• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : شؤون عربية .
                    • الموضوع : وجهة نظرقومية في قضية الصحراء المغربية .
                          • الكاتب : د . موسى الحسيني .

وجهة نظرقومية في قضية الصحراء المغربية

سانطلق في مداخلتي هذه من مبدئين اساسيين  ومترابطين من مبادئ السياسة الدولية،  هما :

الاول : رغم تراجع مشروع الوحدة العربية الذي كنا نحلم به نحن جيل الخمسينات والستينات ، الا اني ما زلت اؤمن ان الوحدة هي الحل لكل ما نعاني منه نحن العرب من تراجع  او تباطئ في عمليات التنمية  على مستويات قطرية منفردة اوعلى مستوى مجموعة دول ترتبط بخصائص مميزة تفصلها عن بقية الامم والشعوب الاخرى ، وتعرف بمنظومةالدول العربية  . فالوحدة هي السبيل لتحقيق الحياة الحرة الكريمة للمواطن العربي في جميع الاقطار العربية . والشرط المسبق  لتحقيق  تنمية تضمن له الامن والسلام الداخلي والاطمئنان على حياته وحياة اولاده من بعده ، وتنهي حالة القلق التي يعيشها تجاه اوضاعه المعيشية عامة، وعاديات الزمن ومفاجئات المستقبل المتسارعة احداثه عالميا  .

ان تراجع مشروع الوحدة او الوحدات العربية  ، يجعلنا اكثر تمسكا  بحدود الدولة القطرية القائمة ووحدتها،  ما يدعم حلما مستقبليا لان يمتلك العرب ارادتهم ، ويعودوا لتحقيق التوجهات الوحدوية  الكبرى على طريقة الاتحاد الاوربي كاحد اشكال الوحدة  ، مع ان العرب يمتلكون الكثير من الاواصر الثقافية والتاريخية وحتى   عناصر وضرورات  التكامل  الاقتصادية ، وحاجات الامن  القومي ، اكثر بكثير مما يجمع شعوب وامم اوربا.

لذلك فان  اي تقسيم او انقسام للدولة القطرية العربية القائمة حاليا  ، اي دولة ، سيمثل موقفا عدائيا ليس فقط على كيان تلك الدولة فقط ، بل على عموم الامة العربية ، والحركة القومية العربية  . وان بقيت هذه الحركة مجرد امنيات واحلام . بل ان اي انقسام او تقسيم او فصل اي جزء من اي دولة عربية يمثل   تهديدا فعليا  لوجود المواطن العربي والهوية الثقافية العربية على امتداد الساحة العربية ،  وتامر على  مستقبله ومستقبل الاجيال القادمة ، ما يفرض علينا الحفاظ بل القتال من اجل الحفاظ على الدولة القطرية على ما هي عليه  بنفس الاندفاعة في الحرص على المشروع الحلم ، الوحدة العربية الكبرى.

 ان الالتزام بالدولة القطرية العربية  الحالية هو  المعيار الاساس للموقف الوطني للمواطنين والقوى والاحزاب والحركات السياسية ليس في ذلك القطر وحده بل في عموم الساحة العربية  ، و الخروج او الدعوة للخروج على هذه الوحدة الوطنية يمثل خيانة بما لايقبل الجدل ، لانها لاتفهم الا كعملية استنزاف لقدرات الدولة القطرية واستهلاك لقواها في صراعات لاتمثل ولا يمكن ان  تندرج فعلا تحت اطار المصلحة الوطنية والامن الوطني لذلك القطر او هذا، فضلا عن المصلحة القومية والامن القومي العربي ، بل تعكس حالة عداء لذلك القطر وسكانه مهما كانت طبيعة الشعارات التي يمكن ان يرفعها المتمردون او دعاة الانفصال .

تلك معايير وقيم سياسية لايختص او ينفرد بها الواقع العربي وحده ، بل هي قيم عالمية يقرها الفقه السياسي في كل  الوحدات السياسية في العالم . فهناك اتفاق على ان التعريف الشائع للمصلحة الوطنية ( او القومية ) لاي بلد على انها تعني : الحفاظ على استقلال البلد وسيادته ، وسلامة ووحدة اراضيه ، وامن ورفاهية مواطنيه .

ومهما تعددت او اختلفت التعريفات بالاسلوب  فانها تتضمن جميعا عناصر : استقلال البلد ، سيادة شعبه او امته على قرارها السياسي بما يتماشى ومصالحها ، وحدة وسلامة اراضي البلد ، ما يضمن الامن  العسكري والاقتصادي لابناء البلد وتوفير حاجاتهم الحياتية الاساسية .

 .

المبدأ الثاني : ما تعلمناه نحن الدارسين في الغرب ، وما يمكن ان يلقاه اي قارئ او دارس لادبيات العلوم  السياسية والعلاقات الدولية ،هو  المبدا القائل :  ( ان الصغر خطر ) ، والصغر هنا ليس  المقصود به حجم الدولة  فقط بما يتعلق بمساحاتها الجغرافية ، بل   حجم السكان والموارد الاقتصادية ايضا ومصادر القوة الكامنة . وهذا المبدأ معروف في الفكر السياسي العالمي ،  لم ياتي اعتباطا بل على اساس استقراء وقائع موضوعية ، واحداث ذات دلالة في المسار التاريخي  لكثيرمن الوقائع التي حصلت وتحصل في العالم عبر الزمن .

 هذا ما يعززالايمان  بالمبدا الاول .

لذلك وباختصار بقدر ما يسمح به الحديث في مداخلة تلزمني التقيد بالوقت الممنوح للمحاضرين .

 يرفض الانسان على اساس هذين المبدئين كليا  الدعاوى الباطلة المطالبة بفصل الصحراء المغربية عن بلدها الام ، والتي تندرج تحت شعار الخيانة على  اساس المصلحة الوطنية المغربية ، بل والمصلحة القومية العربية ككل ، للسببين اعلاه .

اذا كانت الصراعات الدولية بين الشرق والغرب ، وانبثاق مفاهيم اليمين واليسار ، والتوجهات العدائية لبعض دول الارث الاستعماري، التي كانت سائدة في النصف الثاني من القرن الماضي ، قد شجعت ظهور هذه الظاهرة الانفصالية  الشاذة وغير العقلانية ، التي ولدت بما يشبه الولادة القيصرية، لحمل كاذب  . فان الظرف المحلي المغربي  والدولي تغير بما يجعل من القضية مجرد وهم  و طعم  للتغرير ببعض من  ابناء الصحراء الذين تعودوا العيش السهل على المواقف الارتزاقية او السياسية ، ( واركز على البعض هنا ، وهذه الابعاض موجود في كل بلدان العالم العربي خاصة بحسابات التمرد وما يعنيه من تحلل من المسؤولية وسهولة الكسب الرخيص بدون جهد حقيقي على الطريق المعروفة  في العيش والكسب  المشروع ، ما يعني  عجز هؤلاء المتمردين والخارجين على القانون  في ان يتوائموا مع الحياة بشكل طبيعي ويندمجوا بالمجتمع ويحققوا الادوار التي يعيشها  كل مواطن  في ظروف يسودها الامن والسلام ، ويساهموا في عملية التنمية التي يعيشها البلد ، كمسؤولية عامة تخص كل ابناء البلد دون تميز ، بل كشرط من شروط اكتمال حق المواطنة . اي انهم ليسوا الا حالة شاذة لمجموعات خارجة على القانون ، وعلى الشرعية الوطنية .

ولم يعد لدعوى اليسار مقابل اليمين التي قامت عليها حركة المتمردين  في بداياتها الاولى ، من فرصة للبقاء ،  وهي  كانت بالاصل غير موجودة حتى في بداية ظهور ما يسمى بحركة البوليساريو التي لم تتوفر فيها اي من شروط مفهوم اليسار التي كانت سائدة حتى اواخر الثمانينات ، فهي اقرب لحركة تمرد البداوة  او الفوضى لمجموعات شاذة حاولت ان تغطي انحرافاتها عما هو طبيعي ، و تفتقد لاي خلفية عقلانية  تمنحها الشرعية السياسية في التمردعلى النظام والاستقرار    ، أقرب منها  لصورة الصراع الطبقي التي  هي فحوى التقابل بين اليسار واليمين . فلا المتمردين يمثلون  اي شكل من اشكال البروليتاريا ، ولا الوطن يمثل الراسمالية  الاحتكارية .واذا كانت الثورات تطمح لتحقيق ما يسمونه متطلبات مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية ، والذي يقابله مفهوم التنمية وتحقيق الاستقلال الناجز والتخلص من التبعية  . فالواضح ان المغرب يبدو  للمتابع او الزائر العادي يعيش الان ولعشرات السنوات الماضية  مرحلة بناء متسارعة لارساء البنى التحية اللازمة لتحقيق عملية التنمية ، او بلغة اليسار انه حقق الكثير  او هو في طور انجاز مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية .

أن النظام الرسمي المغربي ، وحتى بالحسابات اليسارية المعروفة ، سبق دعاة اليسار من خلال منجزات ايجابية ملموسة  على الارض ، ليعزل  الانفصال والانفصاليون  في زاوية   اعاقة وتخريب  لمنجزات الثورة الوطنية الديمقراطية  الجارية في البلد ، وتبديد وانهاك  للثروات الوطنية تلك التي يفترض انها يجب ان توظف لتسريع عملية التنمية .

بمصطلحات اليسار ، ايضا ، تم انجاز الاطار العام   لمهمات مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية . ما يجعل الوضع الرسمي المغربي يقف في اقصى اليسار بالنسبة للانفصاليين، الذين  يتبؤا الان دور اليمين المتخلف المعيق لعملية التنمية والاستقلال ، اي دور العدو الذي يهدد المصلحة الوطنية المغربية والامن الوطني المغربي . هم اي الانفصاليون ما يمثل قوى اليمين المعرقلة او التي تحاول احباط مشروعات تحقيق الثورة الوطنية الديمقراطية .

 بتقليبة سريعة  للصحف اليومية والدوريات الشهرية والفصلية المنتشرة في محلات بيع الكتب واصحاب البسطات الارضية على الارصفة في المملكة المغربية ،  يكتشف الانسان حجم الحريات التي يتمتع بها الشعب المغربي ، بما لايتوفر لها من مثيل في اي من الاقطار العربية الاخرى . ولاشك ان المواجهة  المسلحة او العنفية  لمثل هذه التجربة  او التوجهات  الديمقراطية قد تلزم السلطة ( اي سلطة في اي بلد ) باللجوء لفرض بعض القيود على الحريات المتاحة عند حصول ما يشبه الفتنة او أي محاولة  لخلخلت الامن  للبلد اي بلد .ما يجعل البوليساريو   تقف في صف الثورة المضادة الاقرب لحرب عصابات غير مشروعة ضد المصالح الوطنية للدولة ، والى مجرد اداة  بيد الاجنبي والشركات الاحتكارية  العالمية ، التي تطمح للسيطرة على ثروات المغرب ، وما تخطط له للتدخل في شؤون البلد ، واعاقة عملية التنمية التي ترى فيها تلك الشركات تهديدا لمصالحها التي تنزع  للسيطرة على  السوق الاستهلاكية المغربية وهي سوق لايستهان بها بالحسابات التجارية ، والنتيجة الحتمية لذلك ستؤدي الى تدمير الصناعات المحلية للبلد وترسيخ تبعيته للغرب .

وبالعودة لمبدا الصغر خطر ، المعتمد  في فقه العلاقات الدولية . لنفترض ان الصحراء استقلت بحكم عوامل التدخل الخارجية او اي عامل اخر يمكن ان يطرا او يندفع  لاستثمار وجود هذه الجماعات الانفصالية . فالدولة الجديدة التي سيخلقها  الانفصاليون ستأتي على صورة دولة لعبة  تفتقد لابسط مقومات الدول  القادرة على تلبية حاجات سكانها ، كما تفتقد لاي مقومات لتحقيق اي شكل من اشكال البنية التحتية التي يمكن ان توفر الحاجات الاولية الاساسية لسكان هذه الدولة ، كالمأكل والملبس والسكن والمواصلات والبنى اللازمة لتوفير التعليم والخدمات الصحية  الضرورية لابنائها وغير ذلك من الاساسيات ،عدا عن العجز على تحقيق الامن لمواطنيها ، ما يجعلها مضطرة بالتالي الى الاعتماد على الخارج  ، على دولة او مجموعة  دول اخرى . والدول الاوربية او الاستعمار القديم  تظل عينه على الثروات الطبيعية الموجودة في الصحراء والتي سيعجز اهلها عن استثمارها . ما يعني بالتالي خضوع هذه الدولة اللعبة  لنفوذ وسيطرة دولة او دول اخرى ، اي نزع الصحراء من وطنها الام المغرب لتقديمها هدية لاي من الدول الراعية لهذه اللعبة الجديدة  . وهناك مثل مشرقي يقول ( تي ، تي ، مثل ما رحت جيتي ) ، نفوذ واحتلال اجنبي بدل  السلطة الوطنية التي مهما تكون فهي  تمثل حالة  اعتزازا وافتخار للمواطن المغربي اينما كان في الشمال او الجنوب.

تلك هي المقدمات السياسية التي تحدد الموقف القومي العربي من قضية مغربية الصحراء ، ورفض ونبذ المطالبة والمطالبين بها بغض النظر عن الولاء والمعارضة لهذا النظام العربي او ذاك ، نحن هنا  نتكلم عن وقائع موضوعية تحدد  التوجهات القومية حيال قطعة عزيزة وغالية من الارض العربية ، يقلقنا الخوف عليها ان تستلب من دول الارث الاستعمارية  ، باندفاعات مرتزقة لاتهمهم الا 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=131940
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2019 / 03 / 28
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 06 / 16