• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : عبق التضحيات وثمن التحدّيات .
                          • الكاتب : جعفر البصري .

عبق التضحيات وثمن التحدّيات

يتطلّع القرّاء في كلّ صباح إلى جديد الصحف وما جاء فيها من عناوين كثيرة وأخبار مثيرة. لكنّ صحف اليوم لا تتحدّث كثيراً عن المصلحين والمضحّين الذين غُيّب عطاءهم، وغفلت عنهم الأقلام بعد رحيلهم، فخمدت ذكراهم.
والمعضلة أنّ الكثير من العظماء والمصلحين لم يترك مدوّنة عن سيرة حياته قبل انقضاء أجله، بل تراه لا يكترث حتّى بتدوين الحوادث التي أثّرت بواقعه والصفعات الشديدة التي تلقّاها أبناء وطنه.
نعم، بعد مدّة من وفاته يقوم المقرّبون والمعاصرون بكتابة النواحي الخافية والجوانب المشرقة من حياته والمقاطع الجليلة والمفاصل الغريبة التي زامنت مسيرته.
وبنظرنا فإنّ هذا العمل بنّاء وهو بعد نوع من الوفاء.
ومن هذا المنبر نتقدّم بالشكر لمن شارك ودعم هذه الظاهرة، كما ندعو الأقلام المنصفة وشرفاء المهنة لسدّ النقص في إبراز سيرة الأخيار وتسليط الأضواء عليها، وخاصّة للفقيد الذي كان على مستوى المسؤوليّة المرجوّة والمنتظرة، والمؤثّر في نفوس المقرّبين له والمستمعين لمواعظه النافعة الخيرّة.
قد لا يعلم جيلنا الجديد كم كميّة الحزن التي تُصيبنا وحجم الألم الذي يكوينا حينما نراه لا يعرف قادته وعلماءه المصلحين، ونستغرب من انشغاله بأسماء الرياضيّين والفنّانين، ولم يحاول تمرير الأسماء الكبيرة - رجالاً ونساءً - من ذوي الخُلق النبيل والعطاء الثرّ والعلم الأصيل والمجد الأثيل على مسامعه ويجعلها أمام أنظاره.
علماً أنّ مجتمعنا يملك رصيداً هائلاً من هذه النماذج العطرة، لكن طوى الزمن ذكرهم، وقصّر أصحاب الأقلام بشأنهم، فاندثر عطاءهم، وتكدّر وجه العراق وعنوانه المشرق.
وما مقالتي هذه إلّا لنفض غبار النسيان عن رجل أعطى ما عنده وضحّى بمجهوده بحسب مقدرته وفهمه من أجل خدمة الإسلام وأهله.
إنّه من مدينة المحن والتضحيات، ومحافظة النخيل والنفط والخيرات، معقد آمال الشرفاء والعلماء البصرة الفيحاء.
لقد عاش في البصرة رجال كانوا بمستوى الكلمة وعلى قدر المسؤوليّة في زمن صعب وخطير وكان لهم دور كبير في توعية الشباب وتثقيفهم، وساعدوهم على خطّ الالتزام، وتركوا بصماتهم الطيّبة في نفوسهم. 
ومن العوائل المساهمة في هذا النشاط الرائع والجهد البديع نذكر على سبيل المثال لا الحصر، عائلة القزويني، وعائلة المظفّر، وعائلة جمال الدّين، وعائلة الصافي، وعائلة شبّر.
وإلى هذه العائلة الأخيرة ينتسب الشخص المخصوص بالمقال، إنّه المرحوم السيّد عصام زكي الدّين شبّر المشتهر بسيّد عصام شبّر، المتولّد  1-7- 1948 م.
إنّ ما أنقله للقارئ الكريم في هذه السطور هو ما عشته عن قرب ولمسته بصدق في البضع السنوات المتبقيّة من عمره قبل انتقاله إلى دار الحقّ ورحمة ربّ الخلق.
وأعترف أنّ قلمي يقصر عن تدوين سيرة كاملة وفكري يعجز عن إحاطة شاملة، لكن عرفاناً للجميل ووفاء لخدماته أسطّر ما علق بذهني من ملامح واختزن من صور قد تكون خافية حتّى على بعض أقاربه ومتعلّقيه.
كتبت هذا المقال الذي أضعه تحت أنظاركم وأنا في المهجر نهاية عام 1996 م أو بداية عام 1997 م، لأنّي خشيت أن ينسيني الدهر بعض التفاصيل، أو تتفلّت من ذهني عن بعض المفردات. وحالت الظروف والموانع أن لا يُنشر في وقتها، وبعدها ظننت أنّي فقدته، وشاءت المقادير أن تقع يدي عليه قبل يومين، ففرحت بالعثور عليه، وقرّرت نشره بعد إجراء تعديلات طفيفة على بعض الكلمات.
نسب العائلة: نسب عائلة آل شبّر تتّصل سلسلته بالإمام الحسين عليه السلام، وهي من البيوت الذائعة الصيت بالعلم والشرف والتقوى، فأبوه القاضي الشاعر الأديب حجّة الإسلام السيّد عبّاس، وجدّه الأكبر العالم المفّسر المعروف السيّد عبد الله.
دراسته ومهامه: درس المقدّمات عند والده، ثمّ انتقل إلى النجف الأشرف لإكمال دراسته، فانتهل فيها بعض العلوم الإسلاميّة، وتخرّج من كليّة الفقه.
أتذكر أنّه أخبرنا أنّ والده قال له أثناء تتويجه بالعمامة هذا المضمون: يا بنيّ ضريبة هذا الزيّ أنّك ستُحرم من بعض الملّذات الدنيويّة، فأعرض عنها، وعليك بالصبر.
كان يذكر لنا بعض حالاته مع والده وكيف أنّه علّمه النطق الصحيح في الصغر حين واجه مشكلة إخراج بعض الحروف من مخارجها الصحيحة، وبيّن لنا إرشاداته له في إسباغ الوضوء الصحيح، كما تعلّم منه حقيقة بعض النّاس وتصنيف ( فرز ) معدنه.
بعد وفاة والده استلم إمامة جامع آل شبر في البصرة القديمة ( محلّة السيمر )، واضطلع بمهمّة هداية المسترشدين وتفقّه الأتباع وتوعية المريدين وإرشاد الموالين، واستلام الحقوق الشرعيّة من مظانها وصرفها في مواردها وعلى مستحقّيها.
وقد حصل على عدّة وكالات من مراجع الدّين في النجف، منهم: المرجع الخوئي، والمرجع الصدر، يرحمها الله سبحانه وتعالى.
أسلوب معيشته: كانت حالته الماديّة أعلى من المتوسّطة، بمعنى أنّها جيدة، فهو يعيش في بيت مجاور لمسجدهم ورثه من العائلة، مساحته مناسبة، والأثاث الذي فيه ليس فاخراً، وإنّما هو من النوع المتوسّط الجودة، وفي الطابق العلوي من بيته تحتل مكتبته الثمينة برفوفها الكثيرة إحدى الغرف الواسعة، كُتب على واجهتها الأماميّة عبارة: ( كلّ كتاب لم يُقرأ فهو والمدفون بمنزلة سواء ). 
وله دار ثانية ورثها من العائلة أيضاً تقع في منطقة الجزائر، وكان يؤجّرها ليستفيد من مالها في تحسين مدخوله، وهذا ممّا ساعده على شراء سيارته اليابانيّة نوع تيوتا كراون.
وللأسف حين اشتراها لم يسلم من الهمز واللمز، وقوارص العواذل، واتّهامات المبطلين، ولا أرى داعي لسردها، لكونها تافهة وصدرت من بضعة أنفار صدورهم متحاملة وقلوبهم مريضة.  
سيرته ونشاطه: كان لتواضعه وبشاشته وحسن استقباله للقادم وطيب تعامله أثر كبير في جذب الشباب إليه وكسب حبّهم له، وبالتالي مضيّهم في التتابع والتقاطر إلى مسجده.
 أضف إلى ذلك فإنّه شريف النفس عفيف اللسان صاحب نكتة ( فكرة لطيفة ) ومجاملة، يمازح الصغير والكبير بلطف ويحفظ شأن ذوي المقامات، ويتمتّع بروح يسهل التعاطي معه والاقتراب منه.
رأيته يتفقّد الغائب والمستتر، ويسأل عن أحوال الحاضر، ويعين المحتاج والمعتر، بمقدار ما تسمح به إمكانيّاته وما يتوفّر. 
الابتسامة مرسومة على شفتيه، والتأميل بالخير لا يسقط من قاموسه، وكلمة عزيزي لا تفارق لسانه.
إنّ الساكن في جنوب العراق ووسطه في فترة الثمانيات من القرن المنصرم لاحظ دورة الزمان الصعب وشاهد المعاناة الحقيقيّة للشعب، ففي أثناء استمرار الحرب العراقيّة الإيرانيّة تحولّت الكثير من مدن الجنوب إلى جبهات قتال وساحات مواجهة، ونالت البصرة من جرّاء ذلك القسط الأكبر والنصيب الأعظم، فقد تعرّض أبنائها من الجنسين بسبب الحراك السياسي والمعارضة لسياسة الحزب السلطوي الطاغوتي إلى حملة اعتقالات واسعة ومداهمات عريضة وإعدامات بالجملة، وقصفت مدنها بالأسلحة الثقيلة والمدافع الكبيرة وبصورة مكثّفه، وأصبح قضاء الفاو وشطّ العرب تحت مرمى النيران وجبهة مستعرة على طول الحدود مع إيران.
ورغم ذلك الحيف والشدّة والبلاء فإنّ الحركة العامّة في أغلب الأوقات لم تشل، والنشاط الاجتماعي لم يتوقّف والإرشاد التوعوي لم ينته.
نعم، تضعف وتخبو لظروف ضاغطة ثمّ تعود إلى سابق عهدها.   
في هذه المرحلة وبعد عمليّة تهجير وتشريد وإعدام طائفة من رجال الدّين وحملة العلم المسيّسين برز في البصرة عدّة شخصيّات معممّة منهم سيّدنا عصام شبّر، وعلى الرغم من تلك المصاعب وبثّ العيون وزرع الدسائس إلّا أنّه مارس دوره في الوعظ والإرشاد والتثقيف بمقدار طاقته وما يسمح به الظرف، ففي الأيّام الاعتيادية وفي الغالب يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء جماعة في مسجد جدّه ويجيب على بعض الأسئلة، وفي أياّم الجمعة يكتظ المسجد بالمصلين من مختلف الأعمار، وخصّص في كلّ جمعة ساعة قبل صلاة الظهر جماعة - ولم يكن يقيم صلاة الجمعة لأنّها تقام بالقرب منه في جامع الإمام الصادق عليه السلام ( المعروف بجامع الميرزا ) بإمامة المرحوم الميرزا فاضل جمال الدّين - يتناول فيها بعض المواعظ ويباشر في الإجابة عن الأسئلة الفقهية والشرعيّة المتنوّعة.
ولا أنسى ذلك اليوم الصيفي الذي جاء فيه شاب من الأخوة من أهل الجمهور إلى المسجد ليستفهم بحسب الظاهر من سيّد عصام فسأل بعض الأسئلة والسيّد يجيبه بودّ وأريحيّة، ومن ضمن أسئلته كان سؤال عن السجود على التربة ومقارنتها بالسجود للصنم وعبادته، فأجابه بمضمون هناك فرق بين السجود عليها والسجود له، ثمّ أخذ السيّد تربته الكبيرة بيده ورمى بها عالياً فسقطت وتفتّت، وقال له: لو كنّا حقّاً نعبد هذه التربة فهل نفعل بمعبودنا هكذا ؟!
فاستحسن الشاب الإجابة وبدت ملامح الرضا على وجهه.
لقد اقترحنا على سماحته يوماً ما بأن يعطينا دروس في شرح نهج البلاغة، فوعدنا خيراً، لكن لم يدم بقائنا بعدها إلّا بضعة أسابيع قبل الاعتقال والزج بنا في السجن.  
نكمل الحديث عن نشاطه، كان يوم العيد ( الفطر أو الأضحى ) أشبه بالمهرجان الكبير ففيه تتقاطر الجموع ويزدحم المسجد والشارع المقابل لباب الجامع، وفي عيد الفطر الأخير الذي صلّيته خلفه قبل الاعتقال، فرشنا سطح المسجد الغير المخصّص للصلاة عليه، وذلك لاستيعاب عدد المصلّين الفائض. 
وخلال شهر رمضان يعقد كلّ يوم بعد صلاة الظهر الدرس القرآني وتعليم الأحكام الشرعيّة، وفي نهاية الشهر يجري مسابقات بسيطة للمتواجدين ويعطي جوائز تشجيعية متواضعة للمتميّزين.
وجدير بالذكر فإنّ بعض ليالي هذا الشهر المبارك بعد صلاة المغرب والعشاء يسرع المرحوم بالذهاب إلى بيته ويخرج منه وهو يحمل بيديه وجبة الإفطار للصائمين المتواجدين في المسجد.
هذا، ولم يكتف بالأسلوب النظري في التعليم، وإنّما مزج معه الأسلوب العملي لزيادة التوضيح وانطباع الصورة، فعلى سبيل المثال في مسألة الوضوء كان يجلب إبريق الماء والوعاء أو الإناء الكبير ( الانجانة أو المعجانة ) والتراب والرمل والحجر، ويخلع عمامته ويحسر ذراعيه ثمّ يبدأ بالوضوء والتيمم أمام الجموع الحاضرة ليحسنوا التطبيق.
أضف إلى ذلك فإنّه كان يعلّم الرجال مسائل النساء وهم بدورهم يقوموا بتعليم نسائهم، فكما تعلمون فإنّ بعض المسائل التي تختصّ بالنساء تتحرّج نساءنا من سؤال مشايخنا مباشرة عنها، ولذا تراها تلجأ إلى أزواج المشايخ أو ترسل بعلها، ولذا نعتقد أنّ طريقته بالفعل كانت رائعة وناجعة.
كما أنّه كان يشرح لهم كيفيّة الغسل الصحيح ويمارس توضيح مراحله عن طريق التمثيل بعباءته والإشارة بيده.
ويفعل مثل ذلك في مسألة الصلاة والصيام وصلاة الميت. ولا يغيب عن ذهني كيف أنّه في شرحه لصلاة الميت وضع أمامنا طفلاً مسجّى وجلب قطع من القماش وشرع يبيّن لنا كيفية تكفين الميت والصلاة عليه.   
وعند اقتراب موسم الحجّ المبارك يباشر بالحديث عن فضيلة الحجّ، ويخصّ الذاهبين إلى الحجّ وبتعليمهم خطوات الحجّ وكيفيّته، فيتناول الإحرام ويريهم كيفيّة لبسه، ويضع أمامهم مجسّمات صغيرة تمثّل الكعبة المشرّفة ومقام إبراهيم وبعض المناسك، ويبدأ معهم خطوة خطوة نظريّاً وعمليّاً، فيستهلّ الأعمال بكيفيّة النيّة والاغتسال ولبس الإحرام والطواف، ويلبس الإحرام ويهرول أمامهم في حرم المسجد وفنائه، ويكمل بقيّة الأعمال، ثمّ يتفرّغ للإجابة عن أسئلتهم وإشكالاتهم.
وأمّا في شهر محرّم وصفر فإنّه يجلل المسجد بالسواد ويُقيم مجالس العزاء ويتعهّد برعايتها ويجلب خطباء من النجف أو غيرها، ويحرص على حضورها، والتفاعل معه ما يطرحه المحاضر، وهو بعد رخيص الدمعة حين يمرّ على مسامعه نعي الخطيب بذكر مصيبة النبيّ وأهل بيته صلوات الله وسلامه عليهم.
تعلقّه القويّ بخطّ النبيّ وأهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم وإيمانه الراسخ بهم بعد الإيمان بالله عزّ وجلّ جعل نصحه الدائم للرجال والنساء هو الالتزام بمنهجهم وعدم الحياد عنهم عليهم صلوات الربّ وسلامه، وأصبح شغله الشاغل هو حثّ النّاس على التمسك بالجادّة الصواب والصراط المستقيم، والتجلبب بالعفّة والستر، والابتعاد عن المزالق والموبقات والظلم.
ولا يذهب عن بالي تشجيعه النساء على الحجاب وقوله للحاضرين ليوصلوا الرسالة إلى بناتهم ونساءهم: من تتحجّب فعباءتها عليّ.
وفي كثير من الأحيان عندما يمارس عقد القرآن ( عقد الزواج ) يقوم بنفسه بتقديم الطعام والحلوى للزوجين والضيوف الذين معهما، ثمّ يبارك لها ويحثّهما على تقوى الله سبحانه والاقتداء بسيرة النبيّ وأهل بيته والمعاشرة بالمعروف وإدامة العشرة الطيّبة.
ولا يفوتني أن أشير إلى أنّه لم يصله ما يكفي من الحقوق ليصرفها على الفقراء المستحقّين، ولذا كان يعطيهم من جيبه الخاصّ ليرفع حرجهم ويحفظ ماء وجوههم.
كما أنّه كان يوصل العطاء لبعض العوائل وهم في بيوتهم.  
عبادته: خلواته الليلة لا أعلم منها إلّا المطالعة وصلاة الليل، وكذلك ما كان في ليالي شهر الطاعة شهر رمضان. 
لكن من المؤكّد أنّ أغلب من واظب على الصلاة خلفه يشهد له بأنّه يتمتّع بروحيّة عالية، وفي أحد الأيّام سمعت منه مشافهة أنّه لم يصلّ صلاة جماعة ولم يكن قلبه حاضراً فيها. 
ليس هذا فحسب ففي الكثير من المرّات حين يقرأ الدعاء بصوته العذب في القنوت أو في التعقيبات بعد الصلاة تنحدر دموعه ونسمع عبرته وبكاءه ونشيجه، ويبكينا معه.
وأتخطر قنوته المتعارف بصوته الشجيّ وهو يردّد: (إلهي كيف أدعوك وأنا أنا، وكيف لا أدعوك وأنت أنت، كيف أدعوك وقد عصيتك، وكيف لا أدعوك وقد عرفت حبّك في قلبي، إلهي أنت عظيم العظماء وأنا أسير الأسراء، أنا الأسير بذنبي، المعترف بجرمي، فاغفر لي وارحمني يا أرحم الراحمين ).
كان لوجوده معنى عندنا نشعر أنّه يعطينا شحنة إيمانيّة وجرعة روحيّة، نشوة وصحوة، إنّها لحظات إيمانيّة صادقة وساعات ربّانية مخلصة وليال عامرة بالدعاء وأوقات مشبعة بالأخوّة والصفاء، يخال لي أنّه يصعب تعويضها وتكرار نسختها.
تحرّزه من النظام وشجاعة مواقفه: في الحقيقة أنّ الظروف الشائكة التي خلقها النظام البائد في مجتمعنا والعقبات الكؤود التي وضعها أزلامه أمام تحرّر وتطوّر أبناء وبنات بلادنا، تطلّبت من المرحوم أن تكون مواقفه منه متّصفة بالحزم والصلابة، وفي نفس الوقت هي خاليّة من الطيش والرعونة، كما اقتضت منه أن تمسي كلماته ضدّه معبّرة ومدروسة بدقّة.
وهذا ما تلمّسناه نحن ( شباباً وشيوخاً ) وعايشناه، فلم نره يوماً قد مدح النظام المجرم، ولم نلحظه أنّه استجاب لدعوات مسؤولي الأجهزة القمعيّة وأهوائهم، ولم نلمس منه أنّه حضر موائدهم وندواتهم التي يدعونه إليها، أو خضم شيئاً من حلوائهم، بل شاهدناه في أكثر من موقف يتملّص من ذلك بذريعة التمارض ويتهرّب بحجّة السفر.
والحقيقة أنّ هذه الطريقة هي التي جعلت محبّته تنمو وتكبر وتقديره يتعاظم ويزهر. هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى فقد تميّزت وصاياه التي خصّ بها المقرّبين ونصائحه التي آثر بها الثقاة بالتنديد بالنظام الدكتاتوري البعثي والدعوة للوقوف بوجه سياسته الرعناء وممارساته الهوجاء. وأفصح لابن خالته المرحوم منير أنّه لا يحبّذ هجرة النخب والكوادر خارج العراق، ويرى أنّه لا يصحّ تفريغ الساحة منهم وتسليمها للصدّاميّين.
وههنا عقبة صعبة ومشكلة عويصة ومأزق تورّط به المرحوم مع الشباب سامحه الله، حيث إنّه لم يخبرهم برأي مقلّدهم ومقلّده المرجع الخوئي من مجمل العمل الإسلامي والحراك السياسي، وإزاء هذه البلوى أمامنا احتمالين، إمّا أنّه يجهل رأيه ولا علم له باختلاف الآراء في مثل تلك المسائل. وإمّا أنّه يعلم برأيه ولكنّه تجاوزه واندفع وتبنّى ما يخالفه لسبب ما وغرّر بغيره.
والمظنون، من باب المحمل الحسن، هو الاحتمال الأوّل لكوني خبرت مقدرته العلميّة واطّلعت على ثقافته الشرعيّة التي كانت جيّدة، لكنّها ليست بالمقدار الكافي الذي يجعله على معرفة تامّة بمثل هذه المسائل وإحاطة شاملة بمثل هذه القضايا. 
ومن المفارقات العجيبة المرتبطة بهذا الشأن أنّه لم يسمح لنا بالتقاط صور معه خشية أن يجرّ ذلك إلى ضرر، قد يقع علينا أو عليه كما أتصوّر.
وحينما وقع الضرر علينا ( وكان من ضمن المتضرّرين والمعتقلين أبناء خالته ) ذهب إلى بيت زوج عمّتي الحاج أبي زكي غالب وبكى وأطال البكاء بين يديه بحرقة وتحسّر.
وأحسب أنّ بكاءه يغفر الله له كان لأجل معرفته بتحرّكنا وانتمائنا، وعدم قيامه بردعنا ومنعنا قبل أن يقع الفأس بالرأس. 
فالمرحوم عامله الله بلطفه، وبلا مجاملة أو تنقيص، لم تكن ثقافته السياسيّة بذاك النضج، تأثر وتعاطف واندفع بحكم الظرف كأكثر المتديّنين في ذلك الوقت، ولذا ما كان يرى بأس بذلك الذي قمنا به، بل يستشف من كلماته مع المرحوم منير ما هو أكثر من ذلك.
 والحقّ أقول أنّه لم يتصوّر أنّنا سنقع بقبضة أمن الدولة وبهذه السرعة. لقد تورّط ابنا خالته ونحن معهم، وأعدم منير وبعض مجموعتنا يرحمهم الله تبارك وتعالى، وحُكم على الباقي بالسجن المؤبّد.
ومن الأمور الملفتة التي لا ينبغي تغافلها هي مجيء سيّد عصام إلى بيتنا بعد الإفراج عن جميع أفراد عائلتي وخروجها من الاعتقال والسجن الذي نالهم جرّاء اعتقالي أطلب من الربّ المتعالي المغفرة وأن يثيبهم على مظلوميّتهم ويضاعف لهم حسناتهم، فقد أخبرني أخي الحبيب هادي حفظه الله ورعاه أنّهم حينما خرجوا من سجن الهارثة الذي دام مكوثهم فيه ما يقارب الشهرين زارهم سيّد عصام في البيت وواساهم ولاطفهم.
بقي شيء ينبغي قوله: وهو أنّنا في أثناء استمرار مرحلة التحقيق في أمن البصرة سألوني، وأظن سألوا غيري أيضاً، عن علاقة سيّد عصام بنا ومعرفته بتنظيمنا، فنفيت نفياً قاطعاً علمه بأيّ شيء.
لم يقتنعوا بكلامي وغلطوا عليّ، ورشقوه بوابل من الشتائم والسباب. 
أمنياته وأحلامه: لا أستبعد أنّ للمرحوم مطامحاً كبيرة وأمنيات كثيرة، لكن ما سمعته منه هي ثلاث أمنيات بسيطة:
الأولى: إكمال دراسته والحصول على شهادة أعلى، وبالفعل كان في الفترة الأخيرة يستعد لتقديم أطروحة لنيل شهادة الماجستير في الشريعة. 
الثانية: السفر إلى الغرب لفترة بسيطة، يقوم خلالها بجولة استطلاعيّة للاستفادة من بعض الأمور. 
الثالثة: ترميم المسجد وتوسعته. وهذه النقطة والأمنية الأخيرة تحقّقت بعد رحيله على أتمّ وجه على يد شقيقه السيّد أحمد نور الدّين ( المعروف بسيّد نور ). 
رحيله المؤلم: في سنة 1987 م اشتد الأمر صعوبة في البصرة وزادت كميّة القصف وزادت حدّة المعارك الدائرة في نهر جاسم، وعلى أثر ذلك هاجرت الكثير من العوائل البصرية تاركة بيوتها خلفها، فتوجّه بعضهم إلى الحلّة وأخر إلى النجف وثالث إلى كربلاء، وهكذا. 
اختار فقيدنا السكن في كربلاء المشرّفة، وتأثر بعض الشباب من سكنة كربلاء به وتفاعلوا معه وأحبّوا أسلوبه والتفّوا حوله، فانزعجت الجهات الأمنيّة من وجوده وتنامي شعبيّته.
ومن الطبيعي أنّ هذا لم يعجب السلطة الفاشية ولا ترتضيه، بل يُقال - وهو المرجّح - : إنّ هذا العامل هو الذي أثار بشدّة حفيظتهم وزاد من حنقهم عليه وعجّل باستهدافه وتصفيته.
ولعلّ قضيّة السيّد عادل شبّر  ومجموعته لها دخل في ذلك، حيث حكى سيّد عصام للأخ عبد الرسول جمعة والأخير نقلها لي كالتالي: أنّه في يوم مجيء ما يسمّى برجال الجهاز الأمني إلى بيت سيّد عادل للقبض عليه كان هو عنده، فلمّا اقتحمت قوّات الرعب بيت سيّد عادل، هرع سيّد عصام إلى سطح الدار، ثمّ أخذ ينطّ ( يقفز ) عبر أسطح المنازل المجاورة، وبذلك فلت من قيد الذلّ وتخلّص من الاعتقال، في حين أنّ سيّد عادل شبّر قد اعتقل واقتيد بعدها إلى محكمة الثورة وحوكم هو ومجموعته، وأعدم عادل وأغلب مجموعته في عام 1987 م، والباقي صدر بحقّهم السجن المؤبّد، وأودعوا سجن أبي غريب.
لقد سمعت من مجموعة ( دعوة سيّد عادل ) الذين نزلوا معنا في قسم الأحكام الخاصّة ( قسم الأحكام المختصّة بالسياسيّين ) أنّهم كانوا مرتبطين بحزب سياسي. لكنّي لم أعرف كيف أُخترق تنظيمهم وقبُض عليهم بتلك البساطة، ولا أدري هل كان تنظيمهم من التنظيمات الوهميّة التي أوجدتها الدولة - وامتلأ سجن أبي غريب بسببها - واخترعتها لمعرفة غير الموالين لنظامها الحاكم ومن ثمّ إجهاض تحرّكات خصومها والقضاء عليهم.   
وعليه فلا أستبعد أنّهم رأوه يتردّد على بيت سيّد عادل المراقب من قبلهم، ويُعد هذا بنظرهم جريمة ومؤشراً على التعاطف مع المعارضين. وقد يكون سألوا سيّد عادل عنه ونوع علاقتهما، فنفى ارتباطه بهم.
وبحسب قناعتي فإنّ سيّد عصام وإن لم يلتزم برأي مرجعه ومقلّده الخوئي المانع من الانتماء إلى الحركات الإسلاميّة، وهذه وحدها كارثة يتحمّل هو تبعاتها فما  كان يجدر به يغفر الله له الوقوع فيها، لكنّ الشيء المؤكّد أنّه لم ينخرط معهم في التنظيم، ويشهد بهذا أنّ بقيّة مجموعة سيّد عادل التي أودعت السجن لا تعرفه ولا تعلم عنه أيّ شيء من هذا القبيل.
أجل، هذه التصورّات جلّها احتمالات تخطر بالبال، والله يعلم حقيقة الحال. 
على أيّ حال قام جلاوزة النظام الصدّامي الدموي بالتدرّج في خططهم، فشدّدوا الخناق عليه في بادئ الأمر وكثّروا من مراقبته، حتّى وصل الأمر بالمرحوم بأن يتحاشى اللّقاءات واستقبال الشباب كما كان ديدنه، حيث نقل لي الأخ عبد الرسول جمعة الزبيري أنّه في الأيّام الأخيرة حاول زيارته كالعادة، فاعتذر له عن عدم تمكّنه من استقباله.
بعد أن عزلوه بهذه الطريقة قام أعوان السلطة هذه المرّة بالحركة الأخيرة، في يوم 12-1-1988 م  جاء عدّة أشخاص إلى بيت سيّد عصام في كربلاء وقت الضحى ادّعوا وجود مخالفة مروريّة عليه، ويلزمه الحضور للدائرة وسيرجع بعد قليل، توجسّت العائلة منهم، فخرجت إليهم خالته وكانت تسكن عندهم فقالت لهم: أنّ السيّد في وعكة صحيّة لا يستطيع مقابلتكم، كما أنّه لم يخرج من الدار منذ ثلاثة أيّام، فكيف حدثت المخالفة ؟
 لم يقتنعوا وأصرّوا على موقفهم وأرغموه على الحضور معهم، شعر أنّ في الأمر مكيدة، احتضن العائلة وقبّلهم، ثمّ ارتدى زيّه وودّع العائلة، وخرج إلى الطغاة، أخذوه وانقطع خبره عن أهله لمدّة أسبوع، ولم يتمكّنوا من معرفة وضعه ومكانه، في يوم 18-1-1988 م اتّصل على تلفون بيت أهله شخص ادّعى أنّه فاعل خير وأخبر العائلة بالجريمة وطلب منهم الحضور لمشاهدة جثّة مرميّة على جانب الطريق المؤدّي بين كربلاء والنجف في منطقة قريبة من ( خان النصّ )، أسرع  أخواه  ( سيّد نور وسيّد شريف ) إلى الموقع للتعرّف عليه، فوجداه جثة بلا رأس، بل بلا صدر، تعرّفوا على فقيدهم من خلال بعض العلامات في القدم والملابس. هكذا سمعت من أقاربه وأخي هادي الذي نقل لي كلام ابن المغدور به المرحوم سيّد عصام ( سيّد محمّد ) وكلام سيّد نور وسيّد شريف.
تزامن رحيله في نفس الأسبوع الذي أُغتيل فيه المرحوم السيّد مهدي الحكيم.
حزن على فراقه ونعى مظلوميّته الكثير ممّن عرفه واختلط به من الشباب المؤمن والعوائل البصريّة، وبفقده خسروا المرشد والمعين والمخلص الأمين.
وصل خبره إلينا ونحن في سجن أبي غريب، فنزل الخبر علينا كالصاعقة، بكيناه كثيراً وبلوعة وتألمنا لفقده، وأخذنا نلعن قاتليه والحاكم الطاغوت.
رحل شخصه من دنيانا الصغيرة، وبقيت ذكراه بقلوبنا كبيرة.
نسأل الله سبحانه لسيّدنا ولموتانا وموتى المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الرحمة والمغفرة إنّه سميع قريب بصير مجيب.
 وصلّ اللّهم وسلّم على النبيّ الأعظم محمّد الأمين والأنبياء والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين.  

 
 
      

  
  
 


كافة التعليقات (عدد : 1)


• (1) - كتب : احمد الحميداوي ، في 2019/08/08 .

السلام عليكم
نعم كان رجلا فاضلا وقد عرفته عن قرب لفترة زمنية قصيرة أيام دراستي في جامعة البصرة ولا زلت أتذكر بكائه في قنوت صلاته .
ولقد أجدت أخي البصري في مقالك هذا وفقك الله لكل خير .



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=136595
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2019 / 08 / 07
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 08 / 21