• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : قراءة في كتاب .
                    • الموضوع : قراءة لقصة الروائية شهرزاد الربيعي المعنونة ( استشهاد منيكان ) . .
                          • الكاتب : د . موسى الحسيني .

قراءة لقصة الروائية شهرزاد الربيعي المعنونة ( استشهاد منيكان ) .

عودة شهرزاد الربيعي بمنيكانها المشوه حروبا وتفجيرات مجنونة الى باريس.
قراءة لقصة الروائية شهرزاد الربيعي المعنونة ( استشهاد منيكان ) .

اؤكد هنا على استخدام مفهوم قراءة او حتى عرض وليس ( نقد ادبي ). لاحرفة لي بالنقد الادبي فهو حقل معرفي له ادواته وما يحكمه من قوانين وقواعد تضبط احكام الناقد عندما يقدم رؤيته لعمل ادبي ا كاتب هذا العرض قارئ مختص اكاديميا بشهادات عليا في علم النفس الاجتماعي من جامعة لندن ، والسياسة الدولية من جامعة سولفورد ( في مانشستر ) . اتذوق او انفر كاي قارئ مما يمر بي من ابداع فني او ادبي ولا اتردد عن كتابة انطباعاتي عنه . 
تظل الانطباعات مهما كان لونها ملك صاحبها ، مسؤول عنها ان كانت حسنة ، طيبة او سيئة ، لاتخضع لتقيمات مدارس النقد الادبي وفنونه . تتميز الانطباعات كونها تمثل موقفاً ذاتياً تماما ، نقدها او تقيمها يمكن ان يتناول مدى تشبعها او بعدها عن الموقف المغرق بالذاتية وحجم الموضوعية فيها .
نص الانطباعات :
في الصفحة 68 او الفصل ما قبل الاخير لرواية القاصة الفنانة التشكيلية شهرزاد الربيعي الذي جاء بعنوان ( استشهاد منيكان ) يقع القارئ في مفارقة الكبرى او مايشبه الحيرة في تكنيكات الرواية التي تاسست اصلا على حوارات مجموعة من ارواح ميتة ، فنيت اعضائها او تقطعت وتحولت الى جيف ، مع ذلك لم تختار الكاتبة اسم اي واحد من هؤلاء الابطال الميتين او حدث موتهم ، كعنوان للرواية ، تعلقت بمنكانها الذي يفجر في عقل القارئ جداولا من الرمزية المختلفة الوانها. ينساب اكبرها ململماُ كل الصفات الجمالية التي اسرت بها المانيكان القلوب والانظار ، تمتزج مع سمو المُثل والاخلاق ما لم يجتمع من قبل بغير العراق وسكانه ، قبل ان تستحضره تلك العجوزبعد انفجار الكرادة ، مشوهاً مقزازا وقد تقطعت اوصاله . ليجلس بين منكوبي التفجير. بنصف وجه محترق ، ذابت اطرافه العليا منه لحد الكوع ، و ساقاه متفحمتان ، "جلست تلك الدمية متلفتاً الى الوجوه ، تود لو تعرف ماذا يجري ، تبدو كمغفل دخل اللعبة رغما عنه أو مجرد صدفة " . العراق الدمية المغفلة التي القت في التيه تراكم انجازاتها الحضارية ، كل تاريخها واسهاماتها في صنع القيم الانسانية او ما يعرف بالحضارة في لعبة الحروب بفعل عصابات من الجهلة والمتخلفين من الشطار والعيارين الذين تخلوا عن او ضعفت فيهم مثل واخلاق الشطار والعيارين ليتحولوا الى شقاوات سياسية ا لاتعي ولا تفهم من السياسة شئ ، ولاحتى معنى الحرب والانتصار او الفشل ، وحساباتهما الا بالشعارات الكبيرة المفرغة من معناها ، كعقولهم .شقاوات لاتعرف غير لغة اضرب ، تفتقد حتى لروحية واخلاقية شقاوات بغداد التي عُرفت عادة بالنخوة والاستعداد لنصرة الضعيف ولا تسدد ضرباتها الا لمن هو قوي جبار لتتعزز روحية الانتصار وحلاوته ، والا من الجبن والخسة اللذان يمسا سمعة الشقاوة ويسقطها اعتدائه على الضعيف .
فهل ترمز المانكان الى العراق كبلد يشد العالم بكل مافيه من جمال وحيوية وغنى وكل مقومات الدولة القابلة للتطور لدولة نامية ، نموذج مميز للرفاهية والقوة تحولت الى مجرد شبح دمية مقطعة الاوصال ، مشوهة . او هو تعبيررمزي عن المسخ والتسفيه المخطط لتجريد الفرد العراقي من انسانيته .حيث بدات بعض المستشفيات في العراق تحتفظ ببعض نماذج المانكانات في ثلاجات الموتى لتقدمها بديلا عن جثث القتلى المفقودة . سواء اكان العراق كبلد او الانسان العراقي هو ما ارادت رمزية الكاتبة ان تقدمه لنا بعنوان المانيكان . في كلتا الحالتين هو رمز للانسان العراقي الذي تهشمت شخصيته ، وغاب عقله ووعيه بانسانيته ليتحول الى مرعى تتكدس به الاوساخ التي تستقطب النموذج الاخر من شخصية النصاب الذي وجد في الدين بضاعة لنصبه واحتياله ، والعمة رمز جديد او فخ لاصطياد ضحاياه الجدد بأسم الدين وربه .
كان واحدة من اهم الفكرالكبيرة التي طرحتها الكاتبة ، ذات البعد العقلي الذي يحتاج لدراسة اوسع ووقفة اطول ، بل حتى يمكن ان يكون موضوع رواية وحتى دراسة جديدة لجوهر الدين الجديد الذي بدأ يصبغ الاسلام بصبغة كون "الطمع هو سيد الاخلاق والسلوك وربها الجديد " حتى العبادة لله ماعادت تمثل لاحباً او ايمان بقدرة الخالق وعظمته ، بل هي نتيجة( لخوف منه او طمعا في كسب رضاه ونعمه في الدنيا ). فكرة قديمة سبق ان طرحتها في مقالة صغيرة ( اسي ) لنيل شهادة الدبلوم العالي في علم النفس الاجتماعي في جامعة لندن ، تقوم على فرضية ان حالة التاسلم التي بدات تظهر بقوة في اواخر السبعينات لم تكن في حقيقتها الا حالة اضطراب نفسي خلخلت العقل العربي ورسخت في الشخصية العربية الشعور بالاحباط والاحساس الشديد بالضعف والفشل والحرمان النسبي ، فراح الانسان العربي المحبط والمضطرب نفسياً يبحث عن شئ من القوة تعيد له توازنه السيكولوجي . وجدها فيما يسمع يوميا من عن الله القادر ، العظيم ، الذي امره اذا اراد شيئاً ان يقول له كن فيكون ، فراح يتعبد الله لا ايمانا او انعكاس لفهم جديد لطبيعة الخالق وعظمته ، بل بغرض ان يخدعه ويسرق عظمته وقدرته ليواجه بها ما اصابه من خور وضعف. هوذلك بوضوح في السلوك العام لهذا المتاسلم الجديد ، المجرد من اي معنى من الخوف من الله او الايمان بقيمه وشرائعه . قد يكون صادقا جداً بصومه وصلاته ، لكنه لايتردد ان يمارس الكذب والاحتيال ، والنصب والسرقة وانعدام الامانة والوفاء ، او اي نموذج للقيم العليا في سلوكه العام .اشارت الكاتبة لهذا الجيل الجديد من المتاسسلمين ممن وجد في الدين بضاعة لتجارته الجديدة ليعوض عن افلاسه العقلي والروحي . لكن مرورها المتكرر على هذا النموذج الجديد من الشخصية العراقية مرور سريع ، مستعجل ، يُذكر بالظاهرة دون الوقوف عندها لتحليلها اومتابعة نماذج من سلوكها كما هي حالة الوجه الاخر لهذه الشخصية المخربة عند مالك ، سارق زوجة وابن ومال اخيه .
توسطت الدمية اوالمانيكان الرمز ، بعد وصولها لباب المستشفى في الرواية ، في جلستها حفنة من الماسي والاحزان وهيامات ام خسرت سبعة من اولادها ، وذاك الاب الشاب الذي لم يعثر حتى على اشلاء زوجته واطفاله الثلاثة . حتى الضابط جاسم ( واحد من اهم شخصيات الرواية ) الذي وجد بالانتحار غرقا الحل الوحيد للخلاص من عذاباته بعد عودته من اسر 9 سنين في الحرب العراقية الايرانية ، ليجد ان اسمه سقط سهوا من قوائم الاسرى ، وحسابات الاحياء فاتفقت عائلتا زوجته واهله ان يتزوج اخيه مالك من زوجته الحامل اصلا بولده حاتم عند الاسر . فاجأ الجميع بعودته ليجد ان اخاه مالك الذي مسخت الحرب كل القيم الانسانية والاخلاقية عنده ، لم يكتف باستلاب زوجة اخيه وولدها ، وبيته ، وما كان جاسم قد ادخره من بعض المال الذي راح يبدده مالك بعربدته وسكره وتعاطيه المخدرات وغيرها من ادوات المرضى النفسيين من طرق الهلوسة . ادوات هذا النموذج من المرضى للهروب مما يعيشون من فشل في الارتقاء لمستوى الانسانية التي راح يبحث عنها في هلاوسه بعد ان هيأت له الحياة كل ما يطمح به فاشل محدود الوعي والعقل والتفكير . هو يمتلك الان زوجة ، وولد جاهز ،بيت واموال لم يتعب في كسبها ، ولم يكن يعوزه شئ الا ان يكون انساناً. ان يشعر بانسانيته ، لكنها الحياة السهلة وانعدام الوعي والمثل والاخلاق تقف حدا حاجزا بينه وبين ان يكون انسانا يفهم معنى ومسؤولية الوفاء لاخيه . لم يترك لجاسم سوى فرصة الانتحار غرقا . ليتمتع بما تمتلكه الارواح من حرية التنقل في شوارع بغداد يطارد قصص العشق لارواح ميتة مثله لمثقفين عراقيين جعلت من شارع المتنبي مسرحا للقاءاتها وخلوات عشقها الفكرية ، بل يطاردها وهي تسافر بحرية مثله في شارع الروشة في بيروت او تلك الازقة القديمة في بلازا دي اسبانيا في مدريد ، لاتفارقه صورة المانيكان الجميلة الذي ظل يحلم بعودتها حتى بعد انتحاره .الا ان رؤيته لبشاعة التخريب وما حصل للمانيكان بعد تفجير الكرادة ، جعله " يمزق مسودات احلامه الميتة ، اصلا ، ليلقيها ثانية بالنهر لتذهب هباء مثل اي شئ تافه ". يئس من ان يكون حتى الموت حلا لمأساته .
يبدو ان الكاتبة كانت قد قرات كل تفاصيل ما جرى في تفجير الكرادة ، الى حد يشعر معه القارئ انها كانت حاضرة أوعاشت الحدث واستشهدت فيه لتعود من موتها توصفه لنا ، كاولئك العائدين من الموت بين فترة واخرى ليوصفوا لنا مرارة عذابات القبر وقسوة الملكان المحققان منكر ونكير. 
فهي ( الكاتبة ) قدمت من التفاصيل الدقيقة ما وصفت به حادث تفجير الكرادة ، باسلوب وصفي قصصي ، لايمكن العثور لشبيه له في عشرات بل مئات المقالات والريبورتاجات الصحفية التي تناولت الحادث .
.
لو لخصنا بسرعة احداث الرواية وابطالها سنجد انفسنا امام وصف للتغيرات الاجتماعية والنفسية للشخصية العراقية وما اصابها من دمار او تخريب وتلوث اخلاقي بسبب الحروب التي عاشها العراق لفترة تقارب الربع قرن مقارنة بما كان سائدا من قيم ومثل عليا تعكسها الكاتبة بريشة فنانة متعددة الالوان تتشابك الوان زواياها الوردية بين الطيبة والاخلاص والصدق وحلاوة السليقة وهي تنساب دون تزويق ولا الوان مصنعة جميلة ، عذبة ، ما كان يُضفي على الشخصية العراقية اصالة انسانية وسعادة على تلك البساطة الغنية بكل ما هو مبهج من قضاء الساعات الرومانسية في مسيرات تيه سعيدة يمتزج بها استكان الشاي ( الاسم الشعبي لقدح الشاي في العراق ) مع نسمات البحر او ما علق في العقل العراقي من رؤى عن روشة بيروت ، وساحات مصارعة الثيران في اسبانيا . احلام يقظة بريئة تتكدس في عقل المثقف العراقي الذي لم يكن بحاجة للسكر او الخمرة او حبوب الهلوسة للهروب من فراغ او شحن المخيلة لتتسع لاستيعاب كل ما هو جميل في العالم ، تتواصل شوارع بغداد وتمتلأ بحارات مدريد القديمة ، مع احتفاظ الروشة بخصوصيتها . وتتكدس كتبا ومعرفة في شارع المتنبي ، الذي يستوعب كل الفكر العالمي والمعرفة ليغدو كما هو عالم اليابان العجيب .
تقدم البطلة الرئيسية في الرواية المجهولة الاسم والهوية قصة عشق رومانسية مع حبيبها المجهول هو الاخر ، قصة حب رومانسية بين مثقفين تكدست لذتهما في علاقة العشق هذه في التفاعل الفكري الذي وحد احلامهما واضفى عليها خيالا من اجواء الف ليلة وليلة بنظرية عشق جديدة ، في كون السعادة واللذة لاتاتي من مجرد حب الجسد واكتنازاته وتكوراته بل حب روح ، وزاوية غير مرئية في شخصية المراة . ما يعني انها قد لاتتكرر ( كعلاقة ) ما لم يكون هناك تكافئ في الفهم والخلفيات العقلية ، والا لجردت شهرزاد سكينها المسمومة من تحت ثوبها لتطعن هذا الحبيب الذي يعشقها وينسى جسدها الذي تقدمه له رخيصا هدية حب وعشق يتفجر رغبة وشهوة ، يتناساه شهريار ليكلمها عن رغبته في العمل من اجل اسعاد رعيته ، وبدلا من ان ياخذها لغرفة مشحونة برائحة العطر والبخور ليمتص شئ من حرارة شهوتها ، يذهب بها لشارع المتنبي يبحث هناك عن كتاب رخيص او مستعمل يوسع من دائرة خياله واحلامه في كيفية ان يعيش مع حبيبته ، مستقبلا تملأ حديقة منزله وتبدد هدوئه صراخ حفنة من الاطفال . ما ينفع الحلم بالاطفال مع جسد يتاجج شهوة ورغبة .
كم من مثقف شهيد سنراه ينزف الاماً حادة لا بسبب انقطاع ساقه بل لضياع حلمه ومنيكانه التي غيبها برومانسيته ومُثله العليا ، تنكر لنعم الله ، وراح يستحلب اللذة باستكان الشاي في شارع المتنبي بدلا من جسد مكتنز لذة وشهوة ، كما هو بطل الرواية العاشق سنراه في نموذج هذه الشخصية العراقية الجديدة ، تائها نصف عاقل ، نصف مجنون يذرع شوارع باريس وربما لندن او بغداد يبحث عن لحظة يتمكن بها من الانفراد بنفسه ليستمني لذة استكان الشاي ذلك الذي شربه مع حبيبته او مانيكانه في شارع المتنبي .لكنه سيراها محترقة بعالم التطبيع أمامه في كاس خمرته الاخير ، فتنتابه نوبة من الضحك يصعب تفسيرها . فيتذكر انه السبب في دفعها لان تحترق ثانية في تفجير الكرادة عندما جردها من طبيعتها الانسانية ليصنع منها نجمة يختزنها هناك بعيدة في السماء السابعة ،يفرشها خصيصا بسجاد من ورود مطعمة بالمسك كي يسكنها وحده وعيون العالم تتطلع وتتمنى لو تطالها ولو بنظرة .
خاطرة شخصية لعل الكاتبة ما كانت تنوي ان تقدمها للقارئ . هي مجرد فكرة من تلك الفكر التي اندست بالايحاء من ذلك الوصف الشاعري لتداخل الواقع بالخيال التي وصفت بها الكاتبة شهرزاد لوحاتها باول معرض لها في بغداد ( الفصل الاخير ) ، عندما ترائى لها ان هناك عالم من الاحياء تتحرك داخل لوحاتها : " كنت أختلس النظر بين حين وآخر الى لوحاتي وأتذكر أحاديث أبي عنها في أنها عوالم جميلة ومسالمة ولكن , يا للعجب , و ربما من فرط التعب كنت أرى أشياء تتحرك داخل اللوحات , اشخاص يجلسون مجتمعين , يركضون خلف بعض في مرح , أطفال يلعبون , شاب وفتاة يجلسون في دعة و سالم مبتسمين لبعض , ربما كان يغني لها أغنية قديمة , أو كانت تقرأ له شعر , ذئبان صغيران يجريان خلف بعض أو يتصارعان ." 
تلك خاصية مميزة للروايات التي تستثير في مخيلة القارئ احلاما وخيالات ورؤى تتوسط بين عقل القارئ واحداث الرواية ، لتغدو الصورة وكانه جالس لا ليقرأ بل يكتب هو روايته ويجتر احلامه . 
ما هو جديد يميز الرواية ، ايضاً ، هو طبيعة تكنيكها التي تعكس كل اشارات او امارات الخراب والتخريب والقتل ونزف الدماء ، بلغة حب رومانسية شاعرية ، اي ان القارئ سيكتشف حجم الدمار الاخلاقي من قصص حب ترسمها ريشة فنانة تشكيلية تكتب بريشتها لابقلمها . ترى الدماء والساق المقطوعة ، والاشلاء المحترقة و المتناثرة في تفجير الكرادة .الذي لم يترك للنفس البشرية للفرد العراقي غير حفنة من الماسي والاحزان وهيامات ام خسرت سبعة من اولادها ، وذاك الاب الشاب الذي لم يعثر حتى على اشلاء زوجته واطفاله الثلاثة ، والضابط جاسم الذي خابت ظنونه في ان يكون الانتحار غرقا الحل الوحيد للخلاص من عذاباته . راح يمزق مسودات احلامه الميتة اصلا ليعود الى سكون موته . كل ذلك من خلال احلام عاشق يستحلب ذكريات حلاوة ولذة استكان الشاي في مقهى بشارع المتنبي .
مالك ، اخو الضابط جاسم نموذج الشخصية العراقية الجديدة التي سقطت اخلاقيا وانسانيا . تعاونت سوء تربيته و اميته ونتائج الحروب لتجعل منه النموذج المعجون شذوذا ونرجسية مريضة لا ترى في الحياة غير معنى تافه مغرق في اللامعنى يحاول ان يجتره من تعاطي الخمرة والمخدرات التي اعتاد على تناولها كل ليلة مستهلكا ما ادخره جاسم من ثروة وبيت ، استباحها كما استباح زوجته وابنه .
ماذا يمتلك جاسم الذي اضاع في الاسر من اجل الدفاع عن وطنه تسع سنين ان يفعل غير الانتحار غرقاُ برمي نفسه من جسر الصرافية . لماذا جسر الصرافية بالذات ، فجسور بغداد كثيرة ، لكن طلاب الكلية العسكرية العراقية اعتادوا ان يُمارسو التدريب بالقفز من جسر الصرافية . هنا تاتي رمزية الجسر الذي تدرب جاسم على رمي نفسه منه ليتخلص من مشاعر الخوف والتردد استعداداُ للدفاع عن الوطن . ها هو يقدم نفسه قربانا للوفاء لوطن اخلص وتحمل بمشقة وعذابات الانتظار ليعود له ، لزوجته وابنه فكافأه الوطن بمحو اسمه من سجل الاحياء .ليست هذه الصورة المثيرة لموت جاسم في الرواية فقط ، بل وصف موته غرقا . هي نقطة الارتكازالغريبة ، صورة يرى الانسان فيها وكأن الكاتبة لاجاسم هي من عانا فعلا وعاش احاسيس ومشاعرالموت غرقاً لتوصف لنا معاناة الدقائق الثلاث التي يعيشها الميت غرقا .
في الصفحة 51 تقول شهرزاد الربيعي : ( لكي يستطيع كاتب ان يكتب روايته عليه ان يعيش حياتها) . لذلك لملمت على ما يبدو، كل ادواتها كرسامة تشكيلية تخلط الوان فرشاتها مع حروف الكلمات ومخيلة واسعة تمتد بسرمدية غريبة لتوصف العلاقة التي تشكلت بين حبيبها الذي مات بسبب النزف الذي نتج من قطع ساقه برمانة يدوية القاها عليه قاتل من داعش ، مع ام ذبيان ( ذئبة قتلت خلية مختبئة من داعش ابنيها ، في مكان كان قريب من مخبأ دورية للجيش ، فقام حبيب الكاتبة البطلة ( احد افراد الدورية العسكرية ) بدفن الذئبين الطفلين امام انظار امهما الذئبة ام ذبيان ، التي ارادت ان او تكافأه ، وقد تركه بقية افراد الدورية مع جثة احد زملاءه ، وهو مقطوع الساق اليمنى يعيش سكرات الموت . 
غريب وصفها لسلوكية الذئاب ، يوحي بأحد امرين ، اما ان يكون اصل الكاتبة نفسها ذئبة تلبست لوقت قصير بروحية او شخصية كاتبة لتوصف انفعالاتها والامها على طفليها المقتولين ظلماُ .وربما انها ليست الا واحدة من ابطال القصص التي نقرأ عنها كل يوم عن الطفلة او المراة الذئبة التي عاشت فترات طويلة من عمرها مع الذئاب . او انها كانت روح هائمة ظلت ترفرف باجنحتها على الساحة التي عاش بها حبيبها ماساته لا أحد يرعاه او يواسيه غير ام ذبيان ، تحوم حوله وفاء وشعورا بالامتنان الى ان مات . والا مهما قرا من يكتب عن سلوك الذئاب ومشاعرها لايمكن ان تصف حالة ام ذبيان وسلوكياتها مع حبيب ظل ينزف بفعل قطع ساقه الى ان ودع الحياة نزفا ومعاناة رغم كل ما بذلته ام ذبيان من جهد لتخفيف هذه الالام . 
من هي الاصل في الرواية . هل هي الكاتبة شهرزاد تلبست بام ذبيان ام العكس ان ام ذبيان تلبست عقلية البشر لتكتب تجربتها . كتبت بلغة البشر ، تلك هي الحيرة التي يضفيها الفصل الخاص بام ذبيان في الرواية ، تلزم القارئ ان يتوقف لفترة طويلا يريد حل هذا السؤال المحير .
تقدم الرواية بكل فصولها مادة اولية غنية للمختصين بعلم النفس او الاجتماع لقراءة الشخصية العراقية الجديدة التي صنعتها الحروب ، ولاشك سيعود لها عدة مرات كمصدر من ينوي عمل ذلك .
يعني لاغنى عن قراءة الرواية ، كعمل فني مميز ، لمحبي وعشاق القصة والرواية ، بل للمختصين بعلم النفس او الاجتماع ، ممن يرغب في دراسة سمات الشخصية العراقية الجديدة .
كنت اتمنى لو ان ظروفي كانت افضل لاتوقف عند شخصية مالك ، اخوجاسم ، الذي يقال انها غدت تمثل النموذج الشائع من اشكال الشخصية العراقية ما بعد سلسلة الحروب التي مر بها العراق . لعل المستقبل سيسمح لي بذلك .
الخطأ المنهجي الكبير في الرواية هو ان الكاتبة كررت ثلاث مرات في ثلاث مواقع مختلفة الاشارة الى ان المسؤول عن هذه الحروب ، هم الجنرالات الذين يعيشون احلام الرتب العسكرية وامتيازاتها . 
مع ان البحث الدقيق عن القرار السياسي والعسكري لاسباب هذه الحروب ، لايكشف عن اي دور ولو صغير لجنرال حقيقي او اي ضابط مهني محترف خريج الكلية العسكرية برتبة حتى ولو كانت ملازم اول ( نجمتين ) .
ما لايعرفه المدنيين عامة ، ان قوانين الخدمة العسكرية تفرض على كل مواطن عراقي يبلغ ال 18 سنة ، الخدمة العسكرية الالزامية لسنة و9 أشهر ، ثم مددت الى سنتين وشهر . اذا فشل في توفير الشروط المطلوبة لاكمال دراسته الجامعية .
لو اراد هذا الجندي التطوع للخدمة في الجيش كمهنة ، فانه سيحصل على رتبة جندي مطوع ، مجرد ان يثبت انه يجيد القراءة والكتابة . اما اذا كان حاصل على شهادة الدراسة الابتدائية ، فانه سيمنح شريط اسود واحد ويُعرف بانه جندي اول ، يمنح شريطا جديدا كل 3 سنوات . اما اذا كان حاصلا على شهادة الدراسة المتوسطة ( الصف التاسع ) ، فانه بعد دورة غالبا ما تكون 6 اشهر في اختصاص سلاحه ، يمنح بعدها رتبة عريف ثم شريطا جديد كل 3 سنوات . ولو حصل على شهادة الثانوية العامة وهو جندي مطوع باي رتبة ، يحق له ، بل يمتلك الاسبقية للقبول بالكلية العسكرية ، القسم الاداري ليحصل بعد 3 سنوات دراسية على رتبة ملازم ثان بنجمة ، يترفع بعد كل 3 سنوات بنجمة جديدة مثله مثل اي ضابط اخر من خريجي الكلية العسكرية .
بمراجعة التاريخ الشخصي لجنرالات مابعد 1978 ، بعد انقلاب صدام حسين على الحزب ، نكتشف من سلسلة الرتب والتاريخ العكسري لاي من الجنرالات الجدد بدء بالرئيس صدام ( كان متخلف عن اداء الخدمة الالزامية – جندي فرار بالمصطلح الشعبي العراقي ) يصطف معه اخويه برزان ووطبان وعزة الدوري ، مرورا بالفريق الركن حسين كامل ( كان نائب عريف مراسل ، اي انه لم يتجاوز في تحصيله الدراسي شهادة الصف السادس الابتدائي ) ، مثله مثل الفريق الركن ، النائب عريف اصلا علي حسن المجيد ) . هذه هي القيادات العسكرية التي قادت او تسببت بكل الحروب الثلاثة الكبرى .
في مقابلة اجراها ونشرها الصحفي غسان شربل في كتابه ( العراق من حرب الى اخرى ، ص : 207 ) ، مع نزار الخزرجي يقول "كان عبد الجبار شنشل وزيرا للدفاع ، وكنت رئيس للاركان ولم نفاتح لا من قريب ولا من بعيد بموضوع اجتياح الكويت " ، وانه علم بالاجتياح في صباح نفس اليوم من مدير مكتبه الذي ايقظه من نومه ليخبره بالموضوع . كما يقول طارق عزيز وهو اهم عضو في القيادة السياسية معنيا بشؤون الحرب والسلام اكثر من اي جنرل عسكري أخر ،بانه لم يعرف بعملية الغزو الا في صباح نفس يوم الاجتياح من خلال التلفزيون مثله مثل اي مواطن عادي . كما ذكرت ذلك الصحفية السورية المحترفة السيدة حميدة نعنع في كتاب لها نشرته عن حياة طارق عزيز وتجربته السياسية .
كما تم تسليم قيادات قواطع عمليات الجيش في عدوان الاجتياح الامريكي عام 2003 ، لثلاث من قيادات جنرالات دخلاء على الجيش .علي حسن المجيد قائد لقاطع الحنوب ، وعزة الدوري ، قائد للقاطع الشمالي ، وقصي بن الرئيس صدام قائد لقطعات الوسط وحماية بغداد .
اما جنرالات ما بعد عام الاحتلال في 2003 ، فهم اما نموذج اخر من الدخلاء على العمل العسكري من النصابين ممن استحلى لعبة النظام السابق واستهتاره بالقوانين العسكرية . او من الضباط الخونة من بقايا الجيش الوطني العراقي ممن خان قسم الولاء ( بالله العظيم وكتابه الكريم ، وبشرفي ومقدساتي ، ان اكون مخلصا وفيا في الدفاع عن مبادئ حزب البعث وقيادته ) . اي من الضباط الذين لاشرف لهم و قيم او مقدسات .
التركيز على الموضوع اكثر نجد ان اولى حروب صدام حسين الداخلية كانت ضد الجنرالات المحترفين عسكريا ، ممن بلغ رتبته بفعل تاريخ احترافه ، بدء بالفريق حردان التكريتي ، سعدون غيدان ، مهدي عماش، حماد شهاب واخرهم البكر ثم بارق حنطة . مع عشرات اخرين غيرهم بتهمة التامر على الحزب والثورة .
لذلك وبحكم كوني ضابط سابق ، اعترضت بشدة على نسبة الحروب الدولية التي خاضها العراق بعد 1980 ، وما تلاها من حروب محلية وفتن الى جنرالات ( ضباط الجيش الوطني العراقي ).
في ختام ملاحظاتي او انطباعاتي عن رواية استشهاد منيكان للروائية الرائعة شهرزاد الربيعي ، وهي تنتقل بنا للغة الخطاب المباشر عن تجربة زيارتها للعراق في الفصل الاخير الذي عنونته ( العودة الى باريس )، وكانها تريد ان تقول انها ما سافرت الى العراق الا لتكتب قصتها هذه ، ثم تعود بعد ذلك الى حيث تعيش وتسكن . تخصص 3 صفحات في هذا الفصل عن زيارة لها لمدينة الناصرية بناء على رغبة ونصيحة ابيها لكنها لم تقول لنا لماذا اختار ابوها مدينة الناصرية من دون سائر مدن العراق العديدة .
كوني من ابناء عائلة تنتمي لمدينة الناصرية ، قضيت بها فترة دراستي الثانوية ، ولم انقطع عنها قبل ذلك ولا سنة واحدة في زيارة اجدادي وبقية اقاربي هناك خاصة في العطل الصيفية عندما كنت اعيش في قضاء الخضر مسقط راسي وسكناي في مرحلة الطفولة ،. فيالناصرية تعلمت الف باء الوعي السياسي ، بل اكتسبت كثيرا من وعيي الثقافي مما كان سائدا فيها من حركة ثقافية وادبية وفنية تميزها عن بقية مدن العراق الاخرى ، لذلك فالحديث عنها يطول ، ويحتاج لمقالة اخرى اطول من هذا العرض .
ملاحظة واحدة تتعلق بالرواية وعلاقتها بمدينة الناصرية ، كأن الكاتبة وهي تعيش خيالات واحلام الحب والحرب في قصتها ، ارادت باللاشعور ان تقول هناك في الناصرية ظهرت اولى مشاعر وافكار الحب الرومانسي الذي عاشته هي مع بطلها ، وهناك ايضا ظهرت افكار الحرب الاولى .فراحت تتعبد في كعبة الحب والحرب وتقدم قربان ولائها وامتنانها لالهة الحب والحرب الاوائل .ولربما اندست في مخيلتها هناك ايضا في الناصرية ظهرت بدايات التنظيمات السياسية الحديثة التي كانت مقدمة او الشرارة الاولى لما تفجر من حروب ما بعد الثمانينات . ففي الناصرية تشكلت اولى خلايا الحزب الشيوعي العراقي في منتصف ثلاثينات القرن الماضي ، وارتبط بناء اول قيادة لحزب البعث باسم ابن الناصرية الشهيد فؤاد الركابي . ويقول بطاطو في موسوعته عن تاريخ العراق الحديث ، كانت منظمة حزب البعث في مدينة الناصرية تاتي الثانية من حيث الحجم بعد بغداد ( الكتاب الثالث ، ص :49 ).
ماذا ارادت ، ولماذ اختار ابوها مدينة الناصرية دون غيرها من مدن العراق ، يبقى المعنى في قلب الشاعر . لايمتلك القارئ تفسيرا غير انها افرازات ترسبات اللاشعور لعلاقة تاريخ المدينة وتراثها ، باصل مفهومي الحب بصوره الرومانسية الجميلة ، والحرب ايضا .!؟
لعل اصول هذه المفاهيم الحب والحرب ، هي الاصل في الاغنية الشعبية السائدة في المدينة ( اللي يحب عمره خسارة ، مبتلي ليله ونهاره ، مبتلي وحامل اذية من بنات الناصرية ).
لااعرف لماذا حورها المطرب الشعبي العراقي ياس خضر الى ( بنات الصالحية ) عندما غناها مع كثرة الاغاني التي يتردد بها اسم الناصرية او احد توابعها من المدن او المناطق .!؟
فيا ويل من يكون موضوعاً لعشق رجل او امرأة من الناصرية .!؟




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=131754
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2019 / 03 / 24
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 05 / 26