• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : عتاب الزهراء عليها السلام لأمير المؤمنين عليه السلام في خطبتها .
                          • الكاتب : السيد محمد علي الحلو ( طاب ثراه ) .

عتاب الزهراء عليها السلام لأمير المؤمنين عليه السلام في خطبتها

ورد في خطبة السيدة الزهراء عليها السلام،قولها مخاطبة أمير المؤمنين عليه السلام،وهو (يا بن أبي طالب، اشتملت شملة الجنين، وقعدت حجرة الضنين، نقضت قادمة الأجدل فخانك ريش الأعزل هذا ابن أبي قحافة يبتزني نحلة أبي وبلغة ابني! لقد أجهد في خصامي، وألفيته ألد في كلامي حتى حبستني قيلة نصرها والمهاجرة وصلها، وغضت الجماعة دوني طرفها، فلا دافع ولا مانع، خرجت كاظمة، وعدت راغمة، أضرعت خدك يوم أضعت حدك، افترست الذئاب، وافترشت التراب، ما كففت قائلا، ولا أغنيت طائلا ولا خيار لي، ليتني مت قبل هنيئتي، ودون ذلتي عذيري الله منه عاديا ومنك حاميا، ويلاي في كل شارق! ويلاي في كل غارب ! مات العمد، ووهن العضد شكواي إلى أبي! وعدواي إلى ربي! اللهم إنك أشد منهم قوة وحولا، وأشد بأسا وتنكيلا).
والمتأمل في هذه الكلمة ،والمتمعن في هذا الخطاب،يجد أن هذا العتاب الموجع ،متوجه إلى الإمام علي عليه السلام،وهنا يبرز سؤالان:-
هل تلقي الزهراء بلومها على الإمام علي عليه السلام ؟
وهل يتحمَّل الإمام مسؤولية ما جرى عليها عليها السلام؟
والجواب : ان السيدة الزهراء عليها السلام،عالمة بتكليفها،عارفةٌ بالمسؤولية المُلقاة عليها،كما انها أيضاً - من جهة أخرى - عارفةً بتكليف أمير المؤمنين عليه السلام، فكيف تلقي باللوم عليه؟
فتكليفها كشف المتآمرين، ومقارعة الظالمين،وفضح المنافقين، اما تكليف الإمام علي عليه السلام، فهو الصبر،وكما قال في الشقشقية (فسدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه. فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجى، أرى تراثي نهبا...) .
فهي تعلم بالذي سيؤول إليه أمر معارضة أمير المؤمنين عليه السلام، فيما لو قاوم المناوئين له من حزب السقيفة،وما سيكون عليه الأمر لو أريقت الدماء ، لو عارضهم ، ووقف ضدهم ، ولكنها أرادت من قولها ذاك أمورا :-
1- بيان مظلوميَّتها للملأ، حتى لا يقول بعضُ المتزلفين بأن القوم راعوا حرمتها، واحترموا مقامها ونسبتها إلى النبي العظيم صلى الله عليه واله ، وان الذي بينها وبينهم هو الرضا والوفاق التَّامّان.
2-أرادت صلوات الله وسلامه عليها أن تبيِّن للناس تكليف أمير المؤمنين عليه السلام، هو الصبر،والسكوت،ذلك كله حفاظاً على حياة الإسلام،ودماء المسلمين،خصوصاً وانه منعه من الخروج عليهم هو الحفاظ على الآذان بما يمثله من شعيرة إلهية يشير وجودها إلى وجود الإسلام،خصوصاً إذا قورن صبره وصمته بخروجها إلى المسجد وخطبتها عليها السلام، في القوم وكشفها وفضحها لمخططاتهم.
3- انها بعتابها لأمير المؤمنين عليه السلام،كشفت تخاذل القوم عن نصرتها، وقعودهم عن الدفع عنها، لأنهم إذا لم يستجيبوا لها فكيف يستجيبوا لأمير المؤمنين عليه السلام؟ فكشفت نفاقهم ،وعرَّتهم أمام أنفسهم،وسدَّت باب العذر أمام كل متنصلٍ من تكليفه الشرعي،عساه يقول بأنه كان لا يعلم بتحركها الذي كان في حقيقته تمهيداً لحركة أمير المؤمنين عليه السلام،لو كان للناس أن يستجيبوا لها ويتفاعلوا معها ،ولكنهم حُرموا من نعمة إتّباعها.
4- ان قولها وعتابها لأمير المؤمنين عليه السلام،هو على وزان قول الله تعالى وعتابه لعيسى عليه السلام، وذلك قوله :[ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ* مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] .
فهذا ما يُسمى سؤال العارف،فالله تعالى عالِمٌ بالسرائر،خبيرٌ بما في النفوس،ولكنه تعالى أراد أن يكشف أمراً لا يكون كشفه إلاَّ بإلقاء السؤال، وإبداء العتاب،وهكذا قول الزهراء عليها السلام، وهي ابنة القران فكراً وسمتا،وابنة من نزل عليه دماً ولحما ،فما يمنعها أن تترسم خطى قوله تعالى في تبيان الحقائق في أمر الإمامة في عتابها لعلي ،كما بينها القران في أمر الإلوهية ،في عتابه لعيسى ؟
فهي كانت عالمة بما في ضمير إمامها،كما كان الله عالما بما في نفس رسوله،وإنما احتاجت إلى إلقاء السؤال ؛لتكشف للناس ما تحتاج الأجيال اللاحقة لمعرفته مما أُبهم عليها من مجريات الأمور.
5- تحصَّل من كل ذلك مدى الانسجام بين موقفي المعصومين ،الأمير علي،والزهراء فاطمة،من ثورتها على رجال السقيفة والتأليب عليهم،وموقف الإمام عليه السلام،والصبر عليهم وسكوته عنهم،فكلا الموقفين مكمل للآخر،ويشكلان جبهةً الهيةً موحدة ضدَّ سقيفة الجور والطغيان.

_______________________
كتاب: الزهراء فوق الشبهات
السيد محمد علي الحلو (طاب ثراه)




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=129423
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2019 / 01 / 19
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 09 / 18