• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : الانفلات من الجمود المنهجي في درس المشروع .
                          • الكاتب : د . عصام التميمي .

الانفلات من الجمود المنهجي في درس المشروع

في الصفوف المنتهيه للكليات العلميه والمعاهد ، هناك احد الدروس ذو الطبيعه المختلفه عن بقية الدروس في تداول المعرفه وفي امكانيه تطبيقها ، يسمى بالمشروع او مشروع التخرج. ويتطلب مشروع التخرج في بداية الامر اختيار الطالب لمشروع البحث الذي يتفق مع رغبته من قائمه من المشاريع التي يقوم القسم العلمي بطرحها على الطلبه للاختيار.
المشاريع مقترحه من أعضاء الهيئه التدريسييه في القسم العلمي وسيقومون هم انفسهم بالاشراف عليها طيلة العام الدراسي. يهدف المشروع اولا الى اكتساب الطالب الى معارف جديده لا يسمح النظام التعليمي بأعطائها بسبب طبيعته التي تميل الى الجمود والتحجر ويصعب فيه تغيير مفرداته. انها تصطدم اي مفردات الناهج بروح التجديد التي يتحلى بها البعض من التدريسيين او العكس ان روح التجديد تصطدم بروح الجمود المنهجي والفكري لبعض القيادات التعليميه. على اية حال يجد البعض في درس المشروع متنفساً لهم للابداع والتجديد والخروج من خنقة الملل والذي يصطدم مره اخرى بروح التخلف والجمود وضيق الافق الفكري. وغالبا من يحدث لبس بين مشروع التخرج والبحث العلمي ففي المشروع يتم تعريف الطالب بمعارف جديده وبكيفية كتابة تقرير لها يشبه الى حد ما البحث العلمي وليس شرطا ان يكون فيه شي من الجده. انه باختصار تعلم معارف جديده من خلال تعقب مشكله قديمه وحلها بادوات لم يتعرف عليها الطالب في دراسته المنهجيه وعرضها بهيئة تقرير مستوفي لشروطه العلميه.
من اهداف اعداد مشروع بحث علمي هي تعلم كيفية كتابته ، فالخريج سيجد نفسه وهو يمارس عمله بحاجه الى تعلم اشياء جديده لم تتح له الفرصه او الوقت او كثرة المعلومات ان يتعرف عليها اثناء دراسته والتعبير عنها الى الاخرين وعرضها بطريقه تقنعهم بمحتواها. ويعتبردرس المشروع من الدروس التي يتعلم فيها الطالب كيف يضع الحلول للمشكلات بالاعتماد على اسلوب علمي للبحث والتي تعتبر من انجح السبل في تعلم مهارات التعلم المستدام او المستمر الذي لا يتوقف بعد التخرج.
وهناك مهارات مهمه على الطالب اكتسابها تفيده مستقبلا عند امتهانه لاي حرفه او مهنه ، منها قدرته على وضع الحلول او الاجابات للاسئله التي تبرز دائما في العمل في المواقف المستجده عن طريق السعي او القدره على الحصول على المصادر اللازمه للاجابه ومن ثم اتباع الاساليب والمهارات العلميه للوصول اليها اي الاجابه وصياغتها باسلوب مفهوم والدفاع عنها بحجة مقنعه تستند الدليل والمنطق العلمي. اي ان على الطالب  أن يصل الى درجة الاعتماد الكامل على النفس في تعقب المشكله  ووضع الحلول لها من خلال التعلم الذاتي المستدام. 
يتطلب درس المشروع في البدء قيام الطالب بتحديد مجال البحث الاوسع ثم عن طريق القراءة العامه للمصادر ذات الصله بالموضوع تضييق نطاق البحث ليقتصر على مشكله محدده بوضوح هي مدار البحث اللاحق.
وفي بداية العام الدراسي ، يكون الطلبه على موعد مع درس المشروع ، يجهل كثير منهم غايته واهدافه فيتخبط به طيلة العام ، وكي يتلمس الطالب الوجهه الصحيحه في درس المشروع نضع بين يديه الوصايا التاليه:
 
الوصيه الاولى :  القراءه وجمع المصادر : عليك ان تبدأ في وقت مبكر من الفصل الدراسي الاول بجمع المصادر المتعلقه بموضوع بحثك بالتعاون مع الاستاذ المشرف الذي يدلك او يرشدك الى بعض المصادر او يقوم هو نفسه بتزويدك ايها . قم بتجميع المصادر المطبوعه والالكترونيه في ملفات محدده . عملية الحصول على المصادر هي عملية مستمره اثناء تقدم البحث ، ففي اي مرحلة من مراحل البحث قد تحتاج الى مصادر جديده تعينك على فهم اعمق للموضوع.  ثم بعدها ابدأ بقراءة المصادر قراءة سريعه لتحديد اي المصادر اكثر قربا والتصاقا بالموضوع وقم بفرزها الى عدة مجموعات ، المجموعه الاولى هي المجموعه الاكثر اهميه وقربا من موضوع بحثك  المجموعه الثانيه هي الملفات المساعده التي تحتوي على ادوات الحل والمجموعه الثالثه البحوث والمصادر الاقل اهميه. ثبت المصادر التي تعتمد عليها في قائمه من المراجع التي تحتاجها عند كتابة البحث واي فقره تاخذها من مصدر ثبتها وثبت المصدر الذي اخذت منه المعلومه في دفتر خاص تعود اليه عند كتابة البحث.
 
الوصيه الثانيه  :حدد مشكله او هدف البحث بوضوح : تحدث مع استاذ البحث المشرف عن موضوع البحث والنقاط التي تثير أهتمامك فيه وافكارك العامه بصراحه ووضوح ودون  تردد اوخجل ، تقول الحكمه ، لا حياء في العلم ، وفي الغالب يتم تحديد مشكلة البحث من خلال اداتي السؤال "كيف" و"لماذا" ، لا تتردد في طرح اسئله من هذا النوع ، تعامل مع الامر وكانه حزوره ، كيف تؤثر سرعة الماكنه على اداء المنظومه؟ ، وكيف نقلل من استهلاك الوقود مع المحافظه على كفاءة اداء المحرك؟ ولماذا تزيد السرع القليله للمحرك من تلوث البيئه؟ اسئلة "كيف " تساعد على فهم الطريقه التي تحصل بها الاشياء وكلما زاد فهمنا للكيفيه التي تحصل بها الاشياء زادت قدرتنا للتحكم بها او ببعض العوامل المؤثره عليها والسيطره عليها لتحقيق الاهداف المرجوه . اما الاسباب الكامنه وراءها فتكشف عنها اسئله "لماذا". دائما في ثنايا بحثك لابد ان تبرز الاسئله التي تقود الى بروز الحجه القويه والمناقشه العميقه من خلال اسئلة "كيف" ولـ "ماذا" المشار  لها انفاً ، ان الاسئله التافهه التي لا تضيف شيئاً يجب حذفها دون تردد من البحث لانها ليست سوى حشو فارغ لا قيمةَ له. كما ان البحوث ذات العناوين الواسعه العريضه تدل على انعدام الرؤيا لمن ساقها وعدم قدرته على اختيار مشكلة لبحثه. ان عناوين مثل " دراسة تأثير المعاملات الحراريه على الخواص المعدنيه" او " دراسة التأكل في المواد المركبه " او" دراسة الكلال في المعادن الحديديه" هي عناوين ليست ذات قيمه بحثيه.
 
الوصيه الثالثه: التدوين المبكر للبحث: لا بد من البدايه تدوين كل ما يتعلق بالبحث، وتلعب الكتابه دور هام مبكر في تحديد مشكلة البحث ، وتساهم فيها كذلك لذا كان من الضروري المباشره بكتابه البحث في وقت مبكر من الشروع به ، كتابة مقدمة البحث ، تحديد المشكله ، طريقه واسلوب الحل ، ادوات الحل .......الخ. وفي كل ذلك توخي الحجه العلميه ومناقشه الافكار الرصينه  .
وكتابة المقدمه في وقت مبكر من البحث ذات اهميه قصوى في تحديد اتجاهات البحث المستقبليه و يتم فيها استعراض التاريخ العلمي للمشكله موضوع البحث والباحثين الذي ساهموا في وضع الحلول لها والتي سوف تساعده كثيرا في تفهم جوهر المشكله التي هو بصددها .
وغالبا ما توضع المواضيع السرديه في مقدمة البحث التاريخيه وفي استعراض الادوات العلميه المتخذه في معالجة المشكله. اما المتن فهو الذي يتضمن الاسئله الجاده والهامه بكيف ولماذا.
 
الوصيه الرابعه : القيام ببحث حقيقي : ويقصد هنا بالبحث الحقيقي شيئين الاول ان لا نركن الى البحوث الجاهزه التي نستقيها من مصادر اصبحت مباحه في زمننا هذا كالانترنيت والثاني ان لا نعتمد على المصادر الثانويه التافهه او مصادر الانترنيت السطحيه بل على المصادر الرصينه التي تحاول ان تجيب على اسئله عميقه من النوع الذي يحاول طرحه طلاب العلم الجادون في اكتساب معرفه اصيله. وان تحشد للبحث المعلومات الرصينه التي تستقيها من مصادرها الاصيله المكتوبه باللغه الانكليزيه اضافة الى استخدام احدث اصدارات البرامجيات في تحليل ومعالجة البيانات مثل برنامج الماتلاب والسمي لنك  والانسز والصولد ورك. ولربما تعمد الى الاستفاده من خبرة اساتذه اخرين في حقول معرفيه سانده او خبير في برنامج معين او حقل معرفي اخر ذو صله بموضوع  بحثك  كخبير في منظومات السيطره او خبير في منطق الغموض او في محركات التيار المستمر .
ان المصادر الاساسيه تصل بك الى الحقائق الاساسيه التي تبلور حجتك التي من الطبيعي انها تتطور بالتدريج وتنمو باضطراد كلما تقدمت في بحثك الذي يزداد فهمك له يوما بعد يوم وفكره بعد اخرى كما يصعد البناء آجرة فوق آجره . ان مهمة الباحث البارع ان يجمع الادله الكافيه من خلال استخدام معارفه السابقه ومهاراته المعرفيه والبحثيه والمصادر المتاحه من اجل تقديم دفاع علمي ومناقشه موضوعيه لما طرحه من افكار ورؤى في بحثه وان لا يصبح مثار سخريه من يناقشوه فيختلق الاعذار والتبريرات الواهيه ولا يمتلك الا الاكاذيب دفاعا عن عمل يكشف عن جهل من قام به ، لان عملك يكشف عنك فاما يكشف سوءاتك او يكشف عن ذكائك وابداعك .
 
الوصيه الخامسه : لتكن مناقشتك للبحث متميزه وليس سطحيه : مما يدعو للاسف ان كثير من البحوث التي ينجزها طلبة الدراسات الاوليه هي نسخ مباشر من مواقع الانترنيت او اعاده او تكرار سيء لما انجزه المشرف من بحوث سابقه. تفتفر في اكثر الاحيان الترتيب او العرض المقبول ولا ترتقي الا الى مستوى تقارير تشوبها بعض اللمسات البحثيه المفقوده بين طيات العرض السئ وسوء الترتيب . ومن المؤسف ايضا ان لا يتعامل التدريسي مع درس المشروع كغيره من الدروس التي تحتاج الى معارف ومقدمات ومحاضرات تخصه وتساعد على فهم الموضوع , ولا يبتعد الطالب كثيراً عن هذا الفهم فيعتبر المشروع من دروس الراحه او لاستراحه،الذي لا يوليه ايما جهد طيلة السنه .  حيث يتجه الطالب الى اختيار بحث او بحثين لينتقي منها بعض الصفحات التي يؤشرها على عجل وينقلها نقلا حرفيا ويربطها مع بعضها بكلماته الخاصه دون ان يلتفت حتى الى تلك التفاصيل الصغيره التي تكشف انه قام بالنسخ المباشر من المصدر مثل ارقام الاشكال وتسلسل المصادر وترقيم المعادلات....وغيره كثير.
وفي احسن الاحوال يقوم الطالب بتجميع جملة من الحقائق عن موضوع بحثه باسلوب سردي لا يحتوي على رأي الباحث وروحه الخاصه في مناقشة المزاعم الاخرى والرد على الافكار المخالفه التي لا تتفق معها . ان مناقشة الاراء المخالفه او المختلفه يمكن ان يمثل بدايه طيبه لبداية البحث لابراز الحجج التي تستند عليها في فهمك للموضوع وفي ابراز نقاط الضعف لدى الاخر او النقص وعدم الاكتمال او الغموض وعدم الوضوح او بساطة الفهم والسطحيه .
والبحث الجيد يشتمل على تجميع الادله ونسجها في فهم شامل لحقائق متكامله معروضه بشكل مسبوك يستفيد من اخر المعطيات العلميه والادوات البحثيه في معالجة البيانات ويجيب على الاسئله الاساسيه في مشكلة البحث بمناقشه علميه وافيه.
نلفت نظر القارئ الكريم  الى حقيقه مهمه هي انه توجد اجابات متعدده صحيحه للمشكله الواحده كما لا توجد اجابات قاطعه اونهائيه لاي مشكله ،  لكن توجد هناك منافشات عميقه متميزه ومناقشات سطحيه تافهه. وتحتوي المناقشات العميقه على ادلة قويه في زمنها مستنده على احدث المصادر الموثوقه تجيب على السؤال المطروح في مشكلة البحث بوضوح . وكلما كانت الاجابه عن مشكلة البحث مبتكره وفريده باتباع اساليب غير تقليديه كلما كان البحث مثار للاعجاب والتقدير والاصاله والابتكار.

 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=12405
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2011 / 12 / 23
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 12 / 11