• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : التوافقية العرقطائفية .
                          • الكاتب : حسين درويش العادلي .

التوافقية العرقطائفية

أقرأ العرقطائفية على أنها: تخندق سياسي يماهي بين العرق/الطائفة/ السلطة لاحتواء وتوجيه ولاء الجماعة العرقية الطائفية ضمن إطار الدولة.. هدفه أما احتكار الدولة لصالح عرقطائفي محدد، أو تقاسم الدولة على تعدد الأعراق والطوائف والإثنيات.
  تعتبر الدولة  العراقية منذ 1921م وحتى 2003م دولة عرقطائفية في جوهرها، في حين تعتبر الدولة العراقية بعد 2003م دولة توافقية عرقطائفية، والنظام التوافقي الذي تم هندسة العملية السياسية على أساسه هو المنتج للعرقطائفية في بعدها السياسي المتصل بتكوين الدولة.

النظام التوافقي
  يرتكز النظام التوافقي على مبدأ شراكة المكونات وليس شراكة المواطنين، فينظم الدولة على وفق مكوناتها العرقية الطائفية الإثنية، وتنظيم الدولة هنا يخضع لتوازن المكونات، وتوازن المكونات يعني توزيع الثروة والسلطة وإدارة الحكم توافقياً وفق مبدأ الشراكة المتسلحة بالفيتو.

التوافقية العرقطائفية
  صيغة الدولة التوافقية هي التوافقية العرقطائفية في أصل الدولة، أي في أصل تكوينها وتشكيلها، فالدولة كمؤسسة وطنية يتم تقعيدها على أساس من الاعتراف القانوني بالوحدة العرقطائفية كوحدة مؤسسة للدولة، وكوحدة سياسية تامة الاعتراف والحماية والمصلحة، والرابطة العضوية بين الدولة ورعاياها ستكون المكوّنات العرقية الطائفية.
  الخطير في التوافقية العرقطائفية في هذه الحالة أنها تعمل بالتضاد من وحدة أمة الدولة، كونها تماهي بين العرق/الطائفة/السلطة ضمن نظام المحاصصة الكلي للدولة، وهي صيغة تحول دون تماهي جمهور الدولة بالدولة، فتحول دون خلق الأمة الوطنية بالتبع. وعليه فمن التجني على المواطنة والديمقراطية القول أنَّ النظام التوافقي هو نظام سياسي وطني ديمقراطي، هو في جوهره نظام مكونات متمحورة على الذات ومنكفئة على الهوية والمتعددة بوصلة الولاء تعيش التنافس على ابتلاع الدولة أو تحاصصها على وفق مصالحها الخاصة.

الأمة السياسية الوطنية
  الدولة أمة سياسية وطنية تقتلها التخندقات الفرعية (العرقطائفية) لقومياتها وطوائفها وإثنياتها، وهذا ما ابتلي به العراق منذ تأسيسه الحديث مما أدى إلى قتل أمته السياسية الوطنية.. فالعرقطائفية أبقته كتل بشرية عرقية طائفية لا تتحسس كونها أمة سياسية متماهية مع الدولة.
  عندما تتحول الدولة إلى سلطة مكوّن (عرقي طائفي) لا سلطة جمهور (سياسي وطني) ستفشل كمشروع أمة/دولة وتنجح كمشروع عرقطائفي/سلطة.. وهذا ما ابتليت به الدولة العراقية منذ تأسيسها عام 1921 وحتى سقوطها المدوي في 2003، فقد أريد لها أن تكون سلطة مكوّن عرقطائفي لا دولة جمهور سياسي، وهذا هو العامل الأساس الذي أدى إلى ضرب وحدة أمة الدولة وتشظيها، فابتلاع الدولة واحتكار السلطة والثروة وفق مبدأ المكوّن هو الذي أحيا الولاءات الفرعية ورسخ التخندقات العرقطائفية على أساس من الهوية والانتماء الفرعي، فقد فقدت الدولة حياديتها وعدالتها وتمثيلها الصادق لجميع مواطنيها.. ففشلت في وحدة أمتها ووحدة بنيتها.
  في 2003 دخلت الدولة العراقية عهداً جديداً، إذ تم تحريرها من مبدأ (سلطة المكوّن)، ولكن تم إدخالها هذه المرة في نفق (دولة المكونات) من خلال اعتماد النظام التوافقي الذي يقوم على أساس من مبدأ المكوّن (العرقي الطائفي) وليس مبدأ المواطنة.. لذا لم تتحرر (في العمق) الدولة العراقية من التخندق العرقطائفي الذي أنتجه فشل مشروع الدولة وفشل إعادة بنائها على وفق مقاسات المواطنة والمدنية والديمقراطية التعددية والتعايش والسلم الأهلي.

تجذر العرقطائفية
  تتجذر العرقطائفية في الدولة عندما يتم أدلجة التنوع المجتمعي، وتتعقد عندما يتلبس الدولة عرق واحد أو طائفة واحدة، وتتعمق عندما تفقد الدولة حياديتها وصفتها الأبوية، وتعلو شأناً عندما تفارق المدنية والتحديث، وتترسخ عندما تسحق الخصوصيات الذاتية وتصهر الهويات الفرعية.. فالدولة لا تعنى بصهر الهويات ومصادرة الخصوصيات.. هي إطار جامع للتنوع المجتمعي تخلق المشترك بين مواطنيها على أساس من الحقوق والواجبات المتكافئة لتحقيق المصالح الفردية والعامة.. والهوية الوطنية هوية سياسية تعبر عن جميع الأفراد والجماعات والهويات الفرعية الداخلة في تركيبة الدولة، هي الروح الناتجة من التماهي السياسي بالدول وليس التماهي العرقي الطائفي الإثني.
  الخطير في المشكلة العرقطائفية عندما تتكون بها ومن خلالها القوى السياسية المعنية بفعل الدولة، فعندها لا يعود للأمة السياسية من وجود، فستكون هذه القوى قوى ردة على مشروع الدولة وعلى أمة الدولة ذاتها. والأخطر عندما يندفع الخطاب المذهبي والفكري وراء تأصيل العرقطائفية على أساس ديني وثقافي.. فيتم توظيف المقدس الديني والموروث الثقافي لتبرير العزل والإقصاء والتخوين والتكفير والتفوق على أساس الانتماء العرقطائفي.
تترسخ العرقطائفية أيضاً عندما يتم تأسيس الدولة على وفق استحقاقات المحاصصات السياسية-العرقطائفية لتتمذهب مؤسساتها بلون المذاهب السياسية التي تدمج العرق بالطائفة بالسلطة.. فتنتج لدينا دولة المذاهب السياسية على وفق أقيسة الفرق العرقطائفية، وليس دولة المواطنين المفصلة على وفق أقيسة المواطنية والكفاءة.

السلطة في التوافقية العرقطائفية
  السلطة تعاني الانقسام لا التقاسم في ظل التوافقية العرقطائفية، والدولة كأعلى شكل من أشكال السلطة ستفقد علويتها في ظل انقسام سلطتها.
  التوافق في النظام التوافقي العرقطائفي ليس توافقاً سياسياً صرفاً، بل توافقاً سياسياً ممثلاً للأعراق والطوائف في أصل تشكيل الدولة وإدارتها فيما بعد، لذا فالتوافق هنا هو مجمع سلطات متناشزة.
  من الطبيعي سلوك منهج التوافق السياسي في ظل الديمقراطية التعددية، فهو وجه من أوجه إدارة الحكم وتقاسم السلطة (وليس انقسامها) بين الفائزين انتخابياً، ولكن أن يكون التوافق مختزناً لتمثيل المكونات العرقية الطائفية.. فهو الخطير وغير الطبيعي، لأنه سينتج توافقية عرقطائفية وليس توافقية سياسية.
  السلطة في النظام التوافقي العرقطائفي خاضعة للانقسام وليس للتقاسم، وهذا هو الخطير بالأمر، لأنها ستعتمد التوافق اللاغي لمبدأ الحسم، وهو ما يقود لا محالة إلى تشظي وحدة القرار ووحدة السياسة، والدولة لا تحتمل تشظي قراراتها وتعدد سياساتها.
  السلطة في النظام التوافقي العرقطائفي تعتمد على الإرضاء والتقاسم، وليس كل قضايا الدولة تقبل الإرضاء والتقاسم.
السلطة التوافقية العرقطائفية سلطة صفقات لا يمكن تمرير سياساتها وبرامجها دون صفقات تحقق مصالح المكونات، وهو ما يحول دون انسيابية السلطة.. وهي أيضاً سلطة قائمة على التخويف والتهديد بتعطيل مسيرة الدولة كون المكونات متسلحة بالفيتو كسلاح يمنحه التوازن بين المكونات.
السلطة التوافقية العرقطائفية صيغة مخففة لابتلاع القوى السياسية للدولة من خلال نظام المحاصصة الذي يعتمده النظام التوافقي كأساس لشراكة المكونات.

هل العراق دولة عرقطائفية؟
  بنسبة كبيرة، نعم، صيغة الدولة العراقية الحالية هي أقرب إلى الدولة العرقطائفية، وهذا هو الخطير بالأمر.
  تبرز الصيغة العرقطائفية للدولة العراقية من خلال اعتماد مبادئ التوافق والشراكة والتوازن بين المكونات.. رسخ ذلك قانون إدارة الدولة وبعض المواد في الدستور العراقي الدائم.. وتحرسه إرادة التوافق لمعظم القوى السياسية العراقية التي تعمد لجعل التوافق قاعدة لبناء الدولة وإدارة السلطة.
 
وضع الدولة
  الجميع يقر بخطورة الوضع الفعلي للدولة العراقية، وبعيداً عن ملفات الأمن والفساد والإرهاب والتنمية... فإنَّ الخطورة تكمن بانشطار الدولة وانقسام سلطاتها وتنامي نزعات الاستقلال والانفصال تحت عناوين الأقلمة والصلاحيات والخصوصيات.. وهذه هي عناوين مخففة لموت الأمة الوطنية للدولة، ولموت فكرة الدولة الواحدة.. وهي من أهم معطيات النظام التوافقي العرقطائفي.
  
حل المعضلة
  لا أرى من إمكانية فعلية لاستمرار الصيغة التوافقية العرقطائفية للدولة العراقية المنتجة بعد الخلاص من الدكتاتورية.. إنها صيغة أثبتت التجربة فشلها في الحفاظ على وحدة الأمة والدولة معا.
  لدينا خيارات: إما الإبقاء على هذه الصيغة من بناء وإدارة الدولة فننتج نموذج دولة اللادولة، الدولة المنقسمة على نفسها والمتشظية في سياساتها والتي تعاني أمتها من التصدع والتخندق..
وإما الإقرار باستحالة تعايش مكونات الدولة فنصير إلى التقسيم على أساس عرقي طائفي إثني لا سمح الله.. أو أن نعيد إنتاج العملية السياسية على وفق اشترطات المشروع الوطني الديمقراطي المدني الضامن لوحدة الأمة والدولة.. وهو ما ينتظره التاريخ منا.




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=12485
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2011 / 12 / 25
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 06 / 28