصحاب النبي (ص) " .
قال الترمذي : " هذا حديث حسن صحيح "
تحقيق الألباني : صحيح , انتهى خبر الترمذي .

ويتضح من كلام الزهري الاخير ان ابن مسعود لم يلتفت الى من قال من الصحابة ان المعوذتين من القرآن حتى لو كان هؤلاء من افاضل الصحابة ولذلك كرهوه !.
وكذلك كان ابن مسعود يوصي الناس بإخفاء مصاحفهم والاحتفاظ بها حتى لا يتم اتلافها او تغييرها لتكون متوافقة مع المصحف الرسمي الذي اعتمدته السلطة كما هو صريح الخبر .
اضافة الى ذلك ان ابن مسعود اصرّ على رأيه بكون المعوذتين ليستا من القرآن كما روى احمد بن حنبل في مسند ج15 ص442 بإسناد صحيح , ولذلك كره افاضل الصحابة بتعبير الزهري رأي ابن مسعود ما يفسر عدم صحة مذهبه في رأيهم .

الامر الثالث : هو ان صحاحهم روت ان النبي صلى الله عليه وآله أمرهم بأخذ القرآن من اربعة من الصحابة وبدأ بابن مسعود مفضلا اياه على الثلاثة الباقين !
صحيح البخاري – باب مناقب ابي بن كعب .
3808 - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ ذُكِرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَقَالَ ذَاكَ رَجُلٌ لاَ أَزَالُ أُحِبُّهُ ، سَمِعْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - فَبَدَأَ بِهِ - وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِى حُذَيْفَةَ ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، وَأُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ ».

وقد استفاد ابن حجر افضلية ابن مسعود على هؤلاء الثلاثة في شرحه لهذا الحديث في كتابه فتح الباري (6) .
فكيف والحالة هذه يتم رفض رأي ابن مسعود لأنه لم يوافق رأي الصحابة مع ان المفروض ان الصحابة مأمورون بأخذ القرآن من ابن مسعود كما هو صريح خبر البخاري المتقدم ؟! .
وكيف يقال بعدم تواتر بعض القرآن عند ابن مسعود في الوقت الذي نجد فيه النبي صلى الله عليه وآله يأمر أو يندب الصحابة الى اخذ القرآن من ابن مسعود بشكل مباشر ؟!
وبالتالي فإن هناك ادلة وقرائن وملابسات كثيرة تضمنتها اخبار نفي ابن مسعود لقرآنية المعوذتين وغيرها تمنع صحة الاحتمال غير الوجيه الذي لجأ اليه ابن حجر العسقلاني وغيره للتخلص من هذه العقدة الصعبة .
وفي نهاية المطاف نود القول اننا نؤمن بعصمة القرآن عن التحريف وان الموجود الآن بين أيدينا هو كتاب الله الذي انزله على خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وآله ليس فيه زيادة ولا نقصان , ولكن العبرة التي نريد الفات النظر اليها هو ان بعض المذاهب اتخذت عقائد معينة من عند انفسها مثل عقيدة الصحابة وقدمتها حتى على كتاب الله ففي هذا الموضوع دار امر اهل الخلاف بين ان يختاروا إما ان يقفوا مع كتاب الله وبين ان يقفوا مع عقيدة عدالة الصحابة ومع الأسف وجدنا انهم يصرّون على التمسك بهذه العقيدة التي لا دليل عليها لا من قرآن ولا سنة حتى لو اقتضى الامر فتح باب التشكيك في القرآن وحتى لو كذّبوا الاخبار الصحيحة بل حتى لو دفعهم ذلك الى تزوير الاحاديث وخيانة الامانة العلمية ولو لم يلزموا انفسهم منذ البداية بعقيدة عدالة الصحابة لما اضطروا الى مثل هكذا امور يستحي من فعلها عامة الناس فضلا عمن يوصفون انهم كبار العلماء , ومن العجيب انهم يكفرون الاخرين بتهمة تحريف القرآن او عدم الاهتمام به او تقديم الائمة عليه ! , وعلى كل حال فان النبي الاعظم صلى الله عليه وآله لم يترك امته سدىً بل بيّن ووضّح لها طريق السلامة والامن من الضلالة عندما امرها بالتمسك بالقرآن والعترة الطاهرة وقرن احدهما بالآخر فالقرآن مع اهل البيت عليهم السلام واهل البيت مع القرآن , ولا نحتاج لا الى ابن مسعود ولا غيره والذي اضطرهم بموقفه هذا الى غمز القرآن والتشكيك بسلامة نقله من اجل الا تسقط عدالة وعصمة الصحابة .!

______________
الهوامش:
(1) مسند احمد تحقيق حمزة احمد الزين ج15 ص441
(2) مسند الحميدي ج1 ص367 تحقيق حسين سليم اسد
(3) صحيح البخاري باب سورة قل اعوذ برب الناس رقم الحديث ( 4977 )
(4) المعجم الكبير للطبراني (طبع مكتبة العلوم والحكم) ج9 ص234 رقم الحديث (9148 ) وغيره .
(5) مسند البزّار ج5 ص29 ( مطبعة العلوم والحكم ) رقم الحديث (1586 )
(6) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني ج14 ص210 – باب القرّاء من اصحاب النبي "صلى الله عليه وآله "
 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=137135
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2019 / 08 / 25
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 11 / 25