• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : سلسلة : من أجل أنْ يتطور المجتمع العراقي -ح1 .
                          • الكاتب : كاظم الحسيني الذبحاوي .

سلسلة : من أجل أنْ يتطور المجتمع العراقي -ح1

حينما يذكر المتحدث، أو يكتب الكاتب اسمَ بلدٍ من البلدان ،فإنه قد يتبادر إلى ذهن السامع أنّ المقصود هو أجهزة الدولة في ذلك البلد .لكنّ اسم البلد يعني عدة أشياء في آن واحد ، فهو يعني التربة والحدود السياسية والجغرافيا والتأريخ والبيئة الاجتماعية والمناخ الفيزيائي والزراعة والصناعة ، كما يعني أجهزة الدولة أيضاً . لكن الحديث عن أجهزة الدولة في أي بلد يقود إلى الحديث عن المجتمع كبيئة تنشأ فيها الأجهزة الإدارية على تنوعها ، ثم ما يتبناه المجتمع من ثقافة تشكّـلُ مفرداتها مرتكزاً للسلوك اليومي ،على اعتبار أنّ العاملين فيها هم من أفراد المجتمع الذي تعمل فيه هذه الأجهزة التي يمكن تمثيل نشوئها بنشوء الخلايا داخل السايتوبلازم .ويتسم كل جهاز إداري بمجموعة منَ السِمات تظهر على شكل أنماط سلوكية تعكس بوضوح ثقافة المجتمع .
وقد يُعزى سبب الفشل الذي تُمنى به النظريات المستوردة التي يراد تطبيقها في مجتمعات أخرى إلى الاختلافات في الأنماط السلوكية السائدة  في المجتمع الذي ولدت فيه النظرية ، مع  الأنماط السلوكية في المجتمعات التي يُراد تطبيقها فيها ،ولهذا فإنّ مثل هذه النـَّظريات التي تُدرّس في معاهد العلم بقيت حبراً على الورق ـ كما يقال ـ لا تؤتي أكلها .وقد كتب المختصون أبحاثاً حول ضرورة أسموها (تطويع التنكولوجيا المستوردة) ويَعنونَ بذلك خطأ عمليات الاستنساخ الساذج للتجارب الاجتماعية المستقاة من مجتمعات مغايرة . كذلك فإنّ العمالة المستوردة تحمل معها الظواهر التخلفية السائدة في مجتمعاتها .وقد حصل مثله في العراق في أواخر السبعينات من القرن الماضي حينما استقدمت الحكومة العراقية العمالة المصرية والآسيوية إلى العراق .
ملامح التطور
هل أنّ من ملامح التطور منحصرُ ببناء الجسور والمقتربات وصيانة أرصفة الطرق وتشييد البنايات وتناول الأطعمة المحفوظة المغلفة واستيراد أجهزة التقنية الحديثة وما إلى ذلك ؟ أم أنّ التطور المنشود ينبغي أن يطال (منظومة القـِيَم) وقواعد السلوك الاجتماعي التي يتبناها المجتمع ، إضافة لذلك ؟
ما فائدة بناء الجسور والمقتربات وتعبيد الطرق ،وقلوب الناس متنافرة كأنهم (كلابٌ عاوية يهرُّ بعضها بعضاً ، ويأكل بعضها بعضاً) على حد تعبير الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في رسالته لأبنه الأمام الحسن عليه السلام ؟
ولكي لا أطيل على القارئ فإني أذكر بعض الممارسات التي تحول دون تطور المجتمع العراقي المأمول منه أن يُنتج قيادات وكوادر تُرسي دعائم (دولة) في البلاد . فالموضوع لا يختص بحقبة من الحقب بحيث يتصور البعض أننا ننتقد سياسة من السياسات ؛بل الموضوع ناظرٌ إلى البيئة الاجتماعية ذاتها .
وفي هذه الحلقة نستعرض إحدى الظواهر الاجتماعية والممارسات الميدانية التي من شأنها إيقاف عجلة الارتقاء الاجتماعي الذي يؤثر تأثيراً سلبياً بالغاً في عملية إنتاج أجهزة دولة حقيقية، لما لها من آثار وضعية تنعكس على بنية المجتمع العراقي .  فالتخلص من هذه الظواهر التخلفية أمرٌ لامناص منه ، فكل شيء في العراق خاضع إلى الضوابط السلوكية الاجتماعية بالغة الحساسية ،بما في ذلك القوانين نفسها :
ظاهـــــــــــــــــرة مجالس التأبين
وهي مجالس يقيمها الناس في أماكن مخصوصة وتسمى بـ (الفواتح) ومفردها (فاتحة) نسبة إلى سورة الحمد المباركة التي من أسمائها (الفاتحة)لافتتاح المصاحف بها .
يكتنف هذه المجالس من مظاهر الكذب والنفاق الاجتماعي وصفقات القتل والثأر بشكل خفي ومستتر الشيء الكثير.
الكل يتبادلون القبلات في ما بينهم ،وكأنهم فرحين بموت صاحب المناسبة ،يضحكون كذباً ويتبادلون التحايا نفاقاً ،وإذا جاءتهم (مواكب) المسؤولين ينسون أنفسهم بتسابقهم على إلقاء (خطب) الترحيب والتهليل والتسبيح والتكبير والتحميد والتمجيد .
وبعد انتهاء هذا(الاستعراض) نجد الرجال والنساء يأكلون من الطعام (كما تأكل الأنعام) على حد وصف سورة (محمّد) صلى الله عليه وآله ،وكأنهم مُنعوا من تناول الأطعمة مدة طويلة أثـَّرتْ في أجسادهم فأصابها هُزال .وإذا رأيتهم (حسبتهم لؤلؤاً منثوراً) (وإذا رأيتَ ثـّمّ رأيتَ نعيماً وملكاً كبيراً) أعداءاً متآلفين متحدين (فاصبر لحكم ربّك ولا تطع منهم آثـِماً أو كفوراً)!!
تراهم جميعٌ وقلوبهم شتى ،وتراهم يضحكون وقلوبهم منتنة .
الفقراء حينما يموت أحد رؤسائهم ، فلا محافظ يأتيهم ولا قريب يشيّع جنائزهم ويرجو اللهَ فيهم ،ولا معين يعين عوائَلهم ،ولا جارٌ يطرق باباً ، أو بحسب الوصف القرآني : (لم تُحسُّ من أحدٍ منهم ولم تسمع له ركزاً) !
في باب الميت الفقير (رئيس الفقراء) لا يوجد (كرفان) حتى يأتي فلانٌ وفلان . قد يأتيهم رئيس من رؤسائهم وقد اعترته صحوة عشائرية يطلب منهم بيع أثاث البيت من أجل مجلس الفاتحة، أو من أجل (مأدبة عشاء) بمناسبة مرور أربعين يوماً على الوفاة ،شريطة أن يبلغ عدد أصناف الأطعمة أربعون صنفاً تيمناً بأُسطورة (الأربعين حرامي) !
حينما يحضر المسؤول مجلس التأبين تسمع المنافقون يقولون له : لماذا أتعبتَ نفسك (تصدّعتم مولانا الأجل!) ،وحينما يتأخر أحد (الأقرباء) لسبب قاهر فإنهم يقاطعونه سنين طوال لإخلاله بهذا(الواجب المقدّس) !
الذي (يرتاد) هذه المجالس عليه أن يستذكر العبارات الناعمة التي يجب أن يلقيها في خطاباته الحماسية أثناء الاستعراض !
الكل يسير على طبق (نظام) لا يحسن اختراقه، حتى يقال له (وجيه) !
في أيام النظام السابق كنا نأتي إلى هذه (الفواتح) غلقها الله ،فيتعرف علينا (الرفاق) ليأخذوننا إلى (قواطع الجيش الشعبي) سيئة الصيت، وكنا نفرُّ منها فرارنا من الأسُود الضاريات .
في العام 2000كتبتُ :
رأيتُ في أحد الجوامع عرضاً حزيناً أقامته الفـِيـَلـَة بمناسبة موت أفعى سامّة ،حضره جمعٌ من القرود ، ولفيف من الكلاب ، وفصائل من الدود !
عبارات الود وكلمات المجاملة في هذه المجالس كلها جوفاء ليس لها واقعٌ في الخارج ،هي عبارات (فورمات) ينطق بها الجميع للجميع ، ما خلا العبارات التي خصصوها لـ (مواكب المسؤولين) فقط، الذين يحاول الجميع عقد صفقات النفاق معهم !
يفتخر الجميع بأنّ الله حباهم بـ ( نظرة رحيمة) من وجه المحافظ أو الوزير أو عضو البرلمان أو عضو مجلس المحافظة حينما يأتون إلى( مجلس الفاتحة) ـ غلقه الله تعالى وأخزاه ـ  .
ولو طلبتَ من أحد (المبتسمين) أن يعفو عنك بسبب موقف يقع معه في ما بعد ،فإنك تجده سبعاً ضارياً ،أو ذئباً خطيراً، أو جرذاً قذراً، وقد ضاعت (الابتسامات) بـ ( رمشة عين) !
قد ينبهر احدنا بأحد (الوجهاء) المتمولين السمان الواقفين لتحية القادمين المغفلين بقصد تقديم التعزية والتسلية لأهل المصاب ،ويطلب منه مساعدة أحد أبناء عمومة هذا الوجيه الذي تعرّض إلى محنة من محن الزمان ،فأنه يُصاب بالندم وخيبة الأمل ،ويتمنى أن يدسّ رأسه بالتراب !
وهكذا ينقضي الوقتَ في العراق !
ذات يومٍ دُعيت إلى حضور مأدبة عَشاء أقامها صديق لي اسمه مثنى (حفظه الله) حيث ذكر أنّ هذه الوليمة كانت وفاءاً لنذر نذره ،فلبَّيتُ الدعوة لأنني أعرف مصادره وموارده ؛وإلاّ لم ألبِّها !
بعد إقامة صلاة العـِشائين حلّ وقت الطعام ،وكان صديقي قد دعا جمعٍ من المشايخ العشائريين الذين يعتبرون إقامة مجالس التأبين (الفواتح) طقساً مقدساً ،وكنتُ الهاشمي الوحيد بينهم ،فطلبوا مني الدخول إلى قاعة الطعام بحسب العادة المتعارف عليها (السياق) ،فرفضتُ الدخول ،ودار الحوار التالي بيني وبين أحد أبرز المشايخ المذكورين، وكان واقفاً على مقربة مني :
 قلت : لا ينبغي لمثلي أن يتقدم على المشايخ (الشيوخ) .
قال :هذا لا يجوز أنْ يتقدم أحدٌ منا عليك لأنك أحد أنجال الدوحة الهاشمية. فهذا خلاف القاعدة .
قلت : دع عنك هذا الحديث ،وادخل أنت وأنا أدخل خلفك .
قال : هل هذه سنة جديدة تسنها ؟ أنت تتقدمنا جميعاً .
قلت :  هذه مسائل بسيطة ، وإذا كنتَ جاداً في ما تقول ادعُ مدير الأمن [ الحادثة في التسعينات] إلى مأدبة غداء وضع رأس الذبيحة أمامي ،حتى أقول أنّ كلامك الذي قلته الآن تعنيه .
قال : بصراحة لا أقدر .
قلتُ : اترك مدير الأمن، وافرض لو أنّ صبياً من صبيان السادة ضرب بالحجارة صبياً من صبيانكم في أثناء اللعب ،فهل تقدر أنْ تصرف النظر ولم تطلب وفداً يأتيك وتأخذ منه (الفصل العشائري) كرامة لجدهم ؟
قال : لا أقدر ؟
قلتُ : إذن ما فائدة أن أتقدمك في الدخول إلى هذا المكان ،وأنت على هذه الشاكلة يا شيخ ؟
فـَبُهـِتَ الذي كفر !!
قد يقول قائل : ما علاقة هذه الممارسات الاجتماعية بمسألة إقامة أجهزة دولة في العراق .
فإني أقول : إنّ أفراد المجتمع الذين يترعرعون بكنف هذه الأجواء همُ الذين سيختارون قادتهم ، إنْ لم يكونوا هم قادة في ما بعد ،وبالتأكيد فإنّ مرؤوسيهم ستنطبع سلوكيات رؤسائهم في ضمائرهم على أنها هي الواقع المفروض ،وفق القاعدة القائلة ( الناس على دين ملوكهم) ،فتكون بصمات الرؤساء واضحة على التشريعات والقرارات واللوائح وأنظمة العمل التي يقررونها وتصبح نافذة المفعول .ولو راجعنا الكثير من القوانين لوجدناها تحمل في مطاويها ثقافة المجتمع الذي عرفنا ما فيه .
5 /10 /2011
الحلقة القادمة قد تأتي



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=10253
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2011 / 10 / 11
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 12 / 13